زينب حمود (صحيفة الأخبار)
يشكل جبل لبنان أحد مراكز ثقل النازحين من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. فمنذ اللحظات الأولى للعدوان الإسرائيلي، و«بتوجيه مباشر من وليد بيك لاحتضان النازحين وتأدية الدور الإنساني والأخلاقي، تحركنا مع بدء العدوان فجر الإثنين، وفتحنا أبواب المركز في عاليه لـ 250 شخصاً خرجوا من منازلهم على وقع الغارات»، يقول وكيل داخلية عاليه في الحزب التقدمي الاشتراكي، يوسف دعيبس.
عدد النازحين المسجلين لدى الحزب في منطقة عاليه وضواحيها لامس الـ 11 ألفاً، نحو تسعة آلاف منهم يقيمون في منازل مستأجرة ويتوزع الباقون على 12 مركز إيواء. أما مجموع النازحين الفعلي فأكبر بكثير. إذ إن عدداً من العائلات استأجرت في المنطقة قبل فترة تحسباً لتجدد العدوان، فيما لم تترك عائلات أخرى المنازل التي استأجرتها في عدوان أيلول 2024.
النازحون في مراكز الإيواء يتوزعون بشكل متفاوت. فمقابل 25 نازحاً في جامع القماطية مثلاً، هناك 260 نازحاً في حسينية البلدة. ومقابل 52 نازحاً فقط في مدرسة القماطية، هناك 350 نازحاً في ثانوية مارون عبود الرسمية في عاليه، و180 نازحاً في مدرسة خالد جنبلاط الرسمية. وبحسب دعيبس، «لم تصل مراكز الإيواء إلى قدرتها الاستيعابية القصوى، وما زلنا نؤمن مكاناً لعدد محدود من العائلات النازحة التي تقصدنا».
المقارنة مع عدد النازحين المسجلين ضمن المنطقة نفسها في حرب 2024، والذي بلغ 16 ألف نازح، يظهر تراجعاً في حركة النزوح إلى الجبل، رغم مرور نحو أسبوعين على العدوان المستمر. والسبب تراجع الطلب وليس العرض. بمعنى آخر، لم يتراجع عدد مراكز الإيواء ولم تضعف الاستجابة لحركة النزوح ولا احتضان النازحين في هذه المناطق، وإنما تراجع عدد من قصدوا الجبل. ويعيد دعيبس ذلك إلى رغبة أكبر لدى أهالي المناطق المستهدفة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية في البقاء في منازلهم على تحمل مرارة التهجير التي ذاقوها في الحرب الأخيرة.
نمط جديد
ويلاحظ أبناء عاليه والقماطية والجوار نمطاً جديداً في حركة النزوح، لم يحصل في الحرب الأخيرة. وهو اللجوء المؤقت إلى المناطق الآمنة في الجبل بعد كل قصف عنيف أو إنذارات إخلاء في الضاحية، والانتظار ريثما تنتهي موجة القصف قبل العودة إلى المنازل. وهؤلاء ينقسمون إلى فئتين: الأولى مقتدرة مادياً تتوجه إلى المطاعم والمقاهي، والثانية تقضي ليلتها في سياراتها المركونة إلى جانب الطريق. ويتحدث دعيبس عن «أعداد هائلة بالآلاف تصل فجأة عند ارتفاع مستوى الخطر في الضاحية، لا نكون مستعدين لتلبية احتياجاتهم، وهؤلاء لا يطلبون مأوى بل مكاناً آمناً لفترة قصيرة قبل المغادرة، فنؤمن لهم الحماية والحاجات الأساسية من طعام ومياه».
الاستجابة بدأت فوراً
عندما بدأت الحرب بشكل مفاجئ، فجر الإثنين، وصل النازحون إلى عاليه، «فاستقبلناهم في مركز الحزب وأمّنا مبيت 250 شخصاً»، يقول دعيبس. لكن، «سرعان ما دخل القائمون على ملف النزوح في الحزب والحكومة والجمعيات في «السيستم»، ولم تحصل فوضى عارمة بالشكل الذي حصل في الحرب الأخيرة، وبقيت الأمور مضبوطة، لأن المسؤولين والمتطوعين متمرسون وراكموا خبرات في إدارة الأزمات وشؤون النازحين في السنوات الماضية». حتى النازحون «دخلوا بسهولة في «السيستم»، فـ 70% منهم هم أنفسهم الذين جاؤوا في الحرب الأخيرة، ويعرفون أسماء المسؤولين عن المراكز والمتطوعين، وبرامج الإغاثة ويتحركون بسلاسة في المكان».
وكالعادة، لم تضع الحكومة خطة للحرب قبل أن تقع، ولا تزال، بعد أسبوعين من وقوعها، تتخبط لتأمين مأوى لجميع النازحين وتأمين أبسط احتياجاتهم. في الأيام الأولى، «وزعت الجهات الرسمية 300 فرشة و100 حصة غذائية في قضاء عاليه، وهي مساعدات لا تكفي لمركز واحد، فتصرفنا بما تبقى لدينا من تجهيزات أساسية للمراكز من الحرب الماضية، ثم تدخلت الجمعيات وباشرت توزيع الوجبات الجاهزة». وأهم هذه المنظمات والجمعيات: «UNHCR التي وزعت 30 ألف فرشة وغطاء في عاليه والشوف، الصليب الأحمر اللبناني، ومؤسسة الفرح الاجتماعية، ومنظمة الرؤية العالمية».
في ما يخص التدفئة، تكفل مجلس الجنوب بتأمينها، مع الحزب الاشتراكي، عبر تدفئة مركزية في بعض المراكز، وصوبيات في مراكز أخرى. من جهته، وكما في الحرب الماضية، يواصل الدفاع المدني مدّ المراكز بمياه الخدمة، لكن «بكميات محدودة غير كافية لسد احتياجات جميع العائلات في المركز. لذا نقوم بمساعدة الأهالي في ردم هذه الفجوة، ونشتري نقلات المياه، مرة منّا ومرة منهم بكلفة 100 ألف ليرة فقط على عاتق العائلة الواحدة».
ويصل إلى مكتب «وكالة داخية عاليه» يومياً عشرات العائلات التي تسجل أسماءها للحصول على المساعدات. وبالنسبة لما تحتاجه العائلات النازحة في المنازل، تقول أم حسين: «كل شي، لأننا وصلنا إلى منزل غير مفروش لأحد الأقارب، وعندما غادرنا منزلنا في النبي شيت لم نحمل معنا شيئاً».
وتسأل أخرى جاءت من محيط كلية العلوم في الضاحية عن جهة تؤمن أدوية لزوجها المصاب بالسرطان، فتدلها الموظفة في المكتب على «مركز الصليب الأحمر والمستوصف المجاور اللذين يؤمنان الأدوية في المنطقة». ولا ينكر دعيبس النقص في الاحتياجات الأساسية للنازحين في المنازل من فرش وأغطية وطعام ودواء ولوازم الأطفال، لكنها «لا تُقارن بتلك في المدارس، وبدأت تنطلق مبادرات لتغطيتها». هكذا، تعمل فرق الإغاثة في منطقة عاليه «كل يوم بيومه» لتلبية احتاجات أكثر من 10 آلاف نازح، وتجد الأمور «تحت السيطرة» إلى الآن، وهذا طبعاً يتوقف عند المدة التي ستستغرقها الحرب وشدّتها.
مراكز الايواء برعاية الاشتراكي
يدير الحزب الاشتراكي في مناطق نفوذه في الجبل عدداً كبيراً من مراكز الإيواء، تتوزع على المناطق وفقاً للآتي: 20 مركزاً في الشوف، 52 في إقليم الشوف، خمسة في الشويفات، 12 في المتن، 14 في غرب عاليه، 14 في جرد عاليه، 12 في وسط عاليه و45 في قضاء عاليه. ويشير إلى إمكانية إضافة ستة مراكز جديدة في كلٍّ من عاليه والشوف ومركزين في المتن، قادرة على استيعاب نحو 2500 نازح.