اوراق مختارة

كيف يدير نبيه بري المعركة؟.. توازنات لا تخل بالثوابت

post-img

وفيق قانصوه/جريدة الأخبار

في بلدٍ تسير فيه السياسة على حافة الهاوية، يبرز نبيه بري لاعبًا من طرازٍ مختلف: ابن تجربة طويلة نسج خلالها نفوذه خيطًا خيطًا، وبقي في قلب اللعبة رغم تغيّر الظروف على ألف وجه. يُجيد قراءة اللحظة قدر إتقانه فنّ التدخل في التوقيت الحاسم. يعرف متى يرفع السقف ومتى يخفضه، ويبقي على قنوات التواصل مع الجميع حتى في أكثر اللحظات توترًا. يدرك جيدًا تعقيدات الداخل وتشابكاته الإقليمية، ويسعى دائمًا إلى تدوير الزوايا لأن كسرها، في حساباته، يعني كسر البلد.

لذلك، يحرص على الاحتفاظ بهامش حركة خاص، يتيح له أن يكون في موقع الوسيط حين تُغلق الأبواب، وفي موقع الشريك حين تُفتح. لا يغلق بابًا إلا إذا فتح آخر، حتى ولو تطلّب الأمر أن يصف حكومة يرأسها فؤاد السنيورة بأنها «حكومة المقاومة السياسية»... لكنه لا يتردد في المواجهة عندما تصبح حتمية، واضعًا نصب عينيه قاعدة واحدة: منع الانهيار الشامل ولو عبر حلول ناقصة. وهو، في كل ذلك، لا يفرّط بالثوابت، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالجنوب.

يتعامل مع الضغوط كجزءٍ من اللعبة، وهو في الأيام الأخيرة تعرّض لكثير منها. فإلى جانب اتصالات متكررة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يكاد لم يبق موفد أو سفير، أجانب وعربًا، لم يحاول إقناعه بالمضي في مبادرة رئيس الجمهورية للتفاوض المباشر مع إسرائيل، وتسمية شخصية شيعية ضمن الوفد المفاوض، إلا أن بري، المحكوم بتاريخه قبل حاضره، يوازن بين الانفتاح على الخارج والتمسّك بثوابته التي تشكّل جوهر موقعه ودوره.

بعد لقائهما الأخير، خرج السفير الأميركي ميشال عيسى من عين التينة متجهّمًا. بعد أسبوعين من انطلاق الحرب الإسرائيلية على لبنان، حضر مندوب دونالد ترامب معتقدًا بأن الطائرات الحربية الإسرائيلية مهّدت له الطريق ليحصل على تنازل كبير. أكد رئيس المجلس: «لا تفاوض مباشرًا مع إسرائيل. وأريد ما تريدونه انتم». سأل عيسى: «وماذا نريد؟». عاجله بري: «اتفاق وقف إطلاق النار للعام 2024. لم أكتبه أنا بل انتم. أنا وافقت عليه، ولا زلت متمسكًا به». فقال عيسى: «لكن هذا الاتفاق انتهى في نظرنا». بحزم ردّ بري: «لا، لم ينتهِ، وهو الإطار الوحيد للخروج من حالة الحرب».

موقفه الحاسم رسمه بوضوح: أولوية مطلقة لوقف الحرب وعودة أهالي الجنوب إلى قراهم، والتفاوض غير المباشر مع إسرائيل ضمن لجنة «الميكانيزم»، وبعدها «لكل حادث حديث».

بعد أكثر من نصف قرن في العمل السياسي، يدرك بري جيدًا أن تاريخه قائم على دعامتين أساسيتين: مواجهة المشروع الإسرائيلي وصولًا إلى إسقاط اتفاق 17 أيار بالتعاون مع وليد جنبلاط في ثمانينيات القرن الماضي؛ وبناء «القلعة الشيعية» مع حزب الله، وإدارة الخلافات ضمن سقف واضح.

في النقطة الأولى، نبيه بري في عين التينة 2026 هو نفسه نبيه بري في بربور 1984. لم يغير مقاربته للصراع مع إسرائيل، ولا في فهمه لطبيعة المواجهة المفتوحة معها. يومها، قرأ مبكرًا المشروع الإسرائيلي في لبنان، واشتغل على إسقاطه سياسيًا وشعبيًا، بالتوازي مع الميدان. واليوم، يعيد اعتماد المنهج نفسه: تثبيت الأرض أولًا، حماية البيئة، ومنع فرض وقائع سياسية تحت النار.

في النقطة الثانية، يدرك تمامًا، كما حزب الله، أن أولوية العدو هي ضرب «القلعة الشيعية» وتفكيكها من الداخل. لذلك، يتعامل مع هذا الملف بوصفه خط دفاع وجودي، لا مجرد تفصيل سياسي. الحفاظ على تماسك هذه القلعة يمرّ عبر منع الانقسامات الحادة، وضبط الخلافات. فالوحدة شرط بقاء، وأي اهتزاز فيها يُقرأ إسرائيليًا كفرصة يجب استثمارها. من هنا، يصبح التناغم مع حزب الله، وإدارة التباينات معه ضمن حدود محسوبة، جزءًا من استراتيجية أوسع لحماية التوازن الداخلي ومنع انهياره.

يؤكد مقربون من الطرفين على الاتفاق التام بين بري والامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم حول القضايا الأساسية. والتواصل قائم يوميا رغم الصعوبات الأمنية، وسط قدر كبير من الثقة المتبادلة، استكمالًا لعلاقته مع الأمين العام السابق لحزب الله الشهيد السيد حسن نصرالله، والتي تجاوزت التنسيق إلى حدّ التماهي أحيانًا، بحيث كان بري، خلال المفاوضات، يجتهد في التعبير عن موقف حزب الله، فيوافقه نصرالله، والعكس صحيح.

هذا التناغم العميق جعل من بري مطّلعًا بالتفصيل على مجريات الميدان، ومشاركًا في صياغة القرار السياسي المرتبط به. قبيل نهاية حرب تموز 2006، كان بري يرى أن لبنان قادر تحسين شروط التفاوض أكثر مما تم التوصل إليه، فاقترح على السيد تمديد الحرب أسبوعًا إضافيًا، طالما أن العدو يتلقى الضربة تلو الضربة. فأجابه السيد بأن المقاومة قادرة على ذلك، إلا أنها وصلت إلى ذروة إنجازاتها، وأي إنجاز إسرائيلي قد يؤدي إلى تآكل إنجازات المقاومة، فردّ بري: «حسنًا، فلنوقف الحرب». وأبلغ الوسطاء بموافقة لبنان على وقف إطلاق النار.

الأكثر حضورًا لديه غياب السيد نصرالله وسقوط سوريا. ولذلك، يمارس السياسة كما لو أنه في ثمانينات القرن الماضي، حاملًا بالدرجة الاولى همّ الحفاظ على هوية لبنان، وفي قلبه الجنوب والشيعة. ويستند في ذلك الى توافق شيعي شامل عابر للحدود:

من مرجعية النجف بعدما «أفتى» السيد علي السيستاني، الذي يمثّل غطاءً سياسيًا لرئيس حركة أمل، والذي قلّما «يفتي في السياسة»، بمساندة ضحايا العدوان في إيران ولبنان.

من القيادة الإيرانية التي تحرص على التواصل معه، سواء باللقاءات، أو بالاتصالات الهاتفية، أو عبر رسالة مكتوبة وصلته قبل أيام، فيها تقدير للموقف الحربي والسياسي في إيران، والتزامات إيرانية بشأن الحرب على لبنان وما يليها. وهو في العدوان على ايران، يعتبر أنه مُني، على المستوى الشخصي، بخسارتين لا يمكن تعويضهما: استشهاد السيد علي الخامنئي، وعلي لاريجاني الذي كان قد واعده على الاتصال به يوم استشهاده. ومنذ أن رمى رئيس الجمهورية جوزف عون قنبلة طرد السفير الإيراني في وجه رئيس المجلس، يشدّد الأخير على أنه هو المسؤول عن تعطيل فتيلها.

في لحظة انهيار شامل، لا يقف رئيس المجلس عند حدود موقعه الرسمي، بل يتقدّم كـ«حارس توازنات». بين الضغوط الخارجية وثوابته الداخلية، يمشي على حبلٍ مشدود، مدركًا حساسية دوره في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الطائفة التي يُعدّ قائدها السياسي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد