اوراق خاصة

عندما تسقط الأقنعة... أيُّ قيمٍ تحكم العالم فعلًا؟

post-img

د. ليلى شمس الدين/ باحثة في الأنثروبولجيا والإعلام

في كل حربٍ كبرى، لا تُختبر الجيوش فقط…أيضًا تُختبر القيم.

في كل فضيحة أخلاقية مدوّية، لا يسقط أشخاص فحسب… أيضًا يسقط خطابٌ كامل كان يدّعي أنه يمثل "الضمير العالمي".

في مساء العاشر من آب/أغسطس 2019، أُعلن العثور على رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستينJeffrey Epstein  ميتًا في زنزانته في نيويورك، في الحين الذي كان ينتظر فيه محاكمته بتهم الاتجار الجنسي بقاصرات.

الخبر هزّ العالم، لا لأنّه كشف انحرافًا فرديًا فحسب، أيضًا لكونه أضاء على ما هو أعمق: شبكة علاقات امتدّت إلى دوائر سياسية ومالية نافذة وثقافة قانونية سمحت، على مدى سنوات، بتسويات مخفّفة على الرغم من شهادات ضحايا قاصرات.

تحقيق استقصائي نشرته صحيفة ذا ميامي هيرالد The Miami Herald،  في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أعاد فتح الملف بعد عقد من الصمت النسبي، كاشفًا تفاصيل صفقة قضائية تمت في العام 2008 منحت إبستين حصانة واسعة مقابل عقوبة مخفّفة. لاحقًا، تابعت صحيفة نيويورك تايمز The New York Times نشر وثائق وشهادات عن شبكة علاقاته وأسئلة النفوذ والإفلات من المحاسبة. القضية لم تكن أخلاقية فقط؛ وإنّما كانت اختبارًا لمصداقية منظومة كاملة تتبنّى خطاب الدفاع عن الكرامة الإنسانية.

بعد أربع سنوات، وفي سياق مختلف تمامًا، اندلعت حرب "طوفان الأقصى" المدمّرة في غزة. تصاعدت معها العمليات العسكرية التي نفّذها جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل القطاع، فيما وثّقت تقارير صادرة عن الأمم المتّحدة ومنظمات حقوقية دولية أعدادًا كبيرة من الضحايا المدنيين وتدميرًا واسعًا للبنية التحتية وتعطّلًا لمرافق صحية وتعليمية.

قد يقول قائل، الحدثان مختلفان جذريًا في السياق، الحجم، والفاعلين. إلاّ أنّ بينهما خيط مشترك:

حين يلامس القانون دوائر النفوذ، يتباطأ..حين تصطدم القيم بالمصالح الاستراتيجية، تُعاد صياغتها.

في قضية إبستين، سُئل القضاء الأمريكي: كيف أمكن لتسوية قضائية أن تحجب ملاحقة واسعة على الرغم من شهادات متكررة؟ وفي الحروب الحديثة، يُسأل النظام الدولي: هل تُطبّق قواعد القانون الإنساني بالتساوي؟

أم تُفسَّر بحسب ميزان القوى؟

من ميانمار إلى أوكرانيا، ومن غزة إلى نزاعات أخرى، تتكرّر الاتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة، في حين تتحرّك آليات العدالة الدولية ببطءٍ شديد، أو تبقى رهينة الاصطفافات السياسية. المسألة، هنا، ليست مقارنة ميكانيكية بين فضيحة جنائية وحرب عسكرية، هي مساءلة نمط أوسع.. فهل يعيش العالم أزمة أخلاقية عابرة للحدود، حين تُرفع القيم شعارات عالمية، لكنها تُطبّق بمعايير انتقائية؟

لطالما تغنّى الغرب- وما يزال- بالقيم الليبرالية الحديثة، من حقوق الإنسان إلى حماية الطفل وقدسية الجسد المدني .. وغيرها من القيم التي بُنيت بعد الحرب العالمية الثانية على وعدٍ بعدم تكرار الكارثة. غير أنّ كل اختبار جديد يكشف الفجوة بين النص والممارسة. في المحاكم، كما في ساحات القتال، وفي التحقيقات الصحفية كما في تقارير لجان تقصّي الحقائق، يتكرر السؤال ذاته بصيغة مختلفة: هل العدالة قيمة مبدئية… أم أداة ظرفية؟

لا نهدف إلى شيطنة ثقافة ما ولا إلى تبرئة أخرى. بل إلى تفكيك المفارقة: كيف يمكن لمنظومات سياسية وقانونية أن تتبنّى خطابًا أخلاقيًا كونيًا، فيما تكشف الوقائع حدود هذا الكوني حين يتقاطع مع القوة الاستبدادية؟

بين زنزانة في نيويورك ومدينة مدمّرة في غزة، لا تختبر الأحداث مصائر الأفراد فقط، أيضًا تختبر صدقية النظام الأخلاقي العالمي نفسه. ومن هنا يبدأ النقاش الحقيقي.

القيم حين تصبح أداة سياسية

لم تكن المبادئ والمرتكزات التي بُني عليها النظام الليبرالي الغربي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي وُصفت بأنّها كونية، شعارات سياسية فحسب، بل تحوّلت إلى معيار يُقاس به "تحضّر" الدول وشرعية الأنظمة.

غير أنّ كل منظومة أخلاقية تُختبر في لحظة الاصطدام بالقوّة. في قضية جيفري ابستين، لم تكن الفضيحة في الجريمة وحدها، إنما في السياق الذي سمح لها بالاستمرار. من شبكة العلاقات الواسعة إلى تسوية قضائية مثيرة للجدل في العام 2008. سنوات من الصمت المؤسّسي قبل أن يكسر التحقيق الصحفي حاجز الخوف ربما حواجز أخرى لغايات ستتكشّف لاحقًا من دون أدنى شك.

لم تختفِ القيم المعلنة، لكنّها بدت قابلة للتأجيل حين اقتربت من دوائر النفوذ. وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية: الانتقائية لا تُعلن نفسها بوصفها تناقضًا، بل تُبرَّر بوصفها "تعقيدًا قانونيًا" أو "ضرورة إجرائية". وفي ساحات الحروب، تتكرّر البنية ذاتها ولكن على نطاق أوسع. فتُرفع شعارات "حق الدفاع عن النفس"، وهو حق معترف به في القانون الدولي، لكن الجدل يتصاعد حين تُظهر تقارير أممية سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.

تُستدعى إذًا، مفردات القانون الإنساني الدولي حين تخدم الموقف السياسي، وتُهمَّش حين تصبح عبئًا أخلاقيًا يفرض مساءلة غير مريحة. هنا لا يعود النقاش حول طرفٍ ضد آخر، بل حول معيارٍ يفترض أنّه فوق الأطراف. هنا أيضًا، تترامى إلى الأذهان أسئلة عدّة: إذا كانت القيم كونية، فهل تُطبّق بلا استثناء؟ وإذا كانت خاضعة لموازين القوى، فهل تبقى قيَمًا… أم تتحوّل إلى أدوات خطاب؟...

في هذه المسافة الدقيقة بين النص والممارسة، تنشأ أزمة الثقة الكبرى، حين يدرك العالم أنّ العدالة لا تتباطأ فقط، هي تُختار ايضًا في أغلب الأحيان، توقيت ظهورها. وبذلك يتسلّل السؤال الذي لا يغادر الوعي المعاصر: هل نعيش زمن أزمة أخلاقية عالمية، أم زمن انكشاف الحدود الحقيقية للخطاب الأخلاقي الدولي؟

في أدبيات العلاقات الدولية، يُستخدم مفهوم الانتقائية الأخلاقية لوصف ميل الدول إلى تطبيق المعايير ذاتها بصرامة متفاوتة تبعًا لمصالحها الاستراتيجية. هذه الانتقائية تُغذّي ظاهرة الإفلات من العقاب حين تتعثر آليات الـمساءلة أمام معايير القوّة والنفوذ.

في هذا الإطار، يذكّرنا الفيلسوف الغربي الألماني يورغن هابرماس بأنّ الشرعية تُبنى على الاتساق بين الخطاب والممارسة، فيما يكشف الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو كيف تنتج السلطة "حقيقة" تُعيد تعريف المقبول والمشروع ... هكذا تبدو العدالة الوطنية، مع قصورها أحيانًا، أكثر قابلية للمساءلة الداخلية، في حين تبقى "العدالة الدولية" رهينة التوازنات السياسية حينًا والمصالح الشخصية على تنوّع وتعدّد أهدافها أحيانًا،  هي التي تحدّد متى تتحرّك… ومتى تصمت.

ما بين غزّة ... ونيويورك

في أحد تقارير الأمم المتحدة، وردت شهادة طبيب في غزّة، عن اضطراره إلى إجراء عمليات جراحية في ظروف شبه بدائية، مع نقصٍ حاد في التخدير والمستلزمات الطبيّة، فيما كانت المستشفيات تعمل فوق طاقتها وسط القصف والانقطاع المتكرّر للكهرباء.

في مشهد آخر مقابل؛ ظهرت في وثائق المحكمة الفدرالية في نيويورك، شهادات فتيات قاصرات قلن إنهن استُدرجن إلى شبكة ابستين، تحت وعودٍ بالعمل أو الدعم، قبل أن يجدن أنفسهن داخل دائرة استغلال منظم. المسافتان الجغرافيتان شاسعتان. والسياقان مختلفان جذريًا. لكن نقطة التقاطع واحدة.. هي الجسد.

جسد الطفل الذي يُفترض أن تحميه القوانين الدولية، وجسد المرأة الذي تُرفع باسمه شعارات الكرامة، إضافة إلى جسد المدني الذي يُقال إنّه خارج حسابات الحرب.

في الخطاب الحديث، الجسد "مقدّس"، لكنّ الوقائع تكشف هشاشة هذه القداسة حين تتبدّل المعادلة السياسية أو يشتدّ ميزان القوة. هنا يتسلّل السؤال الأكثر إزعاجًا: إذا كان الجسد هو الحدّ الأدنى المشترك لإنسانيتنا، فلماذا يصبح أول ما يُستباح حين تتعارض القيم مع المصالح؟

إعادة تعريف الإنسان في زمن انهيار الحساسية الأخلاقية

حين تتكرّر الفضائح بلا مساءلة كاملة، وتتكرّر الحروب بلا أفقٍ واضح للعدالة، لا يتغيّر المشهد السياسي فقط، وإنّما يتغيّر تعريف الإنسان ذاته.

في الخطاب الحديث، الإنسان هو القيمة العليا، هو الغاية لا الوسيلة. هو الكائن الذي بُنيت باسمه مواثيق حقوق الإنسان بعد العام 1945، وتأسّست لأجله منظومات قانونية دوليّة كاملة. لكن الوقائع تكشف شيئًا أكثر تعقيدًا.

في قضية إبستين، لم يكن السؤال فقط كيف استُغلّت أجساد قاصرات، بل كيف أمكن لنفوذ سياسي مالي أن يؤخر المحاسبة لسنوات. وفي الحرب على غزة، ومنذ معركة "طوفان الأقصى"، لم يكن السؤال عسكريًا فحسب، بل أخلاقيًا: ما هو الحدّ الذي يبقى بعده المدني خارج معادلة القوّة؟

في الحالين، يظهر الإنسان بوصفه مبدًا معلنًا… لكن بوصفه عنصرًا قابلًا للمساومة حين تتغيّر الأولويات. هنا تتشكّل المفارقة الكبرى، فالقيم لا تُلغى ... إنّما تُعاد صياغتها. وعندها يصبح الإنسان "ضحية مؤسفة" بدل أن يكون "حدًّا لا يُمس"، وتُصبح حياته رقمًا في تقرير، أو سطرًا في بيان إدانة، أو موضوعًا لجدل قانوني طويل.

مع كل تأجيل للمساءلة، يتقدّم تعريفٌ جديد للإنسان، ليس بوصفه مركز النظام الأخلاقي، بل بوصفه عنصرًا داخل توازنات السياسة. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال شرقًا وغربًا، ولا يصبح النقاش مقارنة ثقافية بقدر ما يصبح مساءلة معيارية.. إذا كانت القيم التي تحكم أنظمة الحكم والحرب تُقاس بقدرتها على حماية الأضعف، فهل ما يزال الإنسان هو المعيار… أم أصبح الخطاب هو المعيار؟ وحين تتآكل الحساسية الأخلاقية تدريجيًا، هل نفقد فقط القدرة على الغضب؟ أم نفقد شيئًا أعمق… القدرة على أساس أن للإنسان حدًا نهائيًا لا يُختزل؟

في هذا التوتّر بين الخطاب والممارسة، تُعاد كتابة المعنى.. وما يُعاد تعريفه بصمت اليوم، قد يصبح القاعدة غدًا.

العالم يتأرجح بين أزمة قيم… ولحظات انكشاف

بين زنزانةٍ في نيويورك انهارت فيها سردية الحماية الأخلاقية، ومدينةٍ تحت الركام في غزة تُختبر فيها حدود القانون الدولي. الوقائع لم تكن مجرّد أحداث متفرّقة، لقد كانت لحظات كشف. كشفٌ للفجوة بين الخطاب والممارسة، وبين القيمة المُعلنة والمصلحة الفاعلة، كما بين الإنسان بوصفه مبدًا كونيًا… والإنسان بوصفه رقمًا قابلًا للتأجيل.

القضية لم تكن شرقًا في مواجهة غرب، ولا نظامًا في مواجهة آخر، بل سؤالًا واحدًا يتكرّر كلما اصطدمت العدالة بالنفوذ، وكلما اصطدمت القيم بالقوة: إذا كان الإنسان هو المعيار الأعلى في خطابنا السياسي والأخلاقي، فلماذا يصبح أول ما يُساوَم عليه حين تتعارض المبادئ مع المصالح؟

ذلك هو السؤال الذي لا يمكن دفنه تحت الركام، ولا إغلاقه في ملف قضائي. وهو السؤال الذي سيظلّ يلاحقنا: هل نعيش فعلًا في عالم تحكمه القيم… أم في عالم تُستخدم فيه القيم حين تخدم القوة، وتُعلَّق حين تُقيّدها؟

القيم لا تُختبر في السلام.. القيم الحقيقية تُختبر في لحظة القوّة، لا في لحظة الضعف. وحين تمتلك السلاح.. وحين تمتلك المال.. وحين تمتلك النفوذ… هل تختار العدالة أم المصلحة؟

ربما السؤال الأعمق ليس في "أيُّ قيمٍ تحكم الغرب؟".. بل: "أيُّ قيمٍ نريد نحن أن تحكم العالم؟"

في زمن الفضيحة والحرب، لا يكفي أن نشير إلى سقوط الآخرين. المطلوب أن نعيد تعريف المعايير، وأن نُصرّ على أن حياة الإنسان ليست ورقة تفاوض. وهنا فقط، تبدأ القيم في أن تكون حقيقية.

المصادر والمراجع

Brown, J. K. (2018, November 28). Perversion of justice. The Miami Herald.

التحقيق الاستقصائي الذي أعاد فتح قضية إبستين وكشف صفقة 2008.

U.S. Department of Justice. (2019). United States v. Jeffrey Epstein, Indictment. U.S. District Court, Southern District of New York.

United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). (2023–2024). Gaza situation reports. United Nations.

Amnesty International. (2023–2024). Israel/Occupied Palestinian Territories: Reports on civilian harm and conduct of hostilities. Amnesty International.

Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide. (1948). United Nations.

Habermas, J. (1996). Between facts and norms: Contributions to a discourse theory of law and democracy. MIT Press.

Foucault, M. (1980). Power/Knowledge: Selected interviews and other writings 1972–1977. Pantheon Books.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد