مروة جردي/جريدة الأخبار
تكشف شهادات نازحين في بيروت عن توتر متصاعد بينهم وبين وسائل الإعلام التي تحضر إلى مخيماتهم. بدلًا من نقل معاناتهم اليومية، يشكو كثيرون من محاولات دفعهم إلى تصريحات سياسية محددة. هكذا يجد النازحون أنفسهم بين قسوة الحرب وضغط الكاميرات التي تعيد صياغة قصتهم وفق أجندات إعلامية.
«لا نريد التصريح أو التصوير»، «لا تقتربوا منا ولا تأخذوا أي صور». كانت هذه الجمل الأولى التي استقبلتنا بها بعض العائلات النازحة على واجهة بيروت البحرية. بعد دقائق من الحديث وتقديم أنفسنا، بدأت الشكاوى تتكشف تدريجًا، لكنها لم تكن موجهة إلى الحرب أو الغارات وحدها.
النازحون عبروا عن استيائهم من وسائل الإعلام، التي يقولون إنها تزورهم غالبًا لجمع تصريحات ضد المقاومة، أو للحصول على إجابات تناسبها بدلًا من نقل معاناتهم الحقيقية. بعض العائلات أعربت عن شعورها بأن الكاميرات والميكروفونات تحاول فرض سردية سياسية على معاناتهم، بينما التقصير الحكومي وغياب الدعم المباشر للنازحين يظل الأمر الأكثر إلحاحًا في حياتهم اليومية.
وسط خيم مؤقتة وأطفال يركضون بين الأغطية والبطانيات، يبدو أنّ النازحين يواجهون تحديين متوازيين: الأول، الصعوبات اليومية في البقاء على قيد الحياة، والثاني، محاولات الإعلام لتحويل صوتهم إلى أداة سياسية، بدل أن يكون مرآة لمعاناتهم الحقيقية.
صحافة أجنبية بأجندة
ياسمينة، أستاذة لغة فرنسية وخريجة مدرسة الراهبات، أمضت يومًا كاملًا في رحلة من بيتها في صور، قبل أن يقودها القدر إلى خيم الواجهة البحرية مع عائلة تعرفت إليها في طريق النزوح. اختارت مدخل الواجهة مكانًا لخيمتها، محاولةً أن تكون حلقة وصل بين الصحافة الأجنبية والنازحين.
تشرح ياسمينة أن عددًا من وكالات الأنباء التي تصل إلى المكان تركز على الرسائل السياسية للنزوح لا الإنسانية أو الاجتماعية. تقول: «غالبًا ما تركّز وسائل الإعلام على سؤالين: هل أحد أفراد عائلتكم يعمل مع الحزب، أو هل الحزب يتحمل ذنب نزوحكم أكثر من مرة بسبب الحروب التي يخوضها».
تضيف أنّ قلّة فقط من الصحافيين تتحمّل عناء الاستماع إلى مطالب النازحين من الحكومة أو الإشارة إلى غياب الحملات الإغاثية الفعالة، بينما يتم تجاهل تصريحاتهم المتعلقة بدعم المقاومة أو تفهمهم لظروف الحرب.
في قلب الخيم، بين الأغطية البسيطة والبطانيات، تبدو ياسمينة ونازحون آخرون عالقين بين حاجاتهم اليومية للبقاء، وبين ضغط الإعلام الذي يحوّل معاناتهم إلى أداة لتصفية حسابات سياسية.
Red TV وOne TV في قلب النزوح!
من المفارقات التي شهدناها خلال تغطية الحرب الحالية، حرص بعض القنوات اللبنانية على إظهار اعتراض جمهور المقاومة على القتال، والإيحاء بأنّ الحاضنة الشعبية تتخلى عنه.
يتم ذلك عبر التركيز على الأوضاع المعيشية السيئة للنازحين، وسؤالهم عن جدوى الحرب، مقارنة بالحرب السابقة، واستعدادهم لتحمّل خسائر جديدة، خصوصًا في ظل غياب قيادة السيد حسن نصر الله. تخبرنا إحدى السيدات بأنّ فريقًا من Red TV حرص على البحث عن أي حالة شكوى لدى النازحين تحمّل فيها المسؤولية للمقاومة، إضافة إلى الترويج لسردية مفادها أنّ لبنان تورّط في حرب إيران في تجاهل تام للاعتداءات الإسرائيلية اليومية على قرى جنوب لبنان منذ إعلان الاتفاق الأخير. تشير الحجة حسناء إلى أنّ «المسيرات عم تقتلنا يومية والإعلام ساكت قال الحرب خلصت، حربنا أصلًا ما خلصت».
في سياق مشابه، سُجِّل وجود فريق صحافي عرّف عن نفسه بأنه من One TV، إحدى المنصات الرقمية التابعة لتلفزيون المر. وكان لافتًا أنّ هذه القناة، التي تُعرف عادةً بتغطيتها للفن وأخبار المشاهير، تظهر بين خيم النازحين لإجراء مقابلات حول أوضاعهم المعيشية، في خطوة أعادت تسليط الضوء على المفارقة بين المحتوى المعتاد للقناة والأجندة السياسية المفاجئة. ويمكن تفسير هذه الحركة برفض جمهور المقاومة للتصريح لقنوات تحرّض عليهم وتسخر من معاناتهم أو تستغلها وفق سياقات سياسية لا تناسبهم، وهذا ما يدفع تلك القنوات للتستر وراء منصات جديدة قد لا يعرفها النازحون.
النازحون، الذين يفترض أن يكونوا محور القصة، يجدون أنفسهم أداة في سجال إعلامي وسياسي. يتضح أنّ الإعلام لا ينقل معاناة النازحين كما هي، بل غالبًا ما يختار زاويةً محددة، تبرز الشكوى السياسية أو تهميش المقاومة، على حساب الواقع اليومي للحياة النازحة، بينما تبقى مشكلات النازحين الأساسية – المأوى، الغذاء، الدفء، والرعاية الصحية – غير محلولة.