اوراق مختارة

قرار المقاومة الصائب والحكيم

post-img

نجيب نصر الله/جريدة الأخبار

لا، لم يعد جائزًا ولا مقبولًا ولا كافيًا الحديث عن تخاذل السلطة القائمة أو جبنها. اليوم، ومع تبنيها للقرار الأميركي - الإسرائيلي بفتح النار المباشرة على المقاومة وشعبها ومحاصرة رجالاتها وملاحقتهم، تكشف عما هو أبعد من التخاذل المعروف أو الجبن الموصوف.

بل إن الأخذ بهذا الحديث الفارغ أو مناقشته يهدف إلى التعمية على أصل الموضوع الذي يمكن تلخيصه بتورط رأسها الأول، فضلًا عن باقي الرؤوس، في صلب المشروع المعادي إياه، المشروع الذي لم يغيّر ولم يبدل في هدف النيل من أنبل وأشرف وأطهر مقاومة عرفها التاريخ الحديث.

قرارات 2 آذار الإجرامية لا تفضح حقيقة التواطؤ المكشوف وطبيعة هذه السلطة ودورها في محاولة تمكين العدو مما عجز عن تحقيقه طوال أكثر من أربعين عامًا من عمر المقاومة الناجحة، بل تكشف عن مدى استخفافها بخطر الفوضى وأهوال الحرب الأهلية، ومبلغ استعدادها وجاهزيتها، وحتى حافزيتها، للسير في مخططات إغراق البلد وأهله في لجج الدم والدموع.

لطالما كان العدو الداخلي أخطر من ذاك الخارجي. والخطورة هنا لا تكمن في واقع التماهي المعيب مع أجندته المعادية، والذي تعاظم مع الإطباق المعادي على مواقع القرار، بل في المزايدة عليه في العداء، والذي وصل مع القرار الأخير حدّ تجاوز كل المحرمات. والأخطر من هذه العداوة التي لا سبب لها غير الصغار العضوي والموضوعي، فضلًا عن عشق الارتهان والعمالة وغيرهما من أشكال السقوط الأخلاقي والوطني والقومي، أن هؤلاء ممن اختير لهم أن يلعبوا هذا الدور يصدقون من مواقعهم الرسمية المغتصبة، تعيينًا وإسقاطًا، قدرتهم على تحقيق ما عجز عنه مشغلهم.

تفعيل الرد العسكري اللبناني لم يأت من فراغ، ولم يكن إشعالًا لحرب لم تتوقف أصلًا، ولم يكن ذريعة يحتاجها العدو للاستمرار في ما لم يتوقف عنه طيلة أكثر من سنة ونصف سنة. بل إن الدقة توجب القول إن العدوان لم يتوقف، ولم يلتزم بما نص عليه الاتفاق، لسبب بالغ الجوهرية، وهو اطمئنان العدو المحقّ إلى هذه السلطة ورهانه على قيامها بمهمة تمكينه من الوصول إلى ما عجز عنه بالنار طيلة ٦٦ يومًا من المواجهة الأسطورية التي خاضها أبطال المقاومة. بل إن تفعيل الرد العسكري الذي ربما تأخر بعض الشيء، هو محاولة لا بد منها لاستعادة المبادرة التي أفقدتنا إياها الزمرة الحاكمة التي نصّبها الخارج الغربي والعربي، ومحاولة أخيرة لاستنقاذ البلد وأهله من هاوية العجز الكاذب الذي أوقعتنا فيه سياسات الزمرة إياها.

تفعيل الرد العسكري على ممارسات العدو الذي رفض الالتزام بما نص عليه تفاهم ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤ واستمراره في الاعتداء على البلد، يفتح الباب أمام إمكانية استعادة التوازن. وهو بمثابة نقلة استراتيجية ستقطع حتمًا مع الآثار التي صنعها العهد الذي بات واضحًا أن قسمه على القيام بواجباته لم يكن تجاه الوطن ولا أبنائه بل تجاه... من أوصله وصنعه أو صدق خرافاته.

وعليه، فإن قرار التفعيل الذي يأتي في هذا السياق الواضح هو قرار صائب وحكيم وستكون له، بمعزل عن الأكلاف التي لا بد منها، تبعات إيجابية عميقة وعميمة لن تقتصر على تخليص البلد من حال العجز التي فبركتها سياسات حفنة المرتهنين الذين لا وظيفة لهم غير الانصياع وخدمة من أوصلهم إلى المناصب ولو كلفهم ذلك إغراق البلد وأهله في جحيم الموت المفتوح.

إنه القرار الفرصة الذي يفتح الباب أمام إعادة التوازن الذي ما كان ليُفقد لولا التساهل اللبناني الرسمي ومجانية التقديمات والتسليم بالإملاءات التي أوصلت إلى جعل لبناننا مكشوفًا كما لم يسبق له أن كا،ن حتى في الزمن السابق على المقاومة.

الساعات والأيام المقبلة ستكشف عن الحكمة التي حكمت هذا القرار الثوري والجريء والمقدام. أما أدوات الداخل التي أكلها العفن وشابها الصدأ فلها أن تواصل لغوها السيادي الذي لا طائل منه. والفارق النوعي الذي يبنى عليه من بعد قرار التفعيل الاستراتيجي هو أن رجال مقاومتنا يملكون من البأس والعزم والإرادة والتصميم والوضوح... ما سيفرض على التابعين المحليين ومشغليهم الإذعان لما سترسمه الصواريخ وتكتبه البنادق وتصنعه القبضات وتسطره الدماء الزكية التي ما بخلت يومًا على الأرض، كل الأرض.

يبقى، على سبيل الملاحظة العابرة، أن نقول إن المؤسف أن مفاجأة الأعداء المحليين وأسيادهم بقرار المقاومة المدروس بدقة وعناية كبيرتين ربما كانت أقل من مفاجأة بعض «الأصدقاء» الذين فاتهم، للأسف، الوعي والإدراك. فقالوا في قرار المقاومة ما كان ينبغي ألا يقولوه، فبدوا كالبلهاء الذين يرددون أقوال الأعداء، من دون أي تبصّر أو حس لا بالمسؤولية ولا بالفهم. والمؤسف أيضًا ألا يستعينوا بمن يشرح لهم أهمية القرار واستراتيجية أبعاده القريبة والبعيدة.

المؤسف أيضًا وأيضًا أن يغيب عنهم، أكثر من غيرهم، أن توقيت التفعيل وشكله، فرضته حسابات المسؤولية العالية والحرص الشديد على الناس وعلى مصالحهم، وإلا كان بمقدور المقاومة أن تستهل التفعيل بضربات كبيرة ذات وزن. لكنها اختارت تأجيل هذه الضربات إلى ما بعد احتماء الناس من مخاطر الجنون الصهيوني المعروف باستهدافه شبه الحصري للمدنيين. فالمقاومة هي ابنة شعبها وأهلها. هكذا كانت، وهكذا ستبقى...

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد