اوراق خاصة

إيلان بابيه...المؤرخ اليهودي الذي يؤكد زوال أسطورة "إسرائيل"

post-img

يشكّل المؤرخ الإسرائيلي- البريطاني إيلان بابيه أحد أبرز الأصوات الأكاديمية التي أعادت فتح ملف الرواية الرسمية الإسرائيلية حيال قيام "الدولة" وحرب العام 1948، لا بوصفها "حرب استقلال" المزعومة، كما اعتاد الخطاب الصهيوني التقليدي على تسميتها، إنما بصفتها لحظة تأسيسية لعملية تطهير عرقي ممنهجة بحق الفلسطينيين أهل الأرض الأصليين. ينتمي بابيه إلى تيار "المؤرخين الجدد" الذين أفادوا من فتح الأرشيف الإسرائيلي، منذ ثمانينيات القرن الماضي، لإعادة فحص الوثائق العسكرية والسياسية، لكنه يُعد الأكثر راديكالية بينهم، إذ لم يكتفِ بمراجعة تفاصيل الحرب، بل طعن في الأساس الفكري والسياسي للمشروع الصهيوني نفسه.

نشأ بابيه في حيفا، ضمن عائلة يهودية صهيونية تقليدية، وأدى خدمته العسكرية، وشارك في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973. حتى أواخر العشرينيات من عمره، كان مقتنعًا بالرواية التي تعلّمها في المدرسة والجامعة، ومفادها أن الفلسطينيين غادروا نتيجة ظروف الحرب، والجيوش العربية هي التي بادرت بالعدوان عقب إعلان "قيام إسرائيل". غير أن عمله البحثي في الأرشيف، خلال إعداد أطروحته للدكتوراه، شكّل، وفقًا لقوله، لحظة الانقلاب الفكري. إذ وجد أوامر عسكرية مؤرخة قبل مايو/أيار 1948، تتضمن تعليمات واضحة تتعلق بقرى محددة، من اقتحام وقتل ونسف منازل، الأمر الذي قاده إلى استنتاج أن ما حدث لم يكن سلسلة حوادث معزولة، إنما هي سياسة أوسع ذات طابع منهجي.

في كتابه الأشهر "التطهير العرقي في فلسطين"؛ عرض بابيه هذه القراءة بصورة موسّعة، معتمدًا على وثائق عسكرية ومحاضر اجتماعات ومواد أرشيفية إسرائيلية. رأى فيها أن "خطة دالت" التي وضعتها قيادة عصابات "الهاغاناه" الإرهابية كانت إطارًا عملياتيًا للسيطرة على الأرض وإفراغها من سكانها الأصليين الفلسطينيين. يستشهد بابيه بتكرار أنماط عسكرية متشابهة في عشرات القرى: حصار، قصف، تهجير، ثم تدمير المنازل لمنع العودة. بالنسبة إليه، لا يمكن تفسير تدمير مئات القرى وتهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني هو نتيجة عفوية لحرب تقليدية.

غير أن ما يميّز مشروع بابيه لا يقتصر على إعادة توصيف ما جرى في العام 1948، يتجاوز ذلك إلى صدام مباشر مع ما يسميه "الأسطورة الصهيونية". في قراءته التي بلورها بوضوح في كتاب موجز "تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني"، يرى أن الرواية الصهيونية التأسيسية قامت على منظومة أساطير سياسية وتاريخية، رسّخت في التعليم والإعلام والخطاب الدبلوماسي. من بين هذه الأساطير مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وفكرة أن قيام "إسرائيل" كان استجابة حتمية لاضطهاد تاريخي، وأن الفلسطينيين غادروا طوعًا أو بناءً على دعوات عربية.

يؤكد بابيه أن "التأريخ ضد الأسطورة"، بمعنى أن الوثائق والوقائع الديموغرافية والقرائن الميدانية تناقض السيرة التبسيطية التي تقدم "إسرائيل" "مشروعًا تحرريًا وطنيًا خالصًا"..! هو يرى أن الصهيونية، وإن استندت إلى شعور يهودي حقيقي بالاضطهاد الأوروبي، تجسدت عمليًا في فلسطين مشروعًا استيطانيًا إحلاليًا، هدفه إقامة دولة ذات أغلبية يهودية بتغيير البنية السكانية الحقيقية. كما يرى أن الإصرار على تجاهل هذه الحقيقة هو ما أبقى الصراع مفتوحًا؛ لأن أي تسوية تُبنى على "أسطورة تأسيسية" بدل الاعتراف التاريخي الصريح، ستظل هشّة.

كما يذهب المؤرخ اليهودي إلى أبعد من ذلك؛ حين يجادل بأن تفكيك الأسطورة ليس تمرينًا أكاديميًا، هو شرط أخلاقي وسياسي للمصالحة؛ فالتاريخ، في نظره، ليس مجرد سرد أحداث، هو أداة لتحرير الوعي من الروايات المهيمنة. من هنا؛ تأتي دعوته المتكررة إلى إعادة كتابة تاريخ فلسطين/إسرائيل ضمن إطار استعماري مقارن، يضع التجربة الصهيونية في سياق تجارب استيطانية أخرى في العالم، مثل جنوب أفريقيا أو الجزائر.

في كتابه الأحدث Israel on the Brink ينتقل بابيه من تفكيك الأسطورة المؤسسة إلى تحليل آثارها المعاصرة. هو يرى أن الإصرار على تعريف "الدولة" بوصفها "يهودية" قبل أن تكون ديمقراطية واستمرار السيطرة على ملايين الفلسطينيين من دون حقوق متساوية، يعمّق التناقض البنيوي داخل ما يسمى "المجتمع الإسرائيلي" نفسه. كذلك يشير إلى انقسامات حادة بين التيار الديني القومي المتطرف  والتيار العلماني الليبرالي، فبرأيه أن هذه التصدعات ليست عرضية، هي نتيجة مباشرة لبنية "دولة" قامت على سردية إقصائية.

يقارن بابيه الوضع الإسرائيلي بتجربة جنوب أفريقيا، إبان نظام الفصل العنصري، ويرى أن التاريخ يثبت أن أنظمة التفوق العرقي أو القومي لا يمكنها الاستمرار إلى الأبد. هو يطرح احتمالين: إما تحوّل جذري عبر عملية تفكيك استعمارية تؤدي إلى دولة ديمقراطية واحدة بحقوق متساوية، أو مسار تصادمي يفضي إلى انهيار مؤلم. في الحالين، يؤكد أن الاعتراف بحقيقة العام 1948، بما فيها مسؤولية القيادة الصهيونية عن التهجير وارتكاب المجازر، هو نقطة البداية لأي مستقبل مختلف.

مع الانتقادات الحادة التي يتعرض لها، داخل فلسطين المحتلة (إسرائيل)، واتهامه بالانحياز الأيديولوجي، يظل تأثيره في الحقل الأكاديمي والسياسي واسعًا. إذ إلى جانب مؤرخين، مثل آفي شلايم وبيني موريس وتوم سيغيف، أسهم في زعزعة الرواية الرسمية، لكنه تميّز بوضوح موقفه السياسي والأخلاقي. أنصاره يرونه صوتًا إسرائيليًا يكسر ما يسمى "الإجماع القومي" وخصومه يرونه خارجًا عما يسمونه "الإجماع الوطني".

في المحصلة، يختزل مشروع بابيه في معادلة يكررها بصيغ مختلفة: الأسطورة قد تؤسس دولة، لكنها لا تستطيع أن تمنحها استقرارًا دائمًا. وحده الاعتراف بالتاريخ كما كان، لا كما يُراد له أن يُروى، يمكن أن يفتح الباب أمام مستقبل أقل عنفًا وأكثر عدالة، بحسب رأيه.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد