اوراق خاصة

حين يتقن "الحياد" إشعال الحرائق .. مع مارسيل غانم

post-img

 عمر شهاب/ كاتب لبناني

ليست المشكلة أن يُبدي الإعلامي رأيًا خاصًا به، لكن أن يُتقن تقديم الانقسام على أنه الحياد، ويُمرِّر الاصطفاف بوصفه قراءة هادئة! هنا لا يعود الخطر في الموقف نفسه، إنما في الطريقة التي يُعاد بها تغليفه: لغة منمَّقة… تؤجِّج انقسامات وتُحكِم تعميقها.

في لحظةٍ يُفترض أن تُخفَّف فيها حدّة التوتر، يُقدَّم خطابٌ مبسّط إلى حدّ الإخلال: طائفةٌ تُختزل في صورة الضحية المطلقة، وأخرى في صورة الهيمنة المطلقة ...جملة واحدة، مصاغة بعناية كفيلة بإعادة شدّ خطوط تماس لم تلتئم أصلًا.

هذا ليس تحليلًا بقدر ما هو إعادة تركيب للواقع، وفقًا لقالب جاهز يختزل التعقيد في ثنائيات صدامية.

لا يُفسَّر الواقع هنا، بل يُعاد إنتاجه بإدراك، حيث تبدو الصورة مبسّطة ومقنعة، فيما هي في جوهرها انتقائية وموجّهة تدفع المتلقي إلى الاصطفاف من دون أن يشعر.

كيف يُصنَع الانقسام؟

يقوم هذا الخطاب على ثلاث آليات معروفة :

أولها: التكتيل؛ تُختزل جماعة واسعة في كتلة واحدة؛ كأنها صوت واحد وتجربة واحدة من دون تباين.

ثانيها: التطهير الدلالي؛ تُقدّم هذه الكتلة ضحيةً خالصة منزّهة عن التعقيد أو المسؤولية أو الاختلاف الداخلي.

ثالثها: تحميل المسؤولية الأحادي؛ في هذه المرحلة يُنقل مركز الخطأ بالكامل إلى الطرف الآخر، بلغة تقترب من شيطنته وتُلغي أي توزيع واقعي للأدوار... بهذه الأدوات لا يُشرح الواقع، إنما يُعاد تشكيله وفقًا لسردية جاهزة تُريح المتلقي؛ لأنها واضحة، وتُضلّله لأنها مبسّطة أكثر مما ينبغي.

 من خارج الانقسام… إلى مهندس له

الأشد دلالة أن هذا الخطاب لا يصدر عن أحد طرفي الانقسام، بل عن موقعٍ يتقدّم ليؤدّي دور المخرج. وهنا تكمن المفارقة: من لا ينتمي إلى الصراع، يتقدّم لتنظيمه، لا بوصفه وسيطًا، بل بوصفه محدِّدًا لإحداثياته. هذا الانتقال من المراقبة إلى الإخراج، لا يمرّ من دون أثر؛ بل يعيد شدّ حدود الانقسام ورفع منسوب التوتر. إذ إن الكلام هنا لا يكتفي بوصف الواقع، بل يتدخّل في بنيته، ويُعيد رسم خطوطه بدقّة محسوبة.

 حين يرتدي التبسيط ثوب التحليل

إذا أردنا توصيف هذا النمط بدقة؛ فنحن أمام خطاب يتبنّى عمليًا خصائص اليمين المتطرّف لا بالشعار، بل بالممارسة والبنية؛ تبسيط حادّ لواقع مركّب وإنتاج ثنائيات صدامية مغلقة وتحويل الجمهور من متلقٍ إلى طرف! هو لا يطلب الاصطفاف صراحة، إنما يعيد ترتيب العالم؛ حيث يصبح الاصطفاف نتيجة تلقائية  تبدو الصورة فيه واضحة ومقنعة؛ لكنها في حقيقتها مصمَّمة لتقود إلى اتجاه واحد، حيث يغيب التعقيد، وتُستبدل الحقيقة بالسردية.

