معتز منصور/ باحث سياسي
ما يجري ضد كوبا، اليوم، لا يمكن اختزاله في سلوك عدواني لرئيس أميركي صاخب، ولا في موجة توتر سياسي عابرة. نحن أمام ممارسة مستقرة، لها قواعدها وأدواتها وشرعنتها، تمارس باسم القانون الدولي وهي تنقض جوهره.
تشديد الخناق بتجفيف مصادر الطاقة، وتهديد كل من يتعامل مع الدولة المحاصرة، يكشف أن العقوبات لم تعد استثناء اضطراريًا في السياسة الدولية، لقد تحولت إلى نظام حكم فعلي، يحكم من خلاله المركز العالمي أطرافه من دون حاجة إلى احتلال أو حرب مباشرة.
ما اتخذته إدارة دونالد ترامب من إجراءات لقطع إمدادات النفط القادمة من فنزويلا وممارسة الابتزاز الصريح بحق المكسيك وغيرها، ليس سياسة عقابية محدودة الهدف. هي توسيع متعمد لنطاق الحصار ليصبح عابرًا للحدود. الرسالة هنا لا تعاقب الدولة المستهدفة وحدها، حتى كل من يفكر في التعامل معها. بهذا المعنى، لم تعد السيادة الوطنية مفهومًا قانونيًا، لقد أضحت امتيازًا مشروطًا بالالتزام.
الخطأ التحليلي الأكثر شيوعًا هو تحويل ترامب إلى أصل المشكلة. هذا تبسيط مريح؛ لكنه مضلل. الحصار على كوبا سابق على ترامب بعقود، ومحصن تشريعيًا داخل بنية الدولة الأميركية. الكونغرس هو من شرعن، والإدارات المتعاقبة هي من أدارت درجات الشدة والليونة من دون المساس بالجوهر. حتى خلال الانفراج النسبي لم ترفع الحصار، بل أعادت تنظيمه. ترامب لم يخترع الآلة، بل استخدمها بلا أقنعة، فبدت فجاجتها على حقيقتها.
بناء على ما تقدم؛ تصبح كوبا حالًا كاشفة لا معزولة. ما يجري هناك هو النموذج الأوضح لمنطق العقوبات بوصفه سلاحًا لإدارة عالمية. التجربة نفسها، مع اختلاف السياقات، تكررت في إيران وسوريا وفنزويلا. العقوبات لم تعد أداة ضغط سياسي قابلة للتراجع، صارت بديلاً منخفض الكلفة عن الحرب، تحقق الغاية نفسها من دون خسائر بشرية في صفوف الطرف المعتدي، ومن دون صور دبابات أو جثث تثير الرأي العام الغربي.
في مواجهة هذا المشهد، يظهر رهان آخر لا يقل إشكالية، وهو الرهان الأخلاقي على تدخل روسيا أو الصين لإنقاذ كوبا. صحيح أن موسكو أعلنت استعدادها لمد هافانا بالنفط، وأن بكين تملك فائضًا اقتصاديًا وقدرة على المناورة، لكن المشكلة الجوهرية ليست القدرة التقنية، بل طبيعة الدور السياسي. روسيا والصين لا تتحركان، بوصفهما قوى تحرر عالمية، بل كونهما قوى صاعدة تفاوض داخل النظام الدولي القائم، وتسعى إلى تعديل توازناته لا إلى هدمه.
روسيا تخوض صراعًا مفتوحًا مع الغرب، وتدير اقتصادًا مثقلاً بعقوبات غير مسبوقة. الصين، مع قوتها، ما تزال شديدة الارتباط بسلاسل التجارة والتمويل التي تهيمن عليها الولايات المتحدة. كل خطوة محسوبة بميزان كلفة معقد، لا بميزان الشعارات. من ينتظر من موسكو وبكين أن تتصرفا على أنهما بديل أخلاقي عن واشنطن، يسيء قراءة الواقع الدولي كما هو، لا كما يرغب أن يكون.
هنا تتضح المفارقة. كوبا لا تختبر شجاعة روسيا أو الصين، إنما تختبر صدقية الحديث عن نظام دولي جديد. إذا كان هذا النظام عاجزًا عن ضمان الحد الأدنى من الحق في الطاقة لدولة محاصرة منذ أكثر من ستين عاما، فأي معنى له؟.. وإذا كان أقصى ما يستطيع تقديمه هو شحنات طارئة تخضع للتوقيت والمساومة، فالمشكلة ليست في كوبا وحدها، بل في بنية عالم لمّا يحسم خياره بعد..!
الأزمة إذا ليست أزمة وقود، ولا أزمة إدارة، هي أزمة نظام. نظام يجعل من الدولار سلاحًا سياسيًا، ومن التأمين البحري أداة ضبط، ومن المصارف بوابات عقاب. طالما بقيت الطاقة والغذاء رهائن لهذا النظام، ستظل كل دولة خارجة عن الطاعة مرشحة لتكون كوبا التالية. السيادة هنا لا تسقط بالقصف، بل بالحرمان التدريجي من شروط الحياة.
من هذا المنظور، الدفاع الحقيقي عن كوبا لا يكون بالخطابة ولا بنداءات الغضب، إنما بتفكيك منطق العقوبات نفسه. السؤال الذي يجب أن يطرح بلا مواربة هو: هل العالم مستعد فعلا لكسر نظام العقوبات أم أنه يكتفي بإدارة نتائجه الإنسانية؟!
طالما لم تبن شبكات تبادل خارج النظام المالي الغربي، وطالما لم تحيّد الطاقة والغذاء عن الصراع السياسي، ستظل كل محاولة إنقاذ جزئية وكل تضامن ظرفيًا.
ترامب سيغادر المشهد، عاجلاً أم آجلاً، لكن الآلة التي استخدمها ستبقى تعمل بالكفاءة نفسها، لأنها لم تصمم من أجله، بل من أجل نظام وجد في العقوبات أداة حكم مثالية.
المعركة الحقيقية ليست مع رئيس، هي مع بنية قررت أن تحكم العالم بالتجويع المنظم، ثم تطلب من ضحاياها أن يشكروها على تجنب الحرب.