اوراق خاصة

الشهيد الدكتور محمد رضا فضل الله .. الرجل الذي ترك في القلوب ضوءًا لا ينطفئ

post-img

د. ليلى شمس الدين/ باحثة في الإنثروبولوجيا والإعلام وأستاذة جامعية

لم يكن رجل حربٍ ولا رجل سلطة.. كان مربّيًا آمن أنّ بناء الإنسان هو الطريق الأعمق لبناء الأوطان… 

بوحشيتهم اغتالوا الجسد… لكنّهم تركوا وراءهم سؤالًا لن يستطيع الظلم أن يجيب عنه: كيف يُطفأ نورٌ عاش عمره يعلّم الناس كيف يضيئون؟ لربما يغيب المربّي؛ لكنّ النور الذي زرعه في القلوب لا يعرف طريق الغياب.

من هنا تبدأ الحكاية

حين نتحدّث عن الدكتور محمد رضا فضل الله، فإنّنا نروي حكاية مربٍّ آمن أنّ الكلمة الطيبة قد تغيّر إنسانًا، وأنّ طالبًا واحدًا قد يفتح نافذة نورٍ في وطنٍ كامل. لم يكن يومًا مجرد أستاذٍ أو رئيس جامعة، لقد كان فكرةً تمشي بين الناس، وتعمل بجد وعزم لم يلن للحظة، مثبتًا أنّ التربية يمكن أن تكون فعل مقاومة، وأنّ بناء الإنسان هو الطريق الأطوَل … لكنّه الطريق الوحيد الذي يجعل الأوطان أقلّ قسوة وأكثر إنسانية.

رجل التربية قبل رجل المؤسسات

أنجز الدكتور فضل الله دراساته العليا في التربية، لكنه لم يتعامل مع هذا التخصّص بوصفه معرفة أكاديمية فحسب، فقد أيقن أنّ التربية فلسفة عمل وفعل إيمان بالمستقبل، فالتعليم كما يراه، ليس نقل معلومات، بل بناء إنسان. من هنا ارتبط اسمه بمحطات تربوية مهمّة، أبرزها دوره في جمعية التعليم الديني الإسلامي، حيث شارك في إعداد مناهج التربية الدينية، وأشرف على إعداد المعلمين، وساهم في تطوير برامج تربوية هدفت إلى الجمع بين المعرفة والقيم.

سبق هذه المحطّة في مسيرته، بأن أدى دورًا بارزًا في الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين، فقد كان من أوائل المسؤولين الذين حملوا همّ الطلاب وقضاياهم، متابعًا شؤونهم، ومؤمّنًا الدعم لمن يحتاجون إلى المساندة كي يكملوا تعليمهم. إلى المساندة أو متابعة الدراسة. لم يكن الدكتور محمد رضا فضل الله، يرى الطالب رقمًا في سجل الجامعة، كان يرى فيه مشروع إنسان. لم يتعامل مع الطلاب كأرقام في ملفات إدارية، وكل طالب قصّة إنسان، وربما مستقبل عائلة كاملة.

نحن إذًا، أمام قامة علمية في زمنٍ مضطرب، وفي عالمٍ تكثر فيه الضوضاء وتقلّ فيه القدوة، عاش حياته بهدوء المربّين الكبار، مؤمنًا أنّ العلم يمكن أن يكون طريقًا للعدل، وأنّ التربية قادرة على أن تصنع مستقبلًا أكثر إنسانية. ولهذا يبدو رحيله أكثر من فقدان شخصٍ عزيز؛ إنّه غياب نموذج نادر لرجلٍ جعل من الأخلاق منهج حياة، ومن التعليم رسالة عمر.

سلالة فكرية صنعت أثرًا

انتمى الدكتور محمد رضا إلى عائلةٍ عُرفت بالعلم، كان ابن سلالةٍ من المعنى. في بعض البيوت يتحوّل العلم إلى تقليدٍ يومي يشبه الضوء الذي لا يُرى مصدره دائمًا لكنّه يملأ المكان. هكذا كان بيت آل فضل الله؛ من البيوت التي نسجت حضورها في الحياة الفكرية والدينية في لبنان والعالم الإسلامي لا بالشهرة وحدها، بل بما تركته وما تزال من أثرٍ في العقول والوجدان وبصمات واضحة في الفكر الديني والثقافي والإنساني.

بيتٌ امتدت جذوره بين النجف الأشرف ولبنان، حيث حمل والده العلاّمة السيد عبد الرؤوف فضل الله العلم بوصفه رسالة إنسانية قبل أن يكون مقامًا معرفيًا، في رسالة تزاوجت فيها المعرفة الدينية مع همّ الإنسان وقضايا المجتمع، فكان حضوره العلمي والروحي جزءًا من ذاكرة المكان. في هذه البيئة لم يكن العلم لقبًا يُكتسب، بل مسؤولية أخلاقية؛ ولم يكن الدين خطابًا يُلقى، بل مشروعًا لبناء الإنسان. ومن هذه المدرسة نفسها خرج سائر العلماء من هذه الأسرة التي ارتبط اسمها بالعطاء الديني والفكري والتربوي والإنساني، ومنهم شقيقه المرجع الراحل آيه الله السيد محمد حسين فضل الله الذي عُرف بانفتاحه الفكري وخطابه الإنساني الواسع، فصار صوته جزءًا من الحوار الفكري في العالم العربي والإسلامي.

في مثل هذه البيوت لا يُورَّث العلم بالاسم، بل يُحمَل أمانة أخلاقية، ولا يُنظر إليه بصفته مكانة، إنما مسؤولية تجاه الإنسان. لهذا حين اختار محمد رضا فضل الله طريق التربية، لم يكن يبتعد عن إرث عائلته وإخوته العلماء الذين حملوا رسالة الفكر الديني والعمل الاجتماعي، كان يواصل المعنى نفسه بطريقة أخرى، بأن تتحوّل المعرفة إلى جيل، وأن يصبح العلم نورًا هادئًا يمشي بين الناس. بذلك لم يكن الدكتور محمد رضا صفحةً منفصلة في كتاب عائلته، بل كان امتدادًا لسيرة بيتٍ عُرف بأنّ العلم فيه ليس ميراثًا يُورَّث بالاسم، اختار أن يحوّل إرث العائلة إلى مشروع حياة، فأضاف فصلًا مميّزًا صاغه على طريقته من بوابة التربية وبناء الإنسان.

مع ذلك، لا يكفي الانتماء وحده إلى عائلة علمية كبيرة لصناعة شخصية استثنائية، إلاّ أنّ الدكتور محمد رضا نجح في تحويل هذا الإرث إلى رسالة حياة، إذ اختار طريقًا واضحًا منذ البداية: طريق التربية، بهدف بناء الإنسان من الداخل، كونه الطريق الوحيد القادر على تغيير المجتمع.

الكتب… حين تصبح جسورًا لبناء الإنسان

آمن الدكتور محمد رضا فضل الله أنّ التربية لا تُلقَّن فقط.. بل تُعاش. والفكرة التي كانت تشغله، لم تكن فقط ماذا نعلّم..  بل كيف نعلّم. وكيف يمكن أن تتحوّل القيم إلى لغة يفهمها الشباب؟ .. وكيف يمكن أن يصبح الدين طاقة أخلاقية للحياة. لذلك؛ ترك نتاجًا فكريًا ومعرفيًا يعتد به، وشارك في إعداد سلسلة كتب التربية الدينية، كما أشرف على برامج إعداد المعلمين، مرتكزًا إلى مبدأ محوري وأساس، لأنّ القضية بالنسبة إليه، لم تكن فقط ماذا نكتب في الكتب، بل كيف نجعل القيم حيّة في حياة الناس. وكيف يمكن للمتلقّي أن يشعر أنّ الدين ليس مادة دراسية، بل طاقة أخلاقية تساعده على أن تهذيب النفس ليكون إنسانًا أفضل في خدمة مجتمعه ووطنه.

حين تتحول الأخلاق إلى أسلوب حياة

هناك أشخاصٌ حين يرحلون لا يتركون خلفهم مجرد سيرةٍ تُكتب، بل يتركون فراغًا أخلاقيًا يشعر به كل من عرفهم أو مرّ في ظلّهم. هؤلاء لا يُقاس حضورهم بالمناصب ولا بعدد السنوات التي عاشوها، بل بالأثر الذي يزرعونه في قلوب الناس وفي ضمائر الأجيال. كان الدكتور السيد محمد رضا فضل الله واحدًا من هؤلاء.

ما يميّز الشخصيات الكبيرة ليس كثرة ما تقوله عن الأخلاق، بل قدرتها على أن تعيشها. فهناك أشخاص يتحدّثون كثيرًا عن الأخلاق، وهناك آخرون يجعلونها تمشي على الأرض. مبدأ جعل الذين عرفوا الدكتور محمد رضا يصفونه بأنّه تجسيد حي للأخلاق الإسلامية والإنسانية. لم يكن يومًا رجل استعراض، ولا رجل خطابات طويلة، بل كان رجل حضور، تميّز بهدوئه العميق، كأن في صمته حكمة، وفي ابتسامته رسالة صغيرة تقول للآخرين إنّ الحياة يمكن أن تكون أكثر لطفًا.

على مدى أكثر من خمسين عامًا، عرفه من اقترب منه بصفات آسرة غير متقلّبة ولم تتبدّل، حتّى أنّها تكاد تتكرّر في كل شهادة عنه. فوُصِف بالإنسان النبيل، والودود، والطيّب، والمتواضع، والحليم، والخلوق، والمعطاء، والمتعاون، والمضحّي، والحريص الدائم على خدمة الناس، وصاحب الحضور الإنساني الذي لا يرفع صوته لفرض رأي، ولا يتقدّم الصفوف طلبًا للظهور، لكنه حين يغيب يشعر الجميع بأنّ المكان فقد شيئًا  مهمًا من معناه. الأخلاق بالنسبة إليه لم تكن خطابًا عامًا، بل ممارسة يومية في زمنٍ يكثر فيه الكلام عن القيم ويقلّ حضورها. لقد كان الدكتور محمد رضا فضل الله واحدًا من أولئك الذين أثبتوا أن الأخلاق ليست فكرة… بل إنسان يتجسّد بكل ما يحمل من معانٍ للإنسانية والمحبة الخالصة.

كل الذين عرفوا الدكتور محمد رضا فضل الله لم يتحدّثوا فقط عن إنجازاته.. بل عن تفاصيل صغيرة ربما تبدو عادية… لكنها تكشف جوهر الإنسان. فالوفاء عنده ليس طقسًا اجتماعيًا، بل واجب إنساني.. لذا، ما فتأ يسأل عن أحوال من حوله، منطلقّا من مسلّمة لا نقاش فيها، وهو الموقن أنّ الكلمة الطيّبة قد تكون أحيانًا أهم من أي قرار قد يَتّخذ. ولهذا ربما أحبّه تلامذته وطلاّبه وأصدقاؤه، ومن عرفه. لأنّه لم يكن يومًا، رئيسًا بعيدًا يدير الأمور من خلف مكتب، لكنّه كان قريبًا من الناس. تاليًا، لم يكن مجرد أكاديمي يرأس جامعة، ولا مربّيًا يدرّس المعرفة في قاعات التدريس. لقد كان نموذجًا نادرًا لإنسانٍ قرّر أن يجعل من العلم رسالة، ومن التربية مشروع حياة، ومن الأخلاق طريقًا يوميًا يمشيه بصمت، لأنّ الأخلاق تُرى وتُجسّد دون أن تُعلن.

باختصار، نحن نتحدّث عمّن كان ابن مدرسة أخلاق، قبل أن يكون ابن عائلة معروفة بالعلم والالتزام والخدمة العامّة. وحين يُستشهد إنسانٌ من هذا الطراز، فإنّ السؤال لا يكون فقط: من رحل؟  بل: ماذا نفقد حين يرحل؟

الجامعة التي أرادها فرصة .. وضوءًا منيرًا في قلب وطن

تولّى الدكتور محمد رضا فضل الله رئاسة جامعة العلوم والآداب اللبنانية (USAL) التابعة لجمعية المبرّات الخيرية، فأرادها منذ اللحظة الأولى، بيتًا للعلم. فالفكرة الأساس بسيطة وعميقة في آن واحد: أن يحصل الشباب، وخاصة من ذوي الدخل المحدود، على فرصة تعليم حقيقية.

في الصباحات الهادئة داخل حرم الجامعة، كان الطلّاب يلاحظون المشهد ذاته كل يوم تقريبًا. قامة وهامة تتقدّم ببطء بين الممرات، تتقدّم ببطء بين الممرّات، متكئًة على عصى، وبخطوات بطيئة يسبقها حضور بهي وواثق. خطوات تحمل شيئًا أثقل من التعب… كانت تحمل معنى الرسالة. لطالما توقف الدكتور محمد رضا ليسأل طالبًا عن أحواله ودراسته، وليربّت على كتف آخر، كما ليبتسم لأحد أبنائه الطلبة كأنّما يطمئنه أنّ الطريق ما زال مفتوحًا أمام الأحلام.. لم يكن حضوره صاخبًا، ولا صوته مرتفعًا، لكن في ابتسامته كان شيءٌ يجعل المكان أكثر دفئًا.. هكذا عرفه طلابه: رجلًا يمشي بينهم كأستاذٍ… وموجّه وأبٍ حنون … وحارسٍ هادئ لفكرة أنّ العلم يمكن أن يكون طريقًا لبناء الإنسان.

في زمن تحوّلت فيه بعض الجامعات إلى مؤسّسات ومشاريع تجارية، ظلّ فضل الله يؤكّد على رسالية العلم قبل أن يكون مهنة. ولطالما ردّد في لقاءاته مع الطلاّب: "العلم نورٌ… وأنتم بفضل الله النور الذي يُنير مستقبل هذا الوطن." لم تكن هذه جملة خطابية قط، بل كانت اختصارًا لفلسفة حياة كاملة. ولهذا لم يكن غريبًا أبدًا، أن يحظى بمحبة طلابه وزملائه، وأن يتحوّل حضوره في أروقة الجامعة إلى جزء من ذاكرة المكان.

بين جمعة الكلمة وفجر الشهادة

في آخر إفطار رمضاني جمعه هذا العام مع أساتذة وموظفي جامعة العلوم والآداب اللبنانية تحدّث عن معنى العلم ودوره في بناء الإنسان، مضيفًا جملة واحدة، لكنها ربما اختصرت حياته كلها، فقال "مع شهر الله.. شهر الرحمة والمغفرة.. شهر الإنابة والتوبة.. شهر العتق من النار والفوز بالجنّة.." ..

كانت جمعة هادئة من جمعات شهر رمضان، لكنّ الزمن كان يخبئ فصلًا آخر من القصّة، فبين جمعة تلك الكلمة وفجر الأحد، ارتقى الدكتور محمد رضا فضل الله شهيدًا  مظلومًا مع زوجته السيدة فاطمة السيد علي الحكيم، بعدما استهدفتهما يد العدوان الصهيوني الغادر والمجرم في منزلهما في الضاحية الجنوبية لبيروت.

اغتالت آية القتل الوحشية والهمجية المدمّرة مربيًا فاضلًا، لم يكن يومًا رجل حرب، ولم يحمل سلاحًا في حياته إلّا سلاح العلم والوعي والمحبة.. لقد حمل طيلة حياته مشروع بناء الإنسان، ومع ذلك رحل من هذه الدنيا مظلومًا، بلا ذنب سوى أنه عاش في زمنٍ أصبح فيه النور هدفًا للظلام.

هكذا فجأة، تحوّل الرجل الذي كرّس حياته لبناء العقول… إلى اسمٍ يُكتب في سجل الشهداء.. لقد نال وسام الشهادة، وسام ليس أرفع وأرقى منه.. لكن، ماذا يبقى بعد الرحيل؟ ربما يبدو السؤال بسيطًا.. لكن الإجابة ليست كذلك. ما الذي يبقى من إنسان عاش عمره في التربية والعلم؟ انتهت حياة مربٍ كرّس عمره للتربية والعلم … لكن قصته لم تنته..

العروج إلى عالم الملكوت

لم نتخيّل يومًا أنّ حياة هذا المربّي الاستثنائي التي كرّسها للعلم والتربية ستنتهي بهذه القسوة. رحل مظلومًا على يد عدوٍ لا يرى في الإنسان سوى هدفٍ للنار. لكنّ الظلم، مهما اشتد، لا يستطيع أن يمحو الأثر الذي يتركه أصحاب الرسالات. بعض البشر يرحلون… لكن ما زرعوه في النفوس والقلوب والقول يبقى ويُثمر.. يبقى في عقول طلابٍ تعلّموا أنّ العلم مسؤولية، وفي ذاكرة أصدقاء عرفوا معنى النبل، وفي وطنٍ سيبقى محتاجًا دائمًا إلى رجالٍ يشبهونه.

لهذا فإن سيرة الدكتور السيّد محمد رضا فضل الله ليست قصة مربٍ انتهت.. بل قصة نورٍ زرعه في الناس… وسيظل يكبر بعده.. هكذا يعيش المربّون الحقيقيون بعد رحيلهم.. ليس في الذاكرة فقط… بل في حياة الآخرين.

ليس الموت هو ما يوجعنا حين يرحل المربّون الكبار. الذي يوجعنا حقًا هو السؤال الذي يتركونه خلفهم: كيف يمكن للعالم أن يخسر إنسانًا قضى حياته يبني الإنسان؟

في زمنٍ تتعب فيه الأخلاق من الدفاع عن نفسها، كان الدكتور السيد محمد رضا فضل الله يمشي بين الناس ليذكّرهم بأنّ الخير ما زال ممكنًا.  كان من أولئك الذين يجعلون العالم أكثر هدوءًا بمجرد وجودهم فيه. آمن أنّ التربية وعدٌ يُقطعه الإنسان على نفسه. جاهد وناضل كي يزرع في الآخرين نورًا يكبر بعده. ولهذا يبدو رحيله أكبر من سيرة رجل، إنّه يشبه غياب شجرةٍ كبيرة كانت تمنح العابرين ظلّها دون أن تسألهم من أين جاؤوا. مع ذلك، ورغم ألم الفقد المر، ندرك أنّ المربّين الحقيقيين لا يغيبون تمامًا. إنّهم يختبئون في ذاكرة طلابهم، وفي فكرةٍ صغيرة تغيّر حياة إنسان، كما في ضوءٍ خفيف يبقى في القلب حين يرحل صاحبه.

هكذا يبدأ الحديث عن الدكتور السيد محمد رضا فضل الله، ليس كرجلٍ رحل غدرًا، بل كحياةٍ آمنت بأنّ العلم يجب أن يكون طريقًا لخدمة الناس، وأنّ بناء الإنسان هو أعظم شكل من أشكال المقاومة في هذا العالم. لهذا يترك رحيله أمامنا جميعًا سؤالًا مفتوحًا: كيف يمكن أن نحافظ على النور الذي عاش من أجله؟

لو كان هنا الآن… ماذا كان سيقول لطلابه؟

أسأل نفسي، لو كان الدكتور محمد رضا فضل الله يقف اليوم بين طلابه، ربما كان سيقول لهم ببساطة: احموا عقولكم من الجهل.. واحفظوا قلوبكم من القسوة.. ولا تجعلوا العلم سلّمًا للمناصب فقط.. بل طريقًا لخدمة الناس. ربما كان سيقول لهم إنّ الأوطان لا تبنى بالشعارات، بل بالعقول التي تفكر… والضمائر التي لا تغفو ولا تخاف. وربما كان سيبتسم ابتسامته الهادئة ويضيف: إنّ العلم الذي لا يجعل الإنسان أكثر رحمة… ليس علمًا.

كلمات .. بعد الرحيل

ليس رثاءً… بل شهادة ..

ليست هذه الكلمات رثاءً لمربٍ رحل..

بل شهادة على نموذج إنساني نادر.. اختار أن يجعل من العلم خدمة.. ومن التربية رسالة.. ومن الأخلاق طريقًا يوميًا للحياة..

رحل الجسد.. لكن السيرة التي تُبنى على العلم والإنسانية لا ترحل..

سيظلّ اسمك حاضرًا في ذاكرة طلابٍ تعلّموا منك .. وفي دعاء أحبة وأصدقاء عرفوا طيبتك..

وفي كل مكانٍ آمن فيه إنسانٌ بأنّ بناء الإنسان هو أعظم مشروع يمكن أن يكرّس له العمر.

سلامٌ على روحك..  وسلامٌ على كل حياةٍ تُشبهك..

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد