اوراق مختارة

أوريت برلوف: اقتلوا أطفال لبنان وإيران وغزة!

post-img

بول مخلوف/جريدة الأخبار

هل سمعتم بقصة الطفل كريم أبو نصار؟ الطفل الغزّي، ابن الثمانية عشر شهرًا، الذي انتشرت قصته في الأيام الماضية، حيث قام «جيش» الاحتلال الإسرائيلي بحرق جسده بالسجائر، وتعذيبه بالآلات الحادّة، للضغط على والده لكي يقدّم لهم اعترافات؟

قصةٌ أعادت إلى الواجهة صور الأطفال الغزيين التي كانت قبل توقف الإبادة (؟) تجوب الإنترنت، وحيث وجوههم المشوّهة ترسّخت في أذهاننا إلى حدّ تعطيل النوم. صار في إمكاننا اليوم، أن نفهم هذه الجريمة بشكل أعمق، الأدق قوله أن نشعر بها، على نحوٍ مختلف أقسى وأكثر قسوة.

في مصادفة لافتة، ظهرت قبل انتشار قصة كريم أبو نصار بيوم واحد، على إكس تغريدة لمجرمة إسرائيلية تدعى أوريت برلوف تعمل «أكاديمية»، تدعو فيها، بلا مواربة، إلى قتل الأطفال، أو بلغةٍ فجّة ودميمة، ما أسمته «ضرب الأبكار» في استحضار، بات مألوفًا، من النص التوراتي.

جاء في التغريدة التي عادت صاحبتها ومحتها بعد وقتٍ قليل من نشرها الآتي: «الرجاء استبدال النهج الحكومي بنهج ديني وحشي. بدلًا من ضربة محطات الكهرباء، ضربة الأبكار (وصية قتل الأبكار)، غدًا مساءً. لتصفية أطفال واحد، وأرجعي، وكليباف. لا نصل إلى الآباء لنضرب أطفالهم (استغرقنا عامين حتى نفعل ذلك في غزة، وفي لبنان لم نفعلها بعد).

هذه براءات اختراع دينية. لا عقلانية حكومية تعمل هكذا. بدلًا من مالك مستقر نحتاج إلى مالك وحشي. ترامب لا يستطيع أن يعدنا بجحيم فهذا بالضبط ما يريدونه. ضرب المنشآت الكهربائية سيكون غير مجدٍ (عكس المنتج). إذا استدرجونا إلى معركة استنزاف وألعاب بينغ بونغ، خسرنا».

كتب التوراة كدليل حرب

في البدء كان النص. هناك قصة في سفر الخروج وهو ثاني أسفار التوراة. حين هدّد الفرعون إرادة الله جاء «ضرب الأبكار» عقابًا جماعيًا. تلك القصة التي يُفترض أن تبقى أسيرة الفضاء المقدس، قرر قومٌ إعادة إنتاجها في التاريخ، بتعريفها على نحوٍ صريح كـ«براءة اختراع دينية» كما ورد في التغريدة، كأنّ الدين يُستنسخ في مختبرات الحروب.

تروي كتب التوراة وخصوصًا أعمال يهوشع إبادة مدن كاملة بأمر إلهي، وكثيرًا ما استحضر العقل الإسرائيلي هذه النصوص لتبرير تهجير السكان وتدمير قرى بأكملها. ما يحدُث اليوم، وما تريده برلوف أن يستمر في الحدوث، هو «ضرب أبكار» واحد، وأرجعي، وكليباف، أي أطفال غزة ولبنان وإيران. تريد صاحبة التغريدة أن تذبح إسرائيل أطفال الدول التي تقاتلها، من منطلق المؤمن الذي ينفذ مشيئة السماء... أن تتحول حكاية توراتية إلى ممارسة حديثة، فيغدو قتل الأطفال أداءً طقسيًا لمشيئةٍ مقدسة.

كلاب حراسة

على الأرجح، لم تدرك برلوف أن تغريدتها ستتحول وثيقة إدانة، اعترافًا صريحًا بقتل إسرائيل للأطفال واستعدادها لقتلهم. وربما سارعت إلى حذفها حين تنبّهت إلى هذا الانكشاف. لكن، مرة أخرى، ينبغي التذكير بأن برلوف، في بنيتها الفكرية، لا ترى في قتل الأطفال جريمة أصلًا، بل واجبًا مقدسًا.

وعليه، ارتأت الكاتبة والأكاديمية الإسرائيلية، ومن الأجدى وضع صفتيها بين مزدوجين، أن تخاطب حكومتها على منصة إكس، وأن تمد يدها لتقديم «النصيحة»، وهي وظيفة مرموقة تمتهنها نخب الأنظمة، أو ما سمّاه بول نيزان «كلاب الحراسة»، في سياق الحرب القائمة مع إيران ولبنان. غير أنّ إسرائيل لا تنتظر برلوف ولا نصائحها؛ فهي متشبعة سلفًا بهذه العقلية التي ترى في العقاب الجماعي واستهداف الأطفال ضربًا من «الابتكار».

تكشف تغريدة المجرمة الإسرائيلية حقيقة كامنة أكثر مما تقترح سياسةً جديدة. إنها لا تحفّز إسرائيل بقدر ما تفضحها، هي لا تخاطبها من الخارج بل تتكلم من داخل بنيتها العميقة. فالتغريدة، التي تتوّهم صاحبتها أن غرضها لهو تقديم النصيحة، هي مرآة تعكس «الذات» الإسرائيلية وتعرّيها. فـ«ضرب الأبكار» الذي تدعو إلى فعله وتستعجل عليه، والحقل الدلالي الكامل الذي استعملته في مفردات مثل «مالك وحشي» في مقابل «مالك مستقر» لهو توصيفٌ مكثف لإسرائيل وللعقلية المتوحشة التي تحكمها.

في الخطاب السياسي العبري، فإنّ المالك الوحشي هو كالعماليق، لا يعرف حدودًا ولا استقرارًا، يسعى إلى «جحيم» لا يبلغ قاعه ترامب، ذلك «الناعم» الذي يكتفي بضرب البنية التحتية لإيران. إنّ «المالك الوحشي» هو الذي ينجز الجحيم على نحو كامل، يحوّل الأطفال إلى قرابين، وينتج القداسة عبر الإبادة.

دعوة برلوف إلى «ضرب الأبكار» وكل ما ورد في حقلها المعجمي، تمثل دفعًا باللغة إلى أقصاها؛ إلى لحظة تنقلب فيها من وسيط إلى فعل، فاللغة هي الذات، وإسرائيل المتمثلة ببرلوف تنطق بالإبادة.

من العبث زج كتابة الأخيرة في خانة بلاغة أو اعتبارها بيانًا سياسيًا مشحونًا، هي كتابة تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالنص الإجرائي: نصّ يسنّ الجريمة، بل يأمر بتنفيذها. لذلك، لسنا إزاء لغة تتكئ على التشبيه أو التمهيد الرمزي، كما فعل نتنياهو حين وصف الفلسطينيين بالحيوانات تمهيدًا لاستباحة حياتهم، بل أمام إشهار فجّ ومباشر: «اقتلوا هؤلاء فورًا، هذا نداء الله وهذه مشيئته».

هكذا، يتحول قتل الأطفال عبر استدعاء مصطلحات من سفر الخروج إلى فعل مقدس، وتضفي الحكاية الدينية على الإبادة شرعيةً بل ترقّيها إلى مرتبة الواجب. مع الكاتبة الإسرائيلية، تعمل اللغة فعل الإبادة. تغدو اللغة أداة جريمة لا تواصل.

الشراهة على قتل الأطفال

الجديد في تغريدة المجرمة ليس توظيف النص الديني كأداة تعبئة إيديولوجية؛ إذ بتنا على يقين أنّ العامل الثقافوي حاضر في الحروب الإسرائيلية بقدر حضور المصلحة المادية. بل ما يثير الصدمة هو تعمّد قتل الأطفال واستهدافهم. إنها إيديولوجيا متوحشة لا تعترف بالضوابط.

ما يحدث أشبه بطقس ديني يتخذ من الحرب مسرحًا، والطقوس لا تعرف الرحمة أو التفاوض، بل تريد التضحية حتى تكتمل؛ أي إنها تريد ضحايا، والضحايا هنا هم الأطفال، الذين تستلهم مذابحهم من نصوص دينية، ويسقطون في مقبرة الحاضر كقرابين لإيديولوجيا متوحشة.

هل اعتبار أوريت برلوف مجرمة، ونقد النص التوراتي، ونقض توظيفه سياسيًا، يمكن أن يصنف كنوع من العداء للسامية؟ ألا يبدو قانون العداء للسامية، في وظيفته المعاصرة، يدور على تقديس إبادة الصهاينة والصمت وعدم مساءلة التوحش؟ وهل رفض إدانة قتل أطفال إيران ولبنان وغزة يصنّف كعداء للسامية؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد