معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي
في الحروب الكبرى؛ لا تكشف الوقائع نفسها دفعة واحدة، تتسرب ملامحها تدريجيا عبر التفاصيل الصغيرة التي تتكرر حتى تتحول إلى نمط. عندما يبدأ هذا النمط بالظهور يصبح من الممكن قراءة الاتجاه العام للصراع. هذا يشبه ما يحدث في هذه الحرب؛ إعادة تشكيل بطيئة لميزان الردع في المنطقة، وليست مجرد ضربات، وهي عملية تتجاوز المعركة اليومية لتطال بنية القوة نفسها.
أحد المؤشرات الأكثر ظهورًا، في مسار الحرب، هو الانتقال من مفهوم تعدد الجبهات إلى ما يشبه الجبهة العملياتية الواحدة. لسنوات طويلة؛ جرى الحديث عن وحدة الساحات بصفتها شعارًا سياسيًا أو فكرة نظرية، لكن ما يظهر اليوم هو أن هذا المفهوم بدأ يتحول تدريجيا إلى واقع عملياتي. التنسيق الناري بين قوى مختلفة، وتزامن الضربات عبر مسارح متعددة، يوحيان بأن المعركة لم تعد محكومة بحدود جغرافية ضيقة، إنما مرتبطة بشبكة قرار أوسع ترى الإقليم كله ساحةً واحدة.
هذا التحول يفسر ظاهرة أساسية في الحرب الحالية، وهي القدرة على الحفاظ على وتيرة نارية مستمرة؛ على الرغم من شدة الضربات المضادة. في الحروب التقليدية، تسعى الجيوش إلى تحييد منصات إطلاق الخصم خلال الأيام الأولى؛ لأن الصاروخ الذي لا يطلق يصبح عددًا لا معنى له في المخازن. لكن استمرار إطلاق الصواريخ والمسيرات بوتيرة ملحوظة يعني أن البنية القتالية القائمة ليست بنية خطية يمكن تدميرها بضربة مركزة، هي منظومة موزعة ومرنة قادرة على العمل حتى في ظل ضغط عسكري كبير.
في هذا السياق تحديدًا؛ يظهر المأزق الحقيقي لأي قوة تعتمد بشكل كبير على التفوق التقني. إذ إن التكنولوجيا تمنح قدرة هائلة على الرصد والضرب، لكنها لا تمنح بالضرورة القدرة على إنهاء التهديد بالكامل، لا سيما عندما يكون الخصم قد بنى عقيدته العسكرية على فكرة التشتت والمرونة. لذلك؛ استمرار إطلاق الصواريخ هو أكبر من حدث ميداني، هو مؤشر على أن البنية القتالية التي تواجهها إسرائيل أكثر تعقيدًا مما كان مقدرا.
انعكاس ذلك لا يظهر فقط في الميدان العسكري، أيضًا في الجبهة الداخلية. إذ إن الحروب الحديثة وإن حسمت على خطوط النار، إنما الحسم الحقيقي متعلق بقدرة المجتمعات على تحمل الضغط الطويل. كل صفارة إنذار، وكل ليلة يقضيها المدنيون في الملاجئ، هي جزء من معركة الإرادة. ومع مرور الوقت تتحول هذه التفاصيل اليومية إلى عنصر استنزاف نفسي واقتصادي لا يقل تأثيرًا عن الضربات العسكرية نفسها.
في المقابل، يكشف مسار الحرب عن عنصر آخر بالغ الأهمية، وهو انتقال الصراع إلى المجال الاقتصادي العالمي. عندما ترتفع أسعار النفط، بشكل حاد نتيجة التوترات في الخليج، تكون الحرب قد تجاوزت الإقليم لتلامس الاقتصاد الدولي. وسوق الطاقة من أكثر الأسواق حساسية لأي اضطراب في المنطقة؛ لأن جزءًا كبيرًا من تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز. مجرد التهديد باضطراب الملاحة في هذا الممر كفيل بإحداث صدمة في الأسواق.
لكن الدلالة الأعمق هنا ليست في السعر نفسه، إنما في الرسالة الكامنة خلفه. النفط ليس مجرد سلعة، هو أداة قوة استراتيجية. إذ عندما تصبح الطاقة جزءًا من معادلة الصراع، تتحول الحرب إلى مواجهة متعددة المستويات تمتد من الميدان العسكري إلى الاقتصاد العالمي. في مثل هذه اللحظات؛ تبدأ الدول الكبرى بإعادة حساباتها، لأن تكلفة الحرب لا تعود محصورة في ساحة القتال.
هذه المعادلة تضع الولايات المتحدة أمام تحدٍ مرّكب. إذ من جهة تسعى إلى الحفاظ على تفوق حليفها العسكري، ومن جهة أخرى عليها أن تدير تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة. لذلك؛ تظهر أحيانًا مؤشرات على انتقال التفكير العسكري إلى خيارات أكثر تصعيدًا، مثل الاستعداد لاستخدام ذخائر قادرة على استهداف منشآت عميقة تحت الأرض بواسطة قاذفات استراتيجية مثل B-1B Lancer. هذا النوع من التحضير يعكس إدراكا بأنّ المعركة قد تدخل مرحلة أكثر حساسية إذا استمرت على الوتيرة الحالية.
مع ذلك، التاريخ العسكري يعلمنا أن الضربات العميقة نادرًا ما تحسم الحروب وحدها. هي قد تغير ميزان القوة مؤقتًا، لكنها لا تنهي بالضرورة قدرة الخصم على القتال إذا كانت بنيته القتالية مبنية على التشتت والمرونة. لهذا السبب غالبا ما تتحول الحروب من هذا النوع إلى صراعات استنزاف طويلة، فيصبح العامل الحاسم هو القدرة على الصمود أكثر من القدرة على الضرب.
ما تكشفه الأيام الأولى من الحرب هو أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة تختلط فيها الجغرافيا العسكرية بالاقتصاد العالمي وبحسابات القوى الكبرى. في مثل هذه اللحظات لا تكون الضربة الأقوى هي التي تحسم المعركة، إنما هي القدرة على إدارة الوقت. كما أن الزمن في الحروب الطويلة يتحول إلى سلاح بحد ذاته؛ لأن كل يوم إضافي يعيد توزيع الكلفة بين الأطراف.
لهذ؛ السؤال الحقيقي ليس من أطلق صواريخ أكثر أو من أسقط طائرة مسيرة إضافية، بل من يملك القدرة على تحمل المسار الطويل للحرب. عندما يصل الصراع إلى هذه النقطة يصبح ميزان الردع نفسه موضع اختبار، ويبدأ النظام الإقليمي كله بالدخول في طور إعادة التشكل.
في مثل هذه اللحظات، تكون الوقائع الصامتة التي تتكرر كل يوم أصدق بكثير من الضجيج الذي يملأ العناوين.