شانتال عاصي (صحيفة الديار)
بينما تتصاعد أصوات الانفجار وتنهار الأبنية في لبنان، ثمة وجه آخر للمأساة ينمو بصمت تحت ركام المدن اللبنانية وفي سماء قراها. إن الحرب التي يشهدها لبنان اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي زلزال بيئي وصحي يطال أدق تفاصيل حياتنا اليومية. من جزيئات الغبار المجهرية التي نتنفسها مع كل شهيق، إلى السموم التي تتسرب خلسة لتستوطن تربتنا ومياهنا الجوفية، نحن أمام "نكبة بيئية" عابرة للأجيال. إن هواءنا اليوم لم يعد مجرد أوكسسجين، بل أصبح محملاً بمخلفات كيميائية معقدة ناتجة عن انفجار الصواريخ واحتراق المواد العضوية، مما يجعل حماية رئتينا وصحتنا العامة معركة بقاء لا تقل أهمية عن الاحتماء من القذائف نفسها.
ماذا يحمل غبار الركام لرئتينا؟
عند حدوث الغارات الجوية، تنطلق في الجو كميات هائلة من الجسيمات الدقيقة المعروفة تقنياً بـ (PM2.5) و (PM10)، وهي جسيمات مجهرية لا تُرى بالعين المجردة لكنها قادرة على النفاذ إلى أعمق مناطق الرئتين وصولاً إلى مجرى الدم. هذا الغبار ليس مجرد تراب طبيعي، بل هو مزيج سام ناتج عن تفتت الإسمنت والحديد والزجاج، مضافاً إليه المواد العيميائية المستخدمة في رؤوس الصواريخ المتفجرة. استنشاق هذا "الكوكتيل" الكيميائي يؤدي إلى استجابة التهابية حادة في الجهاز التنفسي، تظهر فوراً على شكل ضيق في التنفس أو سعال حاد، وتتطور على المدى الطويل إلى أمراض مزمنة مثل التليف الرئوي وتضرر أنسجة القلب نتيجة دخول المعادن الثقيلة كالرصاص والكادميوم إلى الدورة الدموية.
الفسفور الأبيض: تسميم التربة واحتراق الأنسجة الحيوية
يشكل استخدام الفسفور الأبيض تهديداً بيئياً طويل الأمد يتجاوز لحظة اشتعاله المرعبة. فعندما تلامس هذه المادة الهواء، تنتج غيوماً كثيفة من دخان خماسي أكسيد الفسفور، الذي يتحول بمجرد ملامسته للأغشية المخاطية الرطبة في العين أو الرئة إلى حمض الفسفوريك الحارق، مسبباً دماراً في الأنسجة الحيوية واختناقاً قد يكون مميتاً. أما الكارثة الكبرى فتكمن في التربة؛ حيث تترسب ذرات الفسفور وتبقى خاملة لكن سامة، مما يؤدي إلى تسمم المحاصيل الزراعية وتهديد السلسلة الغذائية اللبنانية لسنوات قادمة. إن الأرض التي تُشبع بالفسفور تفقد توازنها البيولوجي، وتتحول الثمار التي تنتجها إلى مخازن للمواد الكيميائية التي قد تؤدي في حال استهلاكها إلى اضطرابات هرمونية وفشل كلوي مزمن.
التداعيات الصحية البعيدة
لا تتوقف التداعيات الصحية للحرب عند انتهاء الغارة، بل تبدأ فعلياً حين تستقر الملوثات في البيئة المحيطة. فاحتراق المواد البلاستيكية والأثاث المنزلي في المباني المستهدفة يطلق مركبات "الديوكسين" والعديد من المركبات العضوية المتطايرة التي تُصنف عالمياً كمواد مسرطنة. هذه المواد لا تختفي، بل تترسب على أوراق الشجر والمحاصيل الزراعية وتختلط بمياه الأمطار لتصل إلى الينابيع والمياه الجوفية التي يعتمد عليها اللبنانيون. هذا التلوث التراكمي يعني أننا قد نشهد في السنوات العشر القادمة ارتفاعاً في معدلات الإصابة بأمراض المناعة الذاتية، والسرطانات المرتبطة بالتلوث البيئي، واضطرابات النمو لدى الأطفال الذين يتنفسون هذا الهواء الملوث في مرحلة حرجة من نمو رئتيهم.
التأثير النفسي والصحي المركب للحرب
إلى جانب التلوث المادي، تترك الحرب آثاراً نفسية وصحية مركبة على السكان. فالعيش تحت وابل الغارات والضوضاء المستمرة يخلق ضغطاً نفسياً مستمراً يزيد من اضطرابات القلق والاكتئاب، كما يؤثر بشكل مباشر على النوم نتيجة الذعر المتكرر، ما يؤدي إلى ضعف جهاز المناعة ويزيد من حساسية الجسم للأمراض التنفسية. الأطفال، بشكل خاص، معرضون لتأثير طويل الأمد، إذ يمكن أن يؤدي التعرض المبكر للسموم والضغط النفسي إلى اضطرابات سلوكية ونمائية مستمرة. هذا المزيج بين التلوث النفسي والجسدي يجعل الحرب أزمة شاملة تتعدى مجرد الدمار المادي، ويبرز أهمية حماية الصحة العقلية جنباً إلى جنب مع البيئة للحفاظ على استقرار المجتمع وصحة الأجيال القادمة.
سبل الصمود البيئي: كيف نقلل من أثر السموم؟
أمام هذا الواقع المفروض، تصبح الوقاية الشخصية هي خط الدفاع الأول عن الصحة العامة. من الضروري جداً اعتماد ثقافة ارتداء الكمامات من نوع (N95) عند التواجد في مناطق القصف أو بالقرب من ورش إزالة الركام، لأن الكمامات القماشية العادية لا تمنع الجزيئات الكيميائية الدقيقة من العبور. كما يجب على العائلات الحرص على إبقاء النوافذ مغلقة بإحكام واستخدام فلاتر هواء داخل المنازل إن أمكن، مع ضرورة غسل الخضار والفواكه بمحلول الخل والماء لضمان إزالة الغبار المعدني العالق. إن الوعي بمدى خطورة ما نتنشقه اليوم هو الخطوة الأولى في حماية أنفسنا وأطفالنا من آثار صحية قد تلازمنا لسنوات طويلة بعد صمت المدافع.
في الختام، إن الكلفة الحقيقية للحرب في لبنان لا تُقاس فقط بما فُقد في لحظة الانفجار، بل بما تتركه خلفها من دمار بيئي صامت ينهش في صحة الإنسان وسلامة الطبيعة. نحن اليوم أمام تحدٍ وجودي يفرض علينا التعامل مع البيئة كأولوية صحية وطنية، إذ إن تعافي البشر مرتبط عضوياً بتعافي الهواء والتربة والمياه. إن الوعي المجتمعي بمخاطر الملوثات الكيميائية واتخاذ إجراءات وقائية صارمة اليوم هما الاستثمار الوحيد الذي قد يقينا ويقي الأجيال القادمة من عبء صحي ثقيل. ستبقى معركة التنفس بعمق وأمان هي المعركة الأطول أثراً، والتي تتطلب تضافراً بين الخبرات العلمية والوعي الشعبي لضمان ألا تتحول أرضنا وهواؤنا إلى أعداء لصحتنا في زمن السلم.