كلما ارتفعت النبرة… تراجعت الحقيقة

اللغة المشحونة ليست دليل قوّة، بل غالبًا ما تكون مؤشرًا على نقص في الدقة . في علم الاتصال لا تُعدّ هذه العبارات أدوات تحليل، بل محفّزات وجدانية تدفع المتلقي إلى الاصطفاف بدل أن تفتح أمامه مساحات للفهم.. إذ كلما ارتفع الصوت  ضاقت مساحة التفكير، وكلما زادت الحدة تراجعت القدرة على قراءة الواقع بعمق، وهنا يتحوّل الخطاب من تفسير إلى توجيه غير مباشر للوعي.

ازدواجية لا تُفسَّر بالسهو

في السياق نفسه؛ يظهر الخطاب عينه داعيًا إلى "السلام" الكيان الغاصب، مع أن آثار المواجهة معه ما تزال حيّة في الداخل: قرى مدمّرة، ضحايا مدنيون، وذاكرة لم تلتئم....وهنا تبلغ المفارقة ذروتها، بين حدّة داخلية تُعيد إنتاج الانقسام وليونة خارجية تتجاوز واقع العدوان!

هذه ليست زلّة خطاب عابرة، هي انتقائية في تعريف العدو وتحديد الأولويات، فحين يُشدَّد في الداخل ويُخفَّف في الخارج، نكون أمام معيار مزدوج لا يفسَّر بالسهو ولا يُعذر بحسن النيَّة... بل يُقرأ بوصفه اختيارًا دلاليًا موجّهًا.

من إعلام يفسّر… إلى خطاب يعبّئ

الإعلام في جوهره مساحة لفهم التعقيد، لا منصة لتبسيطه حدّ التشويه! وظيفته أن يُبطئ الأحكام، وأن يفتح زوايا الرؤية بدل إغلاقها، وأن يقدّم المعطيات بدل استبدالها بالانفعال . لكن حين يتحوّل التكتيل إلى بديل عن التحليل، والتأطير إلى بديل عن الشرح، والانفعال إلى بديل عن الوقائع، فإننا لا نكون أمام إعلام، بل أمام بنية تعبئة ناعمة.

 حين يصبح الحياد تقنية اصطفاف

أخطر ما في هذا النمط أنه لا يعلن انحيازه، إنما يُتقنه! فالحياد هنا لا يُستخدم على أنه مسافة نقدية، هو قناع بلاغي يمرّر أكثر السرديات انحيازًا من دون أن تبدو كذلك في ظاهرها، هو حياد في النبرة وانحياز في البنية. يُخفض الصوت، لكنه يرفع حدّة التقسيم، ويُهدّئ اللغة، لكنه يعيد رسم خطوط التماس. وهنا تتحوّل المهنية من قيمة، إلى تقنية إخفاء يُدار من خلالها الانقسام بهدوء لا يقل أثرًا عن صخبه المباشر.

بين الفتنة وحرية التعبير..... حين تموَّه الحدود

وأخيراً، لبنان لا يحتاج إلى من يعيد رسم خطوط الانقسام، إنما إلى من يجرؤ على تفكيكها، حتى حين يكون ذلك أقل شعبية. ولا إلى خطاب يوزّع الأدوار الطائفية بمهارة، بل إلى خطاب يكشف آلية إنتاجها، ويعيد القيمة لتعقيد الواقع؛ لأن المشكلة لم تعد في الانقسام وحده، بل في اللغة التي تجعله يبدو قدرًا طبيعيًا! فبين إعلامٍ يهدّئ، وآخر يُتقن إشعال الحرائق بأناقة، قد لا يكون الفرق في النوايا، بل في الوعي بما تفعله الكلمات. وفي لبنان تحديدًا، لم تعد المشكلة في من يُشعل الفتنة، بل في من يُتقن تقديمها بوصفها رأيًا.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد