معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي
في لحظات التصعيد الكبرى، تميل القراءة السطحية الى اختزال المشهد في تبادل نيران وصور دمار وأرقام خسائر. غير أن ما تواجهه إيران يتجاوز حدود الاشتباك العسكري المباشر، ليدخل في صميم سؤال السيادة وموقع الدولة في نظام إقليمي يتعرض لإعادة هندسة قسرية. هنا تحديدًا تتجلى قيمة الصمود الإيراني، لا بوصفه شعارًا عاطفيًا، بل لكونه خيارًا استراتيجيًا متراكمًا تشكّل عبر عقود من الصراع والضغط والعقوبات.
منذ العام 1979؛ اختارت إيران موقعًا خارج المدار الغربي التقليدي، ودفعها ذلك إلى مواجهة منظومة ضغوط متواصلة، حربًا مع العراق استمرت ثماني سنوات، حصارًا ماليًا وعقوبات اقتصادية متجددة وعمليات استهداف مباشرة وغير مباشرة. مع ذلك، لم تتفكك مؤسسات الدولة، ولم تنهَر بنيتها المركزية.
هذه الحقيقة لا يمكن تجاوزها في أي تحليل جاد. تقارير مراكز بحثية غربية، مثل Center for Strategic and International Studies، تؤكد أن إيران طوّرت واحدًا من أكبر برامج الصواريخ في منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط) في التنوع والمدى. هذا التطور تمّ في ظل قيود تسليحية صارمة، ما يعني أن القدرة العسكرية الإيرانية نشأت تحت الضغط، لا في ظروف انفتاح أو تحالفات عسكرية كبرى.
فلسفة الردع الإيرانية تقوم على كسر فكرة الحسم السريع التي تراهن عليها "إسرائيل" تقليديًا. بينما تعتمد "تل أبيب" على التفوق الجوي والضربة الخاطفة، تبني طهران استراتيجيتها على تحويل أي مواجهة إلى استنزاف طويل يرفع الكلفة السياسية والعسكرية على الخصم. هذا النمط تشكّل، خلال الحرب العراقية - الإيرانية، حين صمدت الدولة على الرغم من الدعم الدولي الواسع لبغداد آنذاك. التجربة التاريخية، هنا، ليست مجرد ذكرى، هي عقيدة راسخة في بنية التفكير الاستراتيجي.
اقتصاديًا، لا يمكن إنكار عمق التحديات التي فرضتها العقوبات، خاصة بعد انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي في العام 2018. غير أن بيانات البنك الدولي تشير إلى أن الاقتصاد الإيراني، على الرغم من الانكماشات الحادة، سجل في سنوات لاحقة معدلات نمو إيجابية. هذا لا يعني تعافيًا كاملاً، لكنه يدل على قدرة تكيف واضحة.
إيران أعادت توجيه تجارتها نحو الشرق، وعززت شراكاتها مع الصين وروسيا، وانضمت إلى مجموعة البريكس، في مؤشر على تحول تدريجي في بنية النظام الدولي. تعددية المراكز الاقتصادية تمنح دولاً، مثل إيران، هامشًا أوسع من الحركة مقارنة بمرحلة الهيمنة الأحادية بعد الحرب الباردة.
الجغرافيا تمثل بدورها ركيزة أساسية في معادلة الصمود. إشراف إيران على مضيق هرمز يمنحها موقعًا مؤثرًا في سوق الطاقة العالمي. وفقًا لبيانات الوكالة الأمريكية للطاقة؛ يمر عبر المضيق نحو خمس تجارة النفط العالمية. هذه الورقة لا تستخدم بصورة عبثية؛ لأن إغلاق المضيق يضر الجميع، لكنها تظل عنصرًا رادعًا يعقّد حسابات أي مواجهة شاملة.
الرهان على تفكك الداخل الإيراني تكرر مرارًا، خلال العقود الماضية. صحيح أن المجتمع الإيراني شهد احتجاجات وصراعات سياسية داخلية؛ لكنّ التجربة تشير إلى أن التهديد الخارجي غالبًا ما يعيد ترتيب الأولويات ويعزز التماسك الوطني. المجتمعات حين تشعر بتهديد وجودي تميل إلى الالتفاف حول الدولة، ولو بصورة مؤقتة. هذا المعطى لا يلغي التناقضات، لكنه يفسر لماذا لم تؤدِ أشد موجات الضغط إلى انهيار مؤسسات الحكم.
في المقابل، تكشف المواجهة حدود القوة الأمريكية ذاتها. دراسات أمريكية تُظهر حساسية الرأي العام الأمريكي إزاء الحروب الطويلة المكلفة؛ فأي صراع ممتد مع إيران لن يكون عملية عسكرية خاطفة، سيكون مسارًا مفتوحًا على استهداف قواعد ومصالح وارتفاع أسعار طاقة وضغط سياسي داخلي. هنا، تتحول الكلفة إلى عامل ردع مضاد، يعادل جزئيًا الفارق في القدرات التقليدية.
كما أن إيران لا تتحرك في عزلة إقليمية. شبكة حلفائها، في العراق ولبنان واليمن، تشكّل عمقًا استراتيجيًا متعدد الجبهات. هذا الواقع يغير طبيعة أي حرب محتملة من مواجهة ثنائية إلى مسرح إقليمي واسع، ما يضاعف التعقيد أمام أي قرار بالتصعيد الشامل. صحيح أن هذا النمط يحمل مخاطر انفلات، لكنه في الوقت ذاته يعزز قدرة الردع.
مع ذلك؛ القراءة المنهجية تفرض الاعتراف بالتحديات. الاقتصاد الإيراني ما يزال عرضة لهزات العملة والتضخم وإدارة صراع متعدد الجبهات تتطلب ضبطًا دقيقًا للإيقاع؛ كي لا تتحول أوراق القوة إلى عبء داخلي. السؤال المركزي لا يتعلق بقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، بل بقدرتها على إدارة صراع طويل من دون استنزاف يتجاوز طاقتها الاقتصادية والاجتماعية.
ختامًا
صمود إيران ليس طارئًا ولا خطابيًا، إنما هو نتيجة مسار طويل من بناء قدرات عسكرية غير متماثلة وإعادة توجيه اقتصادي واستثمار في الجغرافيا والتحالفات. في مواجهة منطق الكسر السريع، تطرح طهران منطق الاستنزاف المنظم.
بين هذين المنطقين؛ يتحدد شكل التوازنات المقبلة في الإقليم.. إيران اختارت أن تكون فاعلاً في معادلة إعادة التشكيل، لا مجرد ساحة لتصفية حسابات الآخرين.