فادي الحاج حسن/كاتب لبناني
في خضم الصراعات الجيوسياسية المعقدة التي تشهدها منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط)؛ تتجاوز المواجهة الأبعاد العسكرية التقليدية لتشمل ساحة بالغة الأهمية؛ وهي حرب الوعي . هذه الحرب، التي تستهدف العقول وتشكّل الرأي العام، أصبحت أداة استراتيجية حاسمة في تحديد مسارات الصراعات ونتائجها.
في هذا السياق، تبرز إيران والمقاومة في لبنان قوتين فاعلتين لا تكتفيان بالصمود العسكري، هما تخوضان معركة وعي شرسة لتعزيز مواقفهما وتفنيد السرديات المعادية وحشد الدعم الشعبي. يستعرض هذا المقال الأبعاد المتعددة لهذا النوع من الحرب، وكيف توظفها إيران والمقاومة في لبنان لتعزيز صمودهما وتأثيرهما في الرأي العام، في مواجهة حملات التضليل والتحيز التي تشنها القوى المعادية.
صمود المقاومة في لبنان.. سردية تتجاوز الميدان
لطالما كانت المقاومة، في لبنان، ممثلة بحزب الله، ركيزة أساسية في معادلة الردع الإقليمية. في مواجهة التصعيد العسكري الإسرائيلي المستمر، والذي استهدف مؤخرًا 110 من مقرات ومراكز قيادة حزب الله في بيروت وجنوب لبنان، لم تكتفِ المقاومة بالرد العسكري المباشر، إنما عززت قدراتها الميدانية بشكل لافت. في هذا السياق؛ يمثل التطور في استخدام الصواريخ المضادة للدروع والطائرات المسيرة بكثافة مؤشرًا على القوة العسكرية، ليؤدي رسالة وعي واضحة تؤكد القدرة على التكيف والصمود في وجه التحديات. هذه القدرة على الصمود، على الرغم من الخسائر البشرية التي بلغت 687 شهيدا و1,774 جريحًا في لبنان حتى الآن، تُشكل حجر الزاوية في مسار إدراك المقاومة.
إذ تعتمد المقاومة في لبنان على بناء سردية متماسكة تركز على الدفاع عن الأرض والسيادة ومواجهة الاحتلال والعدوان. هذه السردية، والتي تتجذر في الوعي الجمعي، تهدف إلى تعزيز التماسك الداخلي وحشد الدعم الشعبي، في لبنان والمنطقة بأسرها. إن تصوير المقاومة حاميةً للوطن وقوة قادرة على إلحاق الأذى بالعدو، يسهم في تشكيل رأي عام مؤيد، ويقوض محاولات شيطنتها وتصويرها تهديدًا داخليًا أو إقليميًا.
إيران واستراتيجية الصمود والمواجهة الواعية
تخوض إيران، بعد اغتيال المرشد الأعلى السابق، في صباح 28 شباط 2026، وتولي السيد مجتبى الخامنئي القيادة، معركة وعي معقدة على جبهات متعددة. في مواجهة الضربات الأمريكية الإسرائيلية المكثفة، والتي استهدفت مواقع حيوية في طهران وشيراز ومراكز نووية وعسكرية، ردت إيران بعملية "الوعد الصادق 4" مطلقة صواريخ باليستية وطائرات مسيرة باتجاه العمق الإسرائيلي. هذا الرد، بصرف النظر عن حجم تأثيره المادي، يحمل دلالات وعي عميقة. إنه يؤكد قدرة إيران على اختراق الدفاعات المعادية وتوجيه ضربات مباشرة، ما يعزز صورتها قوةً إقليمية لا يمكن تجاوزها أو إخضاعها.
تعتمد استراتيجية الوعي الإيرانية على عدة محاور:
- تأكيد السيادة والردع: من خلال الردود العسكرية المباشرة، تسعى إيران إلى إرسال رسالة واضحة بأنها لن تتهاون في الدفاع عن سيادتها ومصالحها، وهي قادرة على الرد بقوة على أي اعتداء. هذا يعزز صورتها كونه دولة ذات سيادة وقوة ردع، ويقوض محاولات تصويرها دولةً ضعيفة أو معزولة
- تعزيز الوحدة الداخلية: في ظل الضغوط الخارجية، تركز إيران على تعزيز الوحدة الوطنية وحشد الدعم الشعبي لقيادتها. يتم ذلك في الخطاب الذي يركز على التحديات المشتركة وضرورة الصمود في وجه المؤامرات الخارجية وتأكيد القيم الثورية والوطنية.
- تفنيد السرديات المعادية: تواجه إيران حملات إعلامية مكثفة تهدف إلى شيطنتها وتصويرها تهديدًا عالميًا. في المقابل، تسعى إيران إلى تفنيد هذه السرديات بتسليط الضوء على دورها في دعم حركات المقاومة ومواجهة الإرهاب والدعوة إلى العدالة الدولية.
حرب الوعي في الخطاب الإسرائيلي
في المقابل، يكشف تحليل الخطاب الإعلامي الإسرائيلي محاولات حثيثة لتشكيل الرأي العام بما يخدم أجندة الاحتلال. يعتمد هذا الخطاب على ما يُعرف بـ"الكمال السردي". إذ يُصوَّر الصراع على أنه قصة واضحة المعالم بين "الأبطال والأشرار"، مع تجاهل الخسائر والتركيز على المكاسب المتوقعة. هذا التضليل لا يقتصر على المعلومات الخاطئة، هو يمتد إلى أنماط سلوكية وإدراكية تظهر في بنية الخطاب وطريقة بناء السردية.
أبرز مؤشرات التضليل في الإعلام الإسرائيلي:
- تجاهل السلبيات: يجري التقليل من التكلفة المتوقعة للحرب والخسائر المحتملة، سواء على المستوى العسكري أم الاقتصادي أم السياسي. في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن "حرية عمل كاملة" لجيش الاحتلال الإسرائيلي أو عن "فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط"؛ يغيب النقاش في الخسائر البشرية والاقتصادية التي تتكبدها إسرائيل، وذلك بحسب ادعاء الكيان الغاصب، والتي بلغت جنديين و17 مستوطنًا قتيلًا، و2,975 مستوطنًا و14 عسكريًا جريحًا، بالإضافة إلى كلفة اقتصادية أولية تقدر بـ 9 مليارات شيكل.
- اليقين المفرط: يجري الجزم بنتائج معينة في بيئة تتسم بالغموض وعدم اليقين، مثل تأكيد أن حزب الله فقد نسبة كبيرة من قدراته العسكرية، وهو ما يتناقض والتطور الملحوظ في قدرات المقاومة.
- الثنائية الصفرية: يقدّم الصراع على أنه خيار بين مسارين متناقضين لا ثالث لهما: إما السلام الإقليمي والانخراط في ترتيبات سياسية جديدة، أو استمرار الفوضى والحروب. هذا التأطير يهدف إلى توجيه الرأي العام نحو قبول السياسات التصعيدية بوصفها الخيار الوحيد الممكن.
تهدف هذه الأساليب إلى تشكيل رأي عام داخلي مؤيد للحرب وتسويغ العمليات العسكرية، مع إضعاف الروح المعنوية للخصم. مع ذلك، هذه السرديات تواجه تحديات كبيرة في ظل الواقع الميداني المعقد وتزايد الوعي العام بحقيقة الصراع.
التأثير في الرأي العام ومعركة الوعي
تُعد معركة الوعي حاسمة في الحروب؛ ففي ظل انتشار المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة، يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي بين الجمهور، وتمكينه من التمييز بين الحقائق والأكاذيب. تؤدي وسائل الإعلام البديلة ومنصات التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في هذه المعركة، حيث توفر مساحات لنشر السرديات المضادة وتفنيد الادعاءات الكاذبة وتسليط الضوء على الجوانب الخفية للصراع.
تستثمر إيران والمقاومة في لبنان، بشكل كبير، في هذه الجبهة، بإنتاج محتوى إعلامي متنوع، يستهدف شرائح مختلفة من الجمهور، ويسعى إلى بناء جسور من التفاهم والدعم. هذا المحتوى لا يقتصر على الأخبار والتحليلات السياسية، يشمل أيضًا الأعمال الفنية والثقافية التي تعزز قيم الصمود والمقاومة، وتخلد تضحيات الشهداء.

إن التأثير في الرأي العام ليس مجرد هدف تكتيكي، هو هدف استراتيجي يهدف إلى بناء قاعدة شعبية صلبة تدعم خيارات المقاومة، وتصمد في وجه الضغوط الخارجية. في نهاية المطاف، لا تكمن قوة أي حركة مقاومة فقط في ترسانتها العسكرية، إنما في تماسكها الداخلي ودعمها الشعبي وقدرتها على تشكيل الوعي الجمعي.
في الخلاصة
تُظهر حرب الوعي والتأثير في الرأي العام أبعاد حاسمة في الصراع الدائر في منطقتنا؛ فإيران والمقاومة في لبنان، باستراتيجياتهما الواعية المتماسكة، لا تكتفيان بالصمود العسكري، هما تخوضان معركة وعي شرسة لتعزيز مواقفهما وتفنيد السرديات المعادية وحشد الدعم الشعبي.
في المقابل، تواجه الرؤية الإسرائيلية، والتي تعتمد على التضليل والتحيز، تحديات متزايدة في ظل تزايد الوعي العام وحقيقة الواقع الميداني. إن فهم هذه الأبعاد في معركة الوعي وتحليل تأثيرها في الرأي العام، يُعد أمرًا ضروريًا لفهم مسارات الصراع وتداعياته المستقبلية. إذ في هذه الحرب، لا يقل السيطرة على السردية أهمية عن السيطرة على الميدان، والانتصار في معركة الوعي قد يكون مفتاح الانتصار في الصراع الأوسع.