اوراق خاصة

العمق الإيراني المجهول.. عندما تتحول الأرض إلى شبكة مقاومة لا تُقهر

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

إيران، اليوم، ليست مجرد دولة في غلاب آسيا (الشرق الأوسط)، هي آلة صمود متحركة تعلمت من كل هزيمة محتملة للعدو قبل أن تحدث؛ أي من يحسب أن القوات الأمريكية تستطيع اختراقها بسهولة عبر الغزو البري يعيش في عالم وهمي بعيدًا عن واقع العمق الإيراني وعمق التاريخ الإيراني، وعمق التخطيط الذي بدأ منذ الثورة.

الجيش الإيراني، اليوم، ليس مجرد مجموعة وحدات نظامية، إنه شبكة موزاييكية من القيادات الموزعة والقرارات المستقلة متصلة برؤية واحدة: الصمود والاستمرار مهما كانت الخسائر والمفاجآت.. أي ضربة مركزية، أي اغتيال لقيادة عليا، لن يكون أكثر من عثرة صغيرة في طريق معركة طويلة معدة منذ عقود.

الاعتماد على الهيكل التقليدي، في حساب القدرة الإيرانية، هو خطأ استراتيجي فادح. إذ إن الحرس الثوري والجيش النظامي والباسيچ ليسوا وحدات عسكرية منفصلة، هم جزء من منظومة متكاملة؛ يمكنها التحول فورًا من جيش نظامي إلى مقاومة شعبية منظمة داخل المدن والقرى والجبال. هذه المقاومة قائمة على تدريب مستمر، فهي ليست عشوائية، هناك توزيع للأسلحة وإدارة مخازن مستقلة؛ حيث كل قيادة إقليمية لديها القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ العمليات والمواجهة من دون انتظار الأوامر من طهران. هذا يجعل أي محاولة أمريكية لتدمير البنية القيادية الإيرانية مجرد وهم استراتيجي.

القدرة الإيرانية تمتد، أيضًا، إلى البحر والمضيق، حيث الزوارق السريعة والمسيرات الصغيرة وأنظمة الحشد المتزامنة تجعل من مضيق هرمز منطقة شبه مستحيلة للتحرك بحرية. أضف إلى ذلكم أن التكتيكات منخفضة التكلفة، لكنها مؤثرة للغاية، قادرة على استنزاف معدات أمريكية باهظة الثمن وتحويل أي تقدم بري إلى صراع مستمر في خطوط الإمداد، مع فقدان القدرة على التقدير المباشر للنتائج.. إذ أي خريطة أمريكية للسيطرة على البحر ستبدو كأنها خرائط حلم بعيد عن الواقع الإيراني.

العمق الاستراتيجي، سواء من خلال فيلق القدس أو شبكات المقاومة في لبنان واليمن وفلسطين، يضيف طبقة أخرى من التعقيد.. وأي خطوة برية أمريكية لا تقع في نطاق الأرض الإيرانية فقط، بل تلتقي فورًا بمقاومة تمتد خارج الحدود، وتشتت تركيز العدو بين الداخل والخارج. هذا يجعل من أي غزو بري حربًا متعددة الجبهات، قبل أن تبدأ المواجهة الداخلية الحقيقية، ويضع القوات الغازية في مواجهة جيش من الظلال موجود في كل مكان وفي الوقت نفسه لا يُرى بسهولة.

الجغرافيا الإيرانية تضيف بعدًا آخر، فالجبال والقرى المترامية والكثافة السكانية العالية، تجعل أي تقدم أمريكي بطيئاً ومكلفًا بشكل هائل. القوات الغازية ستكتشف سريعًا أنها لا تواجه جيشًا موحدًا، إنما شبكة حية من خلايا متحركة تستطيع اتخاذ القرار بنفسها والتحرك في أي اتجاه والتكيف مع أي هجوم واستنزاف خطوط الإمداد بطريقة ممنهجة.. إذ إن أي احتلال للمدن الكبرى سيكلف الولايات المتحدة خسائر بشرية ومادية هائلة، حتى قبل أن تصل إلى قلب النظام.

الأهم من ذلك كله؛ أن الإيرانيين يدركون قيمة الحرب الطويلة مقابل النصر السريع. كل تخطيط، كل تدريب، كل توزيع أسلحة مسيّرة وسريعة، وكل تكتيك غير متماثل، صُمم لتحويل أي غزو بري إلى اختبار صبر طويل الأمد وتكلفة باهظة ونتيجة غير مضمونة. المسيّرات الانتحارية والزوارق السريعة وإستراتيجية الحشد، تعمل على تعطيل الدفاعات الأمريكية الأكثر تطورًا وفرض فارق اقتصادي بين تكلفة الضربات الإيرانية المنخفضة وتكلفة الدفاعات الأمريكية المرتفعة جدًا.

في النهاية، إن أي تدخل بري أمريكي، اليوم، لن يكون مجرد مواجهة مع الجيش الإيراني، هو اختبار شامل لقدرة الدولة على الصمود وذكاء القيادة وعمق الاستراتيجية الميدانية ومرونة النسيج الشعبي. إيران ليست مجرد دولة يمكن سحقها بالضربات الجوية أو التحكم في العاصمة، هي شبكة مقاومة كاملة، مدربة ومجهزة لتحويل كل جزء من الأراضي إلى معركة مستمرة، فلكل خطوة تقدم أمريكية ثمن مضاعف لا قدرة لقوة الغازي على تحمله بسهولة.

من هنا، أي تهديد أمريكي بالغزو البري يجب أن يُقرأ من منظور صمود إيران العميق والمرن والموزاييكي، وفهم أن كل حساب تقليدي لعدد القوات أو المعدات أو التكنولوجيا لن يكون أكثر من وهم استراتيجي قاتل، أمام جيش يستطيع التحول في لحظة من تنظيم نظامي إلى مقاومة شاملة على المستويات كلها.

إيران، اليوم، هي صورة صمود حقيقي، تعلمت من التاريخ، صنعت دفاعها، وحوّلت كل ضعف محتمل للعدو إلى قوة تحاصره، وستجعل أي حساب أمريكي بالغزو محدود الأفق وتحدياته هائلة، ونتيجته المحتملة مكلفة وخطرة على الاستراتيجية الأمريكية بالكامل.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد