اوراق مختارة

موازنة 2026 وأموال البلديات: بين وعود الإصلاح واستمرار العجز… هل تغيّر شيء فعلياً؟

post-img

باولا عطية (صحيفة الديار)

في ظلّ الحرب وما تفرضه من أعباء إضافية، برز دور البلديات كخط الدفاع الأول في مساندة المجتمعات المحلية، سواء عبر تقديم المساعدة أو استضافة النازحين وتأمين الحدّ الأدنى من الخدمات. إلا أنّ هذه البلديات نفسها تعاني أزمات مالية خانقة تحدّ من قدرتها على الاستجابة. وبعد ست سنوات على الانهيار المالي الذي ضرب لبنان منذ عام 2019، تعود البلديات إلى واجهة النقاش مع إقرار موازنة 2026، حيث تتحدّث الحكومة عن "مسار إصلاحي" وتصحيح في التحويلات المالية وتعزيز اللامركزية المالية. لكن على الأرض، لا تزال البلديات تكافح لتأمين أبسط الخدمات، من جمع النفايات والإنارة وصيانة الطرقات وصولًا إلى دفع الرواتب. فهل تغيّر شيء فعلياً في تمويل البلديات؟ أم أنّ الأزمة ما زالت مستمرة بأدوات جديدة وأرقام أكبر من دون قدرة حقيقية على التنفيذ؟

أرقام رسمية… وواقع مختلف

تشير دراسات صادرة عن المركز اللبناني للدراسات (LCPS) إلى أن البلديات تحصل على أقل من 6% من إجمالي إنفاق الدولة، رغم أن مهامها توسّعت بشكل كبير بعد الأزمة. هذا الرقم يعكس خللاً بنيوياً في توزيع الموارد بين المركز والسلطات المحلية.الأخطر أن أكثر من نصف البلديات تتلقى أقل من 250 مليون ليرة سنوياً من الصندوق البلدي المستقل، وهو مبلغ بالكاد يكفي لتغطية كلفة النفايات أو صيانة محدودة للطرقات في ظل التضخم الحاد. وبحسب تقارير اقتصادية، فإن 64% من البلديات باتت تحت خط الفقر المالي بعد الأزمة الاقتصادية، فيما يعاني الصندوق البلدي المستقل عجزاً يقدّر بنحو 450 مليون دولار، مع انتقادات متكررة لآلية التوزيع وعدم عدالتها بين البلديات الكبيرة والصغيرة.

في المقابل، تشير وزارة المالية إلى تحويلات بلغت نحو 2,200 مليار ليرة من عائدات الاتصالات إلى البلديات. إلا أن السؤال الجوهري يبقى: هل تكفي هذه التحويلات لتعويض التآكل الحاد في قيمة العملة، أم أنها مجرد أرقام اسمية لا تعكس قدرة فعلية على الإنفاق؟

الصندوق البلدي المستقل… أزمة ثقة وإدارة

تُوزَّع أموال الصندوق البلدي المستقل وفق معادلة تقوم على: 78% بحسب عدد السكان المسجّلين، 22% بحسب الرسوم المحلية الفعلية.هذه الآلية، رغم طابعها التقني، تثير إشكاليات عدة. فالاعتماد على السكان المسجلين لا يعكس الواقع الفعلي، خصوصاً في المدن السياحية أو المناطق التي تستقبل كثافة موسمية مرتفعة. كما أن البلديات التي كانت تاريخياً أكثر قدرة على التحصيل تستفيد أكثر من معيار الرسوم، ما يعمّق الفوارق بين البلديات.

الصندوق البلدي المستقل، الذي يُفترض أن يكون ركيزة تمويل البلديات، بات محور جدل. تقارير بحثية صادرة عن The Policy Initiative تشير إلى أن الإصلاحات الواردة في موازنة 2026 تبدو شكلية أكثر منها بنيوية، إذ لم تُعالج جذور المشكلة وهي غياب انتظام التحويلات، عدم تحديث معايير التوزيع، وضعف الشفافية في تحديد المستحقات. كما أن البلديات لا تملك استقلالية مالية فعلية، إذ تبقى رهينة التحويلات المركزية، في حين أن مفهوم اللامركزية الإدارية لم يُترجم حتى اليوم إلى لامركزية مالية حقيقية. كما أن هناك فجوة كبيرة بين النص والواقع، ففي النص، تتحدث موازنة 2026 عن تعزيز التمويل المحلي. في الواقع، البلديات لا تزال تعمل ضمن هامش ضيق جداً. الأرقام قد تبدو أكبر من السنوات السابقة، لكن عند احتساب التضخم وانهيار العملة، يتبيّن أن القدرة الشرائية الفعلية للبلديات بقيت ضعيفة. ومع استمرار العجز في الصندوق البلدي المستقل، تبقى البلديات الحلقة الأضعف في إدارة الأزمة.

اعتماد على التمويل الخارجي والخاص!

بدوره يرى الخبير في المالية العامة والبلديات، أيمن دندش، أنّ زيادة الأرقام المدرجة في الموازنة لا تعني بالضرورة تحسّن قدرة البلديات على تقديم الخدمات، مشيرًا إلى أنّ المشكلة الأساسية تكمن في تآكل القيمة الحقيقية للأموال وضعف الجباية المحلية.

ويشير دندش إلى أنّ الأموال المرصودة في الموازنة غير كافية، خصوصًا مع الالتزامات الجديدة مثل سلسلة الرتب والرواتب التي تتحمّلها الدولة للموظفين، والتي تترتب على البلديات أيضًا، بينما غالبًا ما تكون موازنات البلديات تقديرية وتعتمد على مستوى الجباية الفعلي، ما يؤدي إلى تجاوز المصاريف للإيرادات المتاحة. وأضاف أنّ البلديات اليوم تتحمّل الكثير من الأعمال التي كانت تتولاها الدولة، مثل الأشغال العامة والكهرباء والمياه، وكل ذلك من ميزانيتها الخاصة. ولفت إلى أنّ ضعف الجباية يؤثر مباشرة على قدرة البلديات ويعيق عمل الصندوق البلدي المستقل.

وحول آلية توزيع أموال الصندوق البلدي المستقل، رأى دندش أنّها غير عادلة، فالمناطق ذات الكثافة السكانية العالية قد تكون إيراداتها منخفضة، في حين أنّ المواطنين في المدن غالبًا لا يسددون الرسوم إذا لم يحتاجوا إلى خدمات معينة، مثل الأوراق الرسمية. وأوضح أنّه من الأفضل أن تكون الانتخابات البلدية مرتبطة بمكان السكن الفعلي، لأنّ الشخص الذي يعيش في منطقة معينة ولا يستفيد من خدماتها لا يرى سببًا لدفع الرسوم، ما يوسع الفجوة بين السكان والخدمات المتاحة.

وأشار إلى أنّ العديد من البلديات تعتمد على تمويل خارجي من الهبات والمشاريع الممولة، لكن التحدي الكبير يكمن في ما إذا كانت هذه الأموال تُدار وفق حوكمة رشيدة. وأوضح أنّ بعض رؤساء البلديات يضطرون لدفع رواتب الموظفين من جيوبهم الخاصة، وهو عمل حسن النية لكنه ليس مؤسسيًا ومستدامًا.

وأكد دندش أنّ تفعيل اللامركزية الإدارية ضروري لمنح البلديات استقلالية حقيقية في الصرف، خصوصًا بعد أزمة سعر الصرف، التي أدّت إلى انخفاض القوة الشرائية للموارد مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة. وأوضح أنّ تعزيز دور البلديات يمكن أن يخفف الضغط على الدولة، مشيرًا إلى أنّ القرارات الصادرة عن الدولة لا يمكن تطبيقها إلا إذا كانت البلديات قادرة ماليًا على تنفيذها. فمثلا قرار جباية النفايات يعتمد على قدرة البلديات على تحسين الجباية، مشيرًا إلى أنّه تم نقل هذه المسؤولية من الدولة إلى البلديات، مما يضع الكرة في ملعبها لإيجاد حلول عملية ومستدامة.

بلدية جونيه: نموذج مدينة سياحية تكافح تحت الضغط

على مقلبٍ آخر، يبرز توجّهٌ لدى عددٍ من البلديات نحو اعتماد أساليب غير تقليدية لتحسين مستوى الخدمات، بعيدًا عن الاكتفاء بالأموال المرصودة لها من السلطة المركزية في موازنة 2026. فبدل الارتكاز حصراً على التحويلات الرسمية، تلجأ هذه البلديات إلى استقطاب مشاريع ممولة من منظمات دولية، أو إلى تأمين رعايات من شركات خاصة لتمويل النشاطات والمهرجانات المحلية. ومن بين هذه البلديات، تبرز بلدية جونيه كنموذجٍ اعتمد هذا النهج لتعزيز مواردها وتنفيذ مبادراتها التنموية.

ففي مدينة كجونيه، حيث الكثافة السكانية الموسمية والسياحية مرتفعة، كانت الفجوة أكثر وضوحاً، قبل استلام البلدية الجديدة. وفي حديثٍ لـ«النهار»، أوضح عضو بلدية جونيه فادي فياض أنّ مشاريع الممرّات البحرية نُفّذت بتمويل من International Labor Organization وبدعم ألماني، وقد شكّلت خطوة أساسية في إعادة تنظيم الواجهة البحرية وتعزيز الحق العام في الوصول إلى البحر.

وأشار إلى أنّ شعار «بلدية النهضة» الذي أطلقته البلدية تُرجم عمليًا من خلال تحسين الخدمات، ما انعكس إيجابًا على التزام المواطنين بدفع الرسوم البلدية بعد لمس نتائج ملموسة، كما ساهمت عودة الحركة العمرانية في تعزيز إيرادات البلدية عبر رسوم رخص البناء، ما أتاح توسيع المشاريع والخدمات.

وفي ما يتعلّق بالأنشطة والمناسبات، ولا سيما احتفالات عيد الميلاد، أوضح أنّ البلدية لم تتحمّل أي كلفة مالية، إذ تولّت شركات خاصة رعاية الاحتفالات بالكامل بعد استعادة الثقة بالإدارة البلدية. ولفت إلى أنّ العمل يجري وفق خطة واضحة واستراتيجية تنفّذها فرق متخصصة، وقد بدأ المواطنون يلمسون نتائجها، ومن أولى القرارات فتح الشاطئ العام عبر بروتوكول تعاون مع الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية جان بيروتي. كما أرسلت لجنة الشواطئ تعاميم لإزالة التعديات على الممرات البحرية، مؤكدًا أنّ التعديات على الأملاك البحرية تقع ضمن صلاحيات مديرية النقل البري والبحري، وأن دور البلدية يتركّز في تأمين ممرات عامة من الطريق إلى البحر لضمان حق الجميع في الوصول إليه.

وفي ما يخصّ الأموال المرصودة للبلديات في موازنة 2026، رأى فياض أنّها غير كافية، لكنه أثنى على القرار الذي يسمح للبلديات باستيفاء رسوم النفايات، معتبرًا أنّه قد يشكّل دعمًا مهمًا لها. كما طالب بتطبيق فعلي للامركزية الإدارية، لافتًا إلى وجود بطء في جباية أموال الصندوق البلدي المستقل، ما ينعكس سلبًا على قدرة البلديات على تنفيذ مشاريعها.

هذه الخطوات المهمة التي بدأت باعتمادها بلدية جونية انعكست ايجابا على آراء السكان في الخدمات، حيث يشيد سكان وأصحاب المؤسسات في جونيه بالتحسّن الملحوظ في مستوى الخدمات التي تقدمها البلدية، معتبرين أنّ التغيير أصبح ملموسًا.

على الأرض. تقول سارة م.، مقيمة في المدينة منذ عشر سنوات، "إنّ الفرق كبير في تنظيم الشوارع وجمع النفايات، والبلدية أصبحت أكثر تفاعلاً مع السكان، ما يجعلنا نشعر بأننا جزء من العملية، رغم وجود بعض التأخير البسيط في الصيانة الذي يُعد طبيعيًا مع حجم العمل الكبير.

من جهته، يرى عماد خ.، صاحب محل تجاري، أنّ "فتح الممرات البحرية وتنظيم الأسواق الصغيرة أعطى المنطقة حيوية جديدة، وزادت حركة الناس، وأصبحت الخدمات أسرع. التحدي الوحيد أحيانًا هو التنسيق مع بعض الدوائر الأخرى للدولة، لكن البلدية تحاول دائمًا تسهيل الأمور.

يشير رشيد ف.، صاحب مقهى على الكورنيش، إلى أنّ "الاستثمار في الشواطئ والمرافق العامة جذب زبائن أكثر، والخدمات التي تقدمها البلدية مثل النظافة وترتيب الأماكن ساعدتنا كثيرًا. أحيانًا تكون بعض الإجراءات البيروقراطية بطيئة، لكنها خطوة في الطريق الصحيح الأزمة بنيوية لا محاسبية.

إذا، موازنة 2026 لم تُحدث تحوّلاً جذرياً في تمويل البلديات، بل أعادت تدوير الأزمة بأرقام جديدة. الفجوة بين الأرقام الرسمية والقدرة الفعلية على تقديم الخدمات ما زالت قائمة. والبلديات، من جونيه إلى القرى الصغيرة، تجد نفسها بين مطرقة التضخم وسندان غياب الإصلاح البنيوي. ويبقى السؤال مفتوحًا:هل تملك الدولة إرادة فعلية لإطلاق لامركزية مالية حقيقية تعيد للبلديات دورها التنموي؟ أم أن البلديات ستبقى تدير العجز… بدل أن تدير التنمية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد