اوراق خاصة

"الثالثة والنصف" لفائضة حدادي .. وثيقة أدبية تؤرخ ملحمة البيجر جراح الوطن النازفة

post-img

حسن نعيم/ كاتب وروائي لبناني

يشير عنوان كتاب"الثالثة والنصف" للكاتبة الإيرانية فائضة غفار حدادي إلى اللحظة الزمني التي وقع فيها تفجير البيجر بتوقيت متزامن.

هذه اللحظة التي شكّلت حدًا فاصلًا بين زمنين وحياتين :الحياة الاعتيادية، بتفاصيلها اليومية التقليدية والحياة المترافقة مع المعاناة والألم والصبر والصمود.

الكتاب، والصادر عن دار المودة في بيروت، ترجمته الى العربية مريم مير زادة. وهو عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة التي تلتقط مشاهد من الحدث المأساوي  وتحولها إلى قصة لجريح او شهيد أو عائلة مفجوعة. ترتبط هذه القصص مع بعضها البعض بخيط واحد هو توقيت ساعة التفجير الثالثة والنصف.

لا تلتزم حدادي بالتقنية الكلاسيكية للقصة القصيرة، إنما تنقل وقائع هذه المجزرة الرهيبة بأسلوب التقرير الصحفي بلغة أدبية تضعنا وجهًا لوجه أمام لحظات إنسانية مؤثرة 

تدفعنا إلى الاندماج والتبني الوجداني لهذه المظلومية التاريخية: "رؤوس وأيد مقطّعة، بطون نازفة، وجوه مشوهة، عيون خالية من الأحداق، أنوف مهشمة، شفاه متورمة.. على أقل تقدير، والبشرة فيها حروق وندوب بعضها سطحي وبعضها غائر، أما الأيدي، فتغطيها الضمادات بالكامل.. كانت الجروح منتشرة في أنحاء الوجوه، حتى إني كنت خائفة من النظر في وجه إبني....".. هكذا تتوالى المشاهد المأساوية وتترى،  لتصيغ منها  فائضة غفاري قصة ملحمة إنسانية لا تنقصها الفجائعية ولا تعوزها البطولة والشجاعة.

 التحرر من الشروط التقنية للقصة القصيرة، في هذا العمل، لم يكن خيارًا جماليًا فحسب، لقد جاء ضرورة بنيوية أملتها لحظة التفجير، فالحدث الذي هزّ الشعب اللبناني في 'الثالثة والنصف" كان حدثًا صادمًا بامتياز، لا تحتويه حبكة تقليدية ذات بداية ونهاية وغموض تعقبه بؤرة تنوير. لذلك؛ جاءت سردية حدادي على هيئة شظايا أدبية تشبه نتف اللحم المتناثر في الهواء جرّاء الانفجار. النص هنا يشبه الانفجار نفسه، وكأن النص بحد ذاته يعيد ترميم ما تهشّم من أجساد وحكايات أناس من لحم ودم وأحلام بعضها محقق وبعضها مجهض.

لقد نجحت حدادي في تحويل الجراح  البشرية إلى نص أدبي ملحمي عصي على النسيان وجعلت من الجسد وثيقة أدبيّة توثق واقعة البيجر من خلال سيميائية الجسد الشاهد الحي على  جريمة العصر.

هذه السردية الملحمية تنأى بنفسها عن الأبعاد السياسية والعسكرية والأمنية مقتصرة على الجوانب الإنسانية: لحظات الانفجار، النقل المتزامن إلى المستشفيات، الأوجاع، الصراخ، حزن الأهالي، صدمة الشارع اللبناني، نظرات العيون الحائرة بين تكذيب ما حدث وتصديقه...

تعتمد قصص " الساعة الثالثة والنصف" في أسلوبها الكتابي بصيغته العربية، ولا نعلم ما إذا كان هو أسلوبها بنصها الفارسي الأول ، أم أنه أسلوب المترجمة مريم ميرزادة.

 أسلوبها السردي الذي يتسم بلغة أدبية توثيقية متقشفة ومتخففة من محمولاتها البلاغية، منحازة إلى البساطة والمؤثرية في اللقاءات المباشرة مع الضحايا وذويهم. وهي من أجل ذلك قدمت من إيران إلى لبنان لتعاين عن كثب شخصياتها الواقعية وتحاورهم، وتلتقط اللحظة الواقعية الفاصلة بين زمن ما قبل التفجير، بكل أحلامه وجمالياته،  والزمن الذي تلاه بكل معاناته وصبره وتكيّفه مع الواقع المستجد.

لقد أوصل كتاب" الساعة الثالثة والنصف" إلينا مشهدية البيجر، بتفاصيلها كلها، وأرانا الجرحى على أسرّة المستشفيات،  فسمعنا أنينهم، ورأينا الحزن في وجوه ذويهم، ودموع أطفالهم....

مع " الساعة الثالثة والنصف" تحولت الوجوه المتشظية والعيون النازفة والأيدي المقطوعة إلى نجوم وأوسمة على صدور أباة الضيم اللبنانيين الذين قدموا للعالم نموذجًا لا يتكرر في الصبر والثبات والتمسك بالحرية والحق والقضايا لوطنية الكبرى..

لقد تحولت جراحاتهم الفردية الموزعة على أرض الوطن إلى جراح وطن وشعب يأبى الاستبداد، ويتطلع إلى يوم تشرق فيه شمس الحرية على كل شبر من أرضه المنيعة والعصية على العدوان.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد