اوراق خاصة

استشهاد قائد عظيم.. لحظة فارقة في التاريخ الإقليمي والمواجهة مع الاستكبار

post-img

د. زينب الطحان/ كاتبة وأستاذة جامعية

في وقت تتصاعد فيه وتيرة الصراع في غرب آسيا، ومع وميض الصواريخ والمسيرات التي تستهدف مواقع القوى الاستعمارية في المنطقة، خطف نبأ استشهاد آية الله السيد علي الخامنئي المشاعر وجعل من الفجيعة لحظة تاريخية ستظلّ ماثلة في الذاكرة الجماعية للأمة. ليس استشهاد القائد مجرد حدث عابر في سياق الحرب الدائرة؛ هو محطة رمزية مفصلية في تاريخ مواجهة الاستكبار، ومفصل آخر في سجل طويل من التحدّي والتمسك بمبادئ الثورة الإسلامية التي بزغت قبل أكثر من أربعة عقود.

أعلنت الجمهورية الإسلامية استشهاده، في 28 شباط/فبراير 2026، إثر هجوم استهدف مقر قيادته في تطور وصفته طهران بأنه تصعيد خطير في سياق المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. أُعلن الحداد الوطني لمدة أربعين يومًا، فيما بدأت الآليات الدستورية الخاصة بانتخاب قائد جديد، وفقًا لما ينص عليه الدستور الإيراني عبر مجلس خبراء القيادة.

النشأة والبدايات

وُلد السيد علي الخامنئي في 19 نيسان/أبريل 1939 في مدينة مشهد شمال شرق إيران، في أسرة دينية معروفة باهتمامها بالعلوم الشرعية. تلقّى تعليمه الديني في سن مبكرة، ثم انتقل إلى الحوزات العلمية، لا سيما في مدينة قم، حيث تتلمذ على عدد من كبار العلماء، وفي مقدمتهم روح الله الخميني.

في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، انخرط في النشاط المعارض لنظام الشاه، وتعرّض للاعتقال أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي والديني، كما تعرض مرة للاغتيال، حينها أعطبت يده اليمنى. مع انتصار الثورة الإسلامية في العام 1979، أصبح من الوجوه البارزة في مؤسسات الدولة الناشئة، فشارَك في مجلس الثورة، وتولّى أدوارًا تنظيمية وسياسية متعددة.

السيد علي الخامنئي.. من المبارز إلى المرشد الأعلى

في العام 1981، انتُخب خامنئي رئيسًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في مرحلة اتسمت بظروف داخلية صعبة وحرب مفتوحة مع العراق. وخلال ولايتيه الرئاسيتين (1981–1989)، شارك في إدارة مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ بنيتها الدستورية. بعد وفاة الإمام الخميني في حزيران/يونيو 1989، انتخبه مجلس خبراء القيادة مرشدًا أعلى للجمهورية الإسلامية، ليصبح ثاني من يتولى هذا المنصب في تاريخها. وبصفته المرشد الأعلى، يتولى الإشراف العام على سياسات الدولة الكبرى، بما في ذلك القوات المسلحة والسياسات الدفاعية والخارجية، وفقًا للدستور الإيراني.

ملامح نهجه السياسي والفكري

ارتبط اسم الإمام الخامنئي بمفاهيم أساسية في الخطاب السياسي الإيراني، أبرزها:

  1. الاستقلال الوطني ورفض التبعية للقوى الكبرى.
  2. تعزيز القدرات الدفاعية والعلمية بوصفها ركيزة للسيادة.
  3. دعم قضايا يراها عادلة إقليميًا، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
  4. تأكيد مفهوم نصرة المستضعفين امتدادًا للرؤية الإسلامية للعدالة.

في المقابل، نظرت إليه الولايات المتحدة بوصفه صاحب الكلمة الفصل في القرارات الاستراتيجية الإيرانية، وفرضت عليه عقوبات مباشرة في العام 2019 خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي رأته المسؤول الأول عن التوجهات الإقليمية والعسكرية لبلاده.

حضوره الإقليمي والدولي

خلال قيادته الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، شهدت المنطقة تحولات كبرى: من الحرب العراقية -الإيرانية، إلى الغزو الأميركي للعراق، إلى تصاعد التوتر حيال الملف النووي الإيراني، وصولًا إلى الاتفاق النووي في العام 2015 وما تبعه من انسحاب واشنطن منه. في هذه المحطات، بقي الإمام الخامنئي المرجعية النهائية في رسم اتجاهات الدولة العامة، مع تأكيده المتكرر على الصمود الاستراتيجي وتجنب التفريط بالسيادة الوطنية.

قيادةٌ ثابتة في مقاربة الصراع مع الاستكبار

استندت قيادة السيد الخامنئي إلى رؤى متجذرة في مفهوم نصرة المستضعفين، والتي لم تكن مجرد شعارات، إنما خطة عمل سياسية واستراتيجية. في خطاباته وخطواته، جسّد قناعةً بأن قوة الأمة تكمن في استقلال القرار الوطني وتعزيز قدراتها الداخلية وإسناد حقوق الشعوب المضطهدة في مواجهة القوى الكبرى.

كانت مواقفه تجاه التهديدات الأميركية والصهيونية حاسمة، ما جعله شخصية مركزية في الخطاب الإقليمي والدولي؛ فأصبح العدو اللدود لولايات المتحدة الأميركية وقبلها العدو الصهيوني، واللذين حاولا شيطنته واتهامه بشتى الاتهامات الأخلاقية والفساد المالي، وغيرها، والتي كانت الأيام تثبت خلاف هذه الترهات. مع ذلك، حافظ القائد على ثباته في السياسة الخارجية والإقليمية، مدافعًا عن سيادة إيران ومؤكدًا رفض الهيمنة ومؤسسًا لنهج يرتكز على الصمود والاعتماد على الذات.

الاستشهاد.. حدث جلل في مواجهات القوة الكبرى

في فجر اليوم (الأول من أذار)، أعلنت الجمهورية الإسلامية استشهاد السيد علي الخامنئي إثر هجوم استهدف مقر قيادته، صباح  يوم أمس السبت، في خطوة وصفتها طهران بأنها جزء من حملة أميركية – إسرائيلية تهدف إلى ضرب الثورة الجمهورية في إيران. في هذا السياق، أعلن التلفزيون الإيراني الحداد الوطني لمدة 40 يومًا، وإجازة رسمية تكريمًا لمسيرة قائدٍ قضى معظم حياته في مواجهة تحالف قوى الاستكبار. يأتي هذا الحدث في سياق تصعيدٍ شامل في المنطقة، حيث يحاول المعسكر الأميركي – الإسرائيلي، بدعم من تحالفات إقليمية، فرض وقائع جديدة على الساحة. يراهن هذا المعسكر على أن استهداف شخصية مركزية مثل الإمام الخامنئي قد يفتح الباب أمام تغييرات دراماتيكية في ميزان القوى الإقليمي.

أثر الغياب.. استمرارية الثورة وثقل اللحظة

يشكل رحيل السيد الخامنئي لحظة مفصلية، في التاريخ المعاصر للأمة، ليس فقط لكونه قائدًا سياسيًا ودينيًا، بل لأنه رمزٌ للتحدّي في مواجهة الهيمنة. بعد ثلاثة عقود من العلاقة المتينة مع الإمام الخميني، كتب الخامنئي سطره الأخير في معركة لا تبدو كغيرها من المعارك التقليدية، بل هي حالة تاريخية قوامها صراع رؤى بين نظام عالمي أحادي القطبية وقوى تسعى إلى تعددية في القرار الدولي. على الرغم من أن الاستشهاد يمثل صدمة عميقة، تشير نصوص الدستور الإيراني وإجراءات مجلس الخبراء إلى آلياتٍ دستورية قوية لتجاوز الفراغ القيادي، ما يضمن استمرار المؤسسات والبناء الوطني وفقًا للأسس التي وضعها النظام منذ قيام الجمهورية الإسلامية.

مشهد إقليمي متغيّر

تصاعد التوتر في الشرق الأوسط يعكس تحوّلات في بنية القوة الدولية، حيث تجري محاولات لإعادة رسم خرائط النفوذ، في وقت تواجه فيه السياسة الأميركية تحديات داخلية وإقليمية متزامنة. أسهمت السنوات الطويلة من الصراعات، في العراق وأفغانستان وسوريا وغيرها، في بروز قوى إقليمية جديدة، بينما تواجه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية وسياسية على نحو لم تعرفه منذ زمن. في هذا الإطار، يظل الغرب يراهن على أن زعزعة استقرار النظام الإيراني قد يسهّل تنفيذ سياساته في المنطقة. لكن استشهاد قائد مثل الإمام الخامنئي يحمل بعدًا رمزيًا واستراتيجيًا يختلف عن مجرد خسارة شخصية مؤثرة؛ فهو يمثل اختبارًا لقدرة التحالفات الجديدة على الصمود وتثبيت مواقفها.

شكّل إعلان استشهاد آية الله السيد علي خامنئي حدثًا مفصليًا، في المشهدين الإيراني والإقليمي، لما يمثله الرجل من موقع مركزي في بنية النظام السياسي للجمهورية الإسلامية ومن حضور ممتدّ في قضايا منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط) على مدى أكثر من أربعة عقود. بين البعد الرمزي لشخصيته والوظيفة الدستورية لمنصبه تتقاطع السياسة بالدين والتاريخ بالصراع الجيوسياسي، في لحظة بالغة الحساسية.

الاستشهاد وتداعياته

يمثل رحيله لحظة دقيقة في تاريخ إيران الحديث، نظرًا إلى الدور المحوري الذي أدّاه في تثبيت مؤسسات النظام وصياغة سياساته الكبرى. كما يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية ستختبر قدرة النظام على الحفاظ على تماسكه في ظل تحديات داخلية وخارجية متشابكة.

سواء نظر إليه أنصاره بوصفه قائدًا صلبًا في مواجهة الهيمنة أم انتقده خصومه بصفته صاحب نهج تصادمي مع الغرب، فالثابت أن السيد علي الخامنئي كان شخصية محورية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، واسمًا ارتبط بمراحل مفصلية من تطور إيران السياسي والإقليمي. برحيله، تدخل إيران مرحلة جديدة، سيحدد مسارها توازن الداخل وموقعها في خريطة الصراع الإقليمي والتحولات الجارية في النظام الدولي.

من الفقد إلى المعنى

قد يُقرأ استشهاد السيد علي الخامنئي على أنه مفارقة تاريخية؛ فقائدٌ مثله قضى عقودًا في مقاومة الهيمنة يُستهدف في لحظة تبدو فيها ميزان القوى معقدًا ومشحونًا. مع ذلك، فإن الأثر الذي تركه - وفقًا لتقديرات أتباعه ومناصريه - يتجاوز اللحظة المؤلمة نفسها، ليكون فصلًا جديدًا في صوغ التاريخ الإقليمي ومستقبل الصراع بين قوى الاستكبار من جهة وقوى التحرّر والمستضعفين من جهة أخرى.

في هذا السياق، لن يكون استشهاده نهايةً لرؤيةٍ أو مشروع؛ سيكون علامةً على انتقال نوعي في مواجهة الهيمنة وتثبيت إرثٍ يستمد جذوره من قيم عميقة في الصمود والمقاومة. لن تكتمل قراءة هذا الحدث إلا بوضعه في سياقه التاريخي الواسع، كونه أحد أبرز محطات الصراع في القرن الحادي والعشرين.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد