اوراق مختارة

مدارس خاصة على خط النار: عندما يصبح التعليم رفاهية

post-img

فاتن الحاج (صحيفة الأخبار)

بحذر شديد، تتعامل المدارس الخاصة الواقعة على خط النار في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت مع استئناف التعليم، محاولةً الموازنة بين الحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية التربوية وبين الواقع الميداني الصعب الذي يعيشه التلامذة والأساتذة بفعل الحرب والنزوح.

وإذا كانت تجربة عدوان أيلول 2024 قد دفعت كثيراً من هذه المدارس إلى اعتماد التعليم «غير المتزامن» كخيار اضطراري، فإن الإدارات التربوية تحاول، اليوم، الاستفادة من تلك التجربة عبر اعتماد مسارات تعليمية أكثر مرونة تجمع بين التعليم «أوفلاين» و«أونلاين».

معظم مدارس جمعية المبرات الخيرية، مثلاً، تقع في مناطق غير آمنة، ما عدا تلك الموجودة في جبيل. ويشير منسّق مديرية التربية والتعليم في الجمعية، فايز جلول، إلى أن المدارس بدأت في 10 آذار مرحلة أولى من التعليم «غير المتزامن»، وهو نمط تعليمي يتيح للتلامذة الاطلاع على الدروس والأنشطة في أي وقت من دون حضور مباشر ومتزامن مع المعلم.

ويوضح أن هذه المرحلة تقوم على إرسال بطاقات مراجعة وتمارين إلى التلامذة بهدف تثبيت المعلومات التي تلقوها خلال العام الدراسي الحالي، مؤكداً أن «الهدف الأساسي من هذه الخطوة هو منع انفصال التلميذ عن أجواء المدرسة، وخصوصاً في المراحل التعليمية الأولى».

وستنتقل الخطة ابتداءً من اليوم، إلى مرحلة ثانية تقضي ببدء شرح دروس جديدة عن بعد لمن يتيسر لهم ذلك، عبر التعليم المتزامن «أونلاين»، بالتوازي مع استمرار التعليم «غير المتزامن» للتلامذة غير القادرين على المتابعة المباشرة. وسيجري تقييم التجربة لدى الأساتذة والتلامذة قبل التوسع فيها بعد عيد الفطر، مع التركيز على المواد الأساسية، مثل الرياضيات والعلوم واللغات، والاستمرار في اعتماد المسارين معاً.

أما في جبيل، حيث الظروف أكثر استقراراً نسبياً، فيُرجح أن تعود المدارس إلى التعليم الحضوري خلال هذا الأسبوع إذا سمحت الأوضاع بذلك. إلا أن العودة الكاملة ستفرض دراسة الفروق التعليمية بين التلامذة، إذ سيتمكن بعضهم من متابعة التعلم، فيما يتعذر ذلك على آخرين بسبب العدوان وظروف النزوح، ما يستدعي العمل لاحقاً على ردم هذه الفجوة.

في المقابل، اختارت المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم، التي تدير «مدارس المهدي»، تأجيل العودة إلى التعليم، إلى ما بعد عيد الفطر، على أن تكون الانطلاقة تدريجية عبر مراجعة المعلومات وإشغال التلامذة بأنشطة تعليمية خفيفة، نظراً إلى أن «الظروف النفسية والفكرية للتلامذة والأساتذة لا تسمح بزيادة الضغط عليهم في هذه المرحلة».

في موازاة ذلك، لا تزال بعض المؤسسات التربوية في طور التحضير لخططها التعليمية. ويقول المدير التربوي لمؤسسات أمل التربوية، محمود عيسى، إن المؤسسة وضعت خطة بديلة للتعليم عن بُعد لكنها لم تبدأ بتنفيذها بعد، «إذ بتنا في المراحل النهائية للتجهيز وإعداد المحتوى التعليمي».

وتجمع الخطة بين التعليم المتزامن وغير المتزامن، على أن تُطبَّق تدريجياً إذا سمحت الظروف، موضحاً أن الإدارة تعمل حالياً على إعداد إحصاءات دقيقة حول أوضاع المعلمين والتلامذة وظروفهم قبل اتخاذ القرار النهائي، «بهدف ضمان العدالة في الوصول إلى التعليم». وتشمل الخطة أيضاً تقديم إرشاد نفسي للتلامذة عبر فيديوهات متخصصة، في ضوء الضغوط النفسية التي تخلفها الحرب.

وفي خلفية هذه القرارات، يبرز الجدل بشأن دعوة وزارة التربية إلى استئناف التعليم منذ 10 آذار، وهو قرار ترى بعض الإدارات التربوية أنه جاء أيضاً تحت ضغط المدارس الخاصة في المناطق الآمنة، لا سيما تلك التي كانت قد عادت فعلياً إلى التعليم قبل صدور القرار الرسمي، وخصوصاً في الصفوف النهائية المرتبطة بالامتحانات الرسمية.

وبين الخطط التربوية والقرارات الرسمية، يبقى الواقع الميداني العامل الحاسم. فالحرب وما تفرضه من نزوح واضطراب يومي لا تترك للتلامذة والأساتذة سوى هامش ضيق للتعلم، ما يجعل الجهود الحالية أقرب إلى محاولة منع الانقطاع الكامل عن المدرسة، لا إلى عودة طبيعية للعملية التعليمية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد