اوراق خاصة

اغتيال الكلمة في جزين.. حين تصبح الحقيقة هدفًا مباشرًا

post-img

د.زينب الطحان/كاتبة وأستاذة جامعية

في الحروب، غالبًا ما يكون المدنيون أول الضحايا، لكن ما يجرى في الحروب مع العدو الصهيوني يتجاوز هذه القاعدة ليضع الصحافي والإعلامي نفسه في دائرة الاستهداف المباشر. لم تكن غارة الطيران الحربي المعادي الصهيوني في جزين، والتي أودت بحياة المراسل علي شعيب والإعلامية فاطمة فتوني وأخيها المصوّر محمد فتوني، مجرد حادثة عسكرية عابرة، هي واقعة تحمل دلالات عميقة تتصل بطبيعة الصراع وبالدور الذي بات يؤديه الإعلام في موازاة الميدان.

تُظهر التفاصيل الميدانية، وفقًا لرواية مصدر أمني- نقلًا عن جريدة الأخبار- تسلسلًا لا يترك مجالًا كبيرًا للالتباس. في المرحلة الأولى؛ أطلقت طائرة مسيّرة صاروخًا باتجاه السيارة التي تقلّ الصحافيين على طريق كفرحونة – جزين، من دون أن يصيبها. لم يكن ذلك نهاية المشهد، إذ بدا كأنه تمهيد لضربة أكثر دقة. بعد لحظات، ومع نزول بعض الموجودين من السيارة، عادت المسيّرة لتطلق صاروخين إضافيين، استهدفا بشكل مباشر الأشخاص المنتشرين في المكان، ومن بينهم الصحافيون وسيارة مدنية صودف مرورها، ما أدى إلى سقوط الشهداء. هذا التسلسل يعكس نمطًا من التتبع والاستهداف، لا مجرد قصف عشوائي.

هذه الواقعة تعيد تسليط الضوء على تحوّل خطير في طبيعة الحروب الحديثة، لا سيما الحروب التي تشنها "إسرائيل" تحديدًا على دول المنطقة، حيث لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأحداث، لقد أصبح جزءًا من معادلة الصراع نفسها. إذ إن الصورة، في زمن السرعة الرقمية، توازي في تأثيرها أحيانًا نتائج المعارك العسكرية. من هنا، يصبح التحكم بالرواية هدفًا استراتيجيًا، ويغدو إسكات من ينقلها وسيلة لتحقيق هذا الهدف.

من الشاهد إلى الهدف

تقليديًا، كان يُنظر إلى الصحافي بصفته شاهدًا محايدًا، ينقل ما يجري من دون أن يكون طرفًا فيه. لكن في حروب الإمبريالية الأميركية ضد العديد من دول العالم، وبعدها ربيبتها "إسرائيل"، بدأ هذا المفهوم يتآكل تدريجيًا. إذ إن استهداف الصحافيين يتكرر بوتيرة لافتة من غزة إلى لبنان إلى إيران، ولم يعد استثناءً. هذا ما يشير إلى تحوّل في عقيدة العدو العسكرية، والذي بات ينظر إلى الإعلامي والصحفي عند الطرف الآخر تهديدًا يجب تحييده.

في هذا السياق، يبرز مفهوم "العمى القسري"، أي السعي إلى منع نقل الصورة من الميدان بتصفية من يحمل الكاميرا أو القلم. ذلك؛ أن غياب الصحافي لا يعني فقط فقدان شاهد، إنما يفتح المجال أمام إعادة صياغة الأحداث من طرف واحد. هنا؛ تكمن خطورة استهداف الإعلاميين: إنه يتيح إنتاج "حقيقة بديلة" مزيفة؛ بعدما يقتل الحقيقة الصادقة.

جزين في سياق أوسع

ما حدث في جزين لا يمكن فصله عن سياق إقليمي أوسع، لا سيما في ظل ما يشهده قطاع غزة منذ العام 2023 من استهداف واسع للصحافيين. تقارير دولية عدة أشارت إلى أن أعداد الشهداء، في صفوف الإعلاميين والصحفيين، بلغت مستويات غير مسبوقة، ما دفع بعض المنظمات الإنسانية إلى وصف تلك المرحلة بالأخطر على الصحافة والإعلام في العالم.

هذا النمط، وفقًا لمراقبين، يمتد إلى استهداف الكوادر الطبية والإغاثية، ولا يقتصر على الإعلاميين فقط،. هذا ما يظهر أيضًا في الساحة اللبنانية، حيث سُجّلت خلال الأسابيع الأخيرة اعتداءات متكررة على سيارات إسعاف ومسعفين في أثناء تأدية واجبهم، فيستشهدون في أرض الميدان. هذا التوازي بين استهداف الصحافي والمسعف يعكس سياسة تضرب ركيزتين أساسيتين في أي مجتمع: نقل الحقيقة وإنقاذ الحياة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد