اوراق مختارة

سقوط رامبو

post-img

زاهر أبو حمدة/جريدة الأخبار

يحب دونالد ترامب التشويق. لا شك في ذلك، ويبدو أن «الشو/ show» في المصارعة الحرة (WWE) أسلوبه في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية. ولذلك اخترع هو ومحيطه شعارات وأحكامًا مُطلقة ومُسبقة عنه. من هذه الأمور أنك «لا يمكنك توقّعه»، «ترامب الوحيد من يعرف ماذا يحصل»، و«يستحيل معرفة أو تنبّؤ ماذا سيفعل؟». طبعًا هذه خرافات وشطحات خيال لا أكثر. وربما يكون العكس تمامًا: هذا أكثر رئيس أميركي وضوحًا، ويمكن معرفة خطّته وخطوطه.

بما أنه لحظي فوضوي لا يعترف بالمؤسسات، يمكن أن يبدّل رأيه وفقًا لحالة مزاجية لا تتعلق بالسياسة أو الاستراتيجيا، أو كما يقول مستشار الأمن القومي الأميركي السابق في إدارة ترامب جون بولتون، في كتابه «الغرفة التي شهدت الأحداث: مذكّرات من البيت الأبيض»، إنّ «الفريق الرئاسي يجهّز أجندة يومية للرئيس، إلا أن الجميع يتفاجأ أنه غيّر كل شيء بتغريدة كتبها من دون استشارة أحد».

نشر ترامب كتابه «فنّ الصفقة» عام 1987، أي بعد تحقيقه نجاحات في ريادة الأعمال. طبعًا، اختيار العنوان مقصود ومستوحى من كتاب «فنّ الحرب» للقائد العسكري والفيلسوف الصيني سون تزو، وكتبه قبل 2500 عام. ترامب أراد تقليد تزو، عبر سلوك مذهب جديد يكون فيه المرجع، حيث الكتاب الصيني حتى الآن الأكثر تأثيرًا في الاستراتيجية والتعامل مع الصراعات، وفيه إجابات للأقوياء والضعفاء: متى يواجهون الخصم ومتى يتراجعون، وكيف يثقون بأنفسهم بلا مبالغة، وتقدير تكلفة الحرب قبل شنّها، وكيفية التعامل مع نقاط قوة الخصم واستغلال نقاط ضعفه.

حاول ترامب في كتابه تقديم نفسه كخبير فذّ في التفاوض التجاري، ولذلك يحدّد 5 مبادئ للنجاح: التفكير الطموح؛ التأكّد من عدم الخسارة؛ استخدام أدوات الضغط؛ السيطرة على السردية والوعي العام؛ والتصرّف بعدوانية. أمّا وفقًا لتصرّفات ترامب، فهو قادر على قول الشيء ونقيضه في الخطاب نفسه، ويمكن أن يكذّب نفسه بين لحظة وأخرى، وعلى ذلك شواهد كثيرة. والأخطر من ذلك أنه لا يعترف بالخسارة، فهو يغلّف أي هزيمة بورق «تيشو» ويعرضها كهدية، وتتحوّل الخسارة إلى أفضل صفقة في العالم.

من الناحية النفسية، واستنادًا إلى «دليل تشخيص الاضطرابات النفسية» فإن الرئيس الأميركي يتوافق مع سِمات الشخصية النرجسية: شعور مفرط بالعظمة، وانشغال زائد بالقوة والمظهر، وتصوّر ذاتي متميّز، وحاجة ملحّة إلى الإعجاب، وانعدام التعاطف مع الآخرين، وشعور بالتفوّق، وغيرة من الآخرين، وغرور وغطرسة. هذا التقييم يُذكِّر فيه قائد وحدة إدارة الأزمات في جيش الاحتلال دورون هدار، ويخلص إلى أن دونالد ترامب يعاني من اضطراب نفسي. أمّا ماري ترامب، ابنة شقيقه، فترى عمها يتسم بـ«مظاهر النرجسية والتنمّر والعظمة الناجمة عن نشأة مضطربة».

صحيح أن ماري مختصة في علم النفس السريري، إلا أن تجاربها الشخصية مع عمّها أعطتها انطباعات غير متوقّعة، ففي مرة غازلها (تحرّش بها لفظيًا)، حين كانت ترتدي ملابس السباحة بحسب ما تقول في كتابها «أكثر مما ينبغي وغير كافٍ أبدًا: كيف صنعت عائلتي أخطر رجل في العالم؟». وتقول ماري، إن قبول ترامب في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا لم يكن مستحقًا بالكامل لجدارته. وتفيد بأن «عمّها كان قلقًا من أن يؤثّر تحصيله الدراسي على قبوله الجامعي، ما دفعه إلى ترتيب أداء طالب آخر لامتحان SAT نيابة عنه، وهو جو شابيرو، طالب ذكي معروف ببراعته في الامتحانات».

تلقي ماري اللوم على جدّها بسبب تنشئة دونالد، فإن «تخلّي والدته عنه لمدة عام على الأقل، وتربيته على يد أب لم يوفّر له الأمان أو الحنان، جعلاه يعاني من حرمان سيترك ندوبًا عميقة في نفسه مدى الحياة». وتصف والده، فريد ترامب، بأنه «شخص مضطرب نفسيًا ذو كفاءة عالية»، تميّز أسلوبه في التربية بالقسوة والبرود العاطفي. وتذكر في كتابها كيف تمّ تكليفها مؤقتًا بالمساعدة في كتابة أحد كتب عمّها، وكيف سمعت بالصدفة شكواه من النساء اللواتي رفضنه.

أخيرًا، أشارت ماري، في حديثها عبر بودكاست «ديلي بيست» إلى أنها تلاحظ أحيانًا في دونالد ترامب سمات كانت لاحظتها في والده، حيث شُخِّصَ بإصابته بـ«خرف الشيخوخة الخفيف» عام 1991. وقالت: «أنظر إليه فأرى جدّي. أرى فيه النظرة نفسها من الارتباك. أرى أنه لا يبدو دائمًا مدركًا للزمان والمكان. ويبدو أن ذاكرته القصيرة المدى تتدهور».

في أحدث انتقاداتها، ندّدت ماري بقرار عمّها شنّ عملية عسكرية مشتركة مع إسرائيل استهدفت إيران. وفي رأيها أن «هذه العملية العسكرية لا علاقة لها بدعم الشعب الإيراني، بل نابعة من دوافع شخصية خفية». وأضافت: «بالنسبة إلى دونالد، هناك سبب واحد لا غير. إنه في ورطة، وهو يعلم ذلك. الأمر لا يتعلق بمجرد تغيير الموضوع، فهذا بحد ذاته سيّئ بما فيه الكفاية. بل يتعلق الأمر بإخفاء حقيقة كونه محتالًا وفاشلًا ومنحطًا».

بعيدًا عن المشاكل العائلية الترامبية، أصبح أكيدًا أن الرئيس الأميركي يستخدم جميع الضغوط القصوى، من ضمنها العسكري، للوصول إلى هدفه، لكن إن وقف خصمه من دون تردّد أو ارتجاف، فهو يحاول استمالته دبلوماسيًا. حصل ذلك مع كندا ومع فلاديمير بوتين، حتى إنه دعاه إلى ألاسكا والمقاتلات الشبحية الأميركية أدّت التحية له. أيضًا في مسألة غرينلاند، حين تشدّد الأوروبيون في موقفهم، اتخذ خطوة إلى الخلف.

بالنسبة إلى ترامب، خطّط أن يستحوذ على نفط فنزويلا وإيران ونيجيريا والسيطرة على كوبا، قبل نهائيات كأس العالم في حزيران المقبل. وأراد أن يمسك بملف الطاقة العالمي، ويضعه على الطاولة في نيسان المقبل حين يلتقي نظيره الصيني. لكنّ صمود إيران ومبادرتها العسكرية جعلا ترامب وجيشه وإدارته ومعهم بنيامين نتنياهو وجيشه في مستنقع لا يمكنهم فيه التراجع فيخسرون كليًا، ولا يمكنهم التقدّم فيغرقون أكثر. فما العمل؟

فكّر ترامب أن يتراجع بعد أن يقدّم نصرًا إعلاميًا، بأنه دمّر المشروعين النووي والصاروخي والمصانع العسكرية، وحقّق أهدافه من دون اتفاق مع إيران بشروطها. وبالتالي يعلن وقفًا لإطلاق النار من طرف واحد، كما شنّ العدوان من طرف واحد. هذا الخيار إن تحوّل إلى قرار سيصطدم بقرار إيراني بالاستمرار في المعركة حتى إخراج قواته وقواعده من كل غرب آسيا.

مَن يترأّس غرفة العمليات الأميركية الإسرائيلية ضد إيران الأدميرال براد كوبر، وهو قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم». وفي الاطّلاع على سيرته الذاتية، تجد إنجازات، وكذلك إخفاقات. واللافت أنه فشل في ثلاث مهمات أساسية: أفغانستان، غزة واليمن. كان كوبر، مستشارًا ومسؤولًا أمنيًا في كابل أثناء انسحاب الولايات المتحدة عام 2021، والجميع شاهد كيفية الانسحاب وتعلّق «حلفاء» واشنطن بالطائرات. أمّا في غزة، فلم ينجح في تثبيت الرصيف البحري عند شواطئ القطاع أثناء الإبادة حتى إنّ الأمواج كسرته.

في اليمن، قاد عمليات ميدانية متعدّدة لـ«مواجهة النشاط الإيراني والحوثي»، بما في ذلك عمليتا «حارس الازدهار» 2023 و«بوسيدون آرتشر» 2025 في جنوب البحر الأحمر، حيث صرّح في شباط 2024 بأنّ «الإجراءات ضد الحوثيين تمثّل أكبر وأكثر عملية مكثّفة للبحرية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية»، ومع ذلك اضطر إلى وقف إطلاق النار وهروب حاملة الطائرات بعد سقوط ما لا يقلّ عن طائرتين من نوع إف 18 عنها. لا بل خرج دونالد ترامب يقول: «إنّ الحوثيين شجعان ومقاتلون أشدّاء» بعدما قال لهم في بداية العدوان على اليمن: «انتهى وقتكم». وبما أن كوبر، يقود العدوان على إيران، فالتجربة معه تفيد بأن احتمالات الفشل أكثر من النجاح، ولا سيما في منطقتنا.

استثمر الأميركون كثيرًا في شخصية جون رامبو الخيالية. حوّلوها إلى رمز أميركي لا يُهزم، وذلك لتمويه ومحو آثار هزيمة فييتنام. ظهر رامبو في رواية «الدم الأول» لديفيد موريل عام 1972، لتصبح أكثر شهرة، بعد أن حُوّلت إلى سلسلة سينمائية، حيث لعب دور البطولة سيلفستر ستالون. وفي واقعنا، يعتقد ترامب أنه رامبو، ربما لأنهما يتشابهان في الأصول الألمانية، وفي الحقيقة هو أدولف هتلر القرن بلا منازع. ومن اقتباسات أفلام رامبو: «كان بإمكاني قتلهم جميعًا، كان بإمكاني قتلك أنت أيضًا. في المدينة أنت القانون، أمّا هنا فأنا القانون.

لا تتمادى وإلا سأشعل فيك حربًا لن تصدّقها». ويمكن إسقاطها على كلمات ترامب فتجد المعنى نفسه والشكل أيضًا، ومن المفارقات أن رامبو حارب وقتل الفييتناميين والأفعان والتايلانديين والبورميين والمكسيكيين، لكن لم يُنتج له فيلم حول مغامرات الولايات المتحدة لتغطية جرائمها في منطقتنا. لكن ربما ستكون هوليوود على موعد مع قصص واقعية وخيالية حول ما يحصل حاليًا، ويبقى الواقع الأصلي أن ترامب رامبو سقط في غرب آسيا.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد