اوراق مختارة

عندما يصبح إيواء النازحين جريمة!

post-img

معن خليل (صحيفة الأخبار)

في بلدٍ يتعرّض للعدوان والحرب، ويُهجَّر فيه آلاف المواطنين من قراهم وبيوتهم، يُفترض أن يكون السؤال الطبيعي: كيف نؤوي النازحين؟ لكن في لبنان، ينقلب السؤال من حماية الإنسان من البرد والمطر والتشرّد إلى نقاش حول التوازنات الديموغرافية و«مخاطر» المخيّمات. هكذا اختارت بعض المنابر الإعلامية والسياسية أن تتناول مشروع مركز الإيواء المؤقّت للنازحين في الكرنتينا، بوصفه شبهة سياسية لا قضية إغاثية.

الخطاب الذي رافق هذه الحملة اعتمد لغة التخويف القصوى: تغيير ديموغرافي، قنبلة موقوتة، تهديد لبيروت، مخيم دائم، وخطر اجتماعي وأمني. لكن ما يتم تجاهله عمداً هو أن هؤلاء ليسوا غرباء عن هذا البلد، ولا جماعة طارئة عليه، بل هم مواطنون لبنانيون هُجّروا قسراً من بيوتهم بفعل العدوان الإسرائيلي. فأيّ منطق سياسي أو أخلاقي يسمح بتحويل المواطن النازح إلى خطر ديموغرافي؟

وأيّ انحدار في الوعي الوطني يجعل من إيواء أطفال ونساء ومسنّين تحت سقف تهديداً للعاصمة؟ تحويل النزوح القسري إلى مادة للذعر الطائفي والسياسي ليس مجرّد انحياز إعلامي، بل سقوط أخلاقي، لأن الخطاب هنا لا يناقش إدارة الملف بقدر ما يهاجم حق الناس في المأوى.

ولم يقتصر الأمر على التهويل الديموغرافي، بل جرى تضخيم ما يُسمّى بالمخاطر الأمنية والاجتماعية، بحيث يُقدَّم مركز الإيواء كأنه بؤرة توتر أو مصدر فوضى أو قاعدة نفوذ. وهذه اللغة ليست بريئة، لأنها تحوّل صورة النازح من ضحية حرب إلى مشروع أزمة، وهو ما يغذّيه سياسيون، بدل مطالبة الدولة بتحمّل مسؤولياتها في تنظيم الإيواء وتأمين الحد الأدنى من شروط الحياة، متجاهلين السؤال الأكثر بداهة: أين يذهب هؤلاء؟

هل يُتركون في الطرقات والمدارس والسيارات فقط لأن بعض القوى لا تريد خيمة في منطقة مُعينة؟ وهل أصبحت الخيمة أخطر من العدوان نفسه، ومن الفشل الرسمي، ومن هذا الانهيار الأخلاقي الذي يجعل الناس يناقشون مكان النازح أكثر مما يناقشون حقّه في النجاة؟

قضية الكرنتينا كشفت مرة جديدة أن جزءاً واسعاً من الخطاب السياسي والإعلامي في لبنان لا يزال عاجزاً عن التعامل مع الكوارث من منظور إنساني ووطني جامع، ويعمل على تحويل كل أزمة إلى ساحة فرز وانقسام واستثمار.

وبدل أن يكون السؤال: كيف ننقذ الناس من البرد والتشرّد؟ صار السؤال: كيف نحمي التوازنات من الناس؟ وهذه ليست فقط أزمة سياسَة، بل أزمة ضمير. لأن المجتمع الذي يرى في المواطن المشرّد خطراً، وفي الخيمة مؤامرة، وفي الإيواء تهديداً، هو مجتمع تآكلت فيه الأولويات إلى حدّ مخيف.

الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن النازح مواطن لبناني فقد بيته ويبحث عن مكان يقيه المطر والبرد وحرارة الشمس، ويمنحه الحد الأدنى من شروط الحياة. المشكلة ليست في مركز الكرنتينا، بل في العقل الذي يرى الناس كأرقام في معادلات السلطة، لا كبشر لهم حق أصيل في الحماية والإيواء والكرامة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد