غادة حب الله/جريدة الأخبار
توجد كتب صغيرة الحجم، لكنها هائلة الأثر في عمقها الداخلي. ويُعدّ «أوراق التنويم» (Feuillets d'Hypnose) واحدًا من هذه الكتب النادرة: عملٌ مكوَّن من شذرات وملاحظات قصيرة، وجُمل كثيفة تكاد تكون حجرية، كُتبت في لحظة استعجال وتحت وطأة العمل السري. في هذا النص، يدوّن رينيه شار، الذي كتب تحت اسم «الكابتن ألكسندر»، تجربةً تتجاوز بكثير حدود يوميات الحرب.
تأتي هذه «الأوراق» في عالمٍ مهدَّد بالمحو. لا وقت للسرد الطويل، ولا مجال للترف الأدبي، بل هناك الليل، والقرارات، وشبكات العمل السرّي. ومع ذلك، تنبثق حريةٌ من نوعٍ خاص: حرية التفكير. إنها حرية الساهر، لا حرية الاستعراض.
يحمل مفهوم «التنويم» في ذاته دلالة عميقة. فالتنويم ليس مجرد نوم، بل خطرٌ أخلاقي يتمثّل في الاستسلام، في الاعتياد، في تآكل الحسّ النقدي. الخطر لا يكمن فقط في الاعتقال أو القتل، بل في خفوت الوعي. من هنا، تتحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة «ضد تخدير الضمير».
في قلب هذه الشذرات، تبرز واقعة تختزل المأساة الأخلاقية لكل مقاومة حقيقية: إعدام الشاب روجيه برنار، أحد المقاومين، في حزيران 1944. كان شار شاهدًا، قادرًا على التدخّل، على إطلاق النار، على محاولة الإنقاذ. لكنه لم يفعل. لأن أي ردّ فعل فوري كان سيعرّض قريةً بأكملها وشبكةً سرّية كاملة للخطر.
تكشف هذه اللحظة حقيقة أساسية: المقاومة ليست مجرّد شجاعة، بل هي أيضًا مأساة الاختيار. إنها مسؤولية ثقيلة، وحساب مؤلم بين حياة هنا وحيوات هناك. يتحوّل العجز إلى جرح لا يندمل، وتبقى الذاكرة شاهدة على هذا الثقل.
من هنا، تتفكّك الصورة السهلة عن «البطل». لا يصنع شار أساطير، بل يكشف عزلة صاحب القرار، وثقل الضمير، وحتى بقايا الشعور بالذنب، رغم صحة القرار. الدرس الأول في هذا العمل هو إذًا الانضباط في وضوح الرؤية: رفض البطولة المريحة، ورفض السرديات التي تُبَسِّط.
أمّا الدرس الثاني، فهو أخلاق الحدود. تفرض المقاومة أحيانًا الحسم، والضرب، واتخاذ القرار في لحظات ضيقة. لكن الضرورة لا تعني الانفلات. يرفض شار أن تتحوّل الفعالية إلى ذريعة، أو أن تُبرَّر العنفية بكلمات سهلة. هنا يلتقي مع ألبير كامو في الدفاع عن «القياس» كخطّ أخلاقي.
المقاومة، في هذا المعنى، ليست فقط مواجهة مع عدو خارجي، بل صراع داخلي ضد التحوّل إلى صورة العدو ذاته.
أمّا الدرس الثالث، فهو الأخوّة. لا أخوّة الشعارات، بل أخوّة الأسماء والوجوه. روجيه برنار ليس رمزًا مجردًا، بل إنسان: زوج، أب، وشاعر. إعادة الاعتبار للاسم، وحفظ الأثر، هو بحدّ ذاته مقاومة ضد النسيان؛ فالحرب تسعى دائمًا إلى تحويل الأفراد إلى كتلٍ مجهولة. والمقاومة الحقيقية هي إعادة الإنسان إلى فرادته.
يطرح هذا العمل فكرةً بالغة الأهمية في زمننا: الكلمة كفعل مقاومة. لا يكتب شار إلى جانب القتال، بل يكتب ليحيا. الكتابة هنا بمثابة مصباح في العتمة، تمنع اللغة من الانهيار، وتحفظ مساحةً داخلية لا يمكن إخضاعها.
غير أنّ قراءة المقاومة في السياق المعاصر، خصوصًا في إيران ولبنان، تكشف انتقالًا نوعيًا: من يقظة فردية كما عند شار، إلى منظومة جماعية منضبطة عقائديًا وأخلاقيًا.
في هذين النموذجين، لا تُبنى المقاومة على ردّ الفعل أو الانفعال، بل على إطار فكري وأخلاقي يضبط السلوك. فالإيمان بالشهادة لا يتحوّل إلى اندفاع غير محسوب، بل إلى عنصر انضباط، يفرض التروي ويمنع الانزلاق.
في إيران، تتداخل المقاومة مع البنية الاجتماعية والسياسية، لتصبح جزءًا من تصوّر شامل للسيادة. إنها مقاومة طويلة النفس، تُعيد تعريف الصبر كأداة قوة، لا كعلامة ضعف.
أمّا في لبنان، فتتجلى هذه الفكرة بوضوح أكبر في الممارسة الميدانية. فقد أظهرت التجربة الأخيرة نموذجًا لافتًا لضبط النفس، حيث التزمت المقاومة، رغم الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، الصمت لفترة طويلة، و«عضّت على الجرح»، رافضة الانجرار إلى ردود فعل آنية.
لم يكن هذا السلوك انسحابًا، بل كان تعبيرًا عن فهم مركّب:
استراتيجيًا، لتفادي توسيع المواجهة. وأخلاقيًا، للحفاظ على توازن الفعل وعدم الانزلاق إلى الفوضى. حتى في ظل وجود اتفاق لوقف الأعمال العدائية ضمن إطار أممي، استمر هذا الالتزام، في محاولة واضحة لإعطاء المجال للدولة كي تتحرّك دبلوماسيًا، ما يعكس وعيًا دقيقًا للعلاقة بين المقاومة والسيادة.
في هذا السياق، لا يمكن فهم هذا السلوك فقط ضمن مفهوم «الصبر الاستراتيجي» بالمعنى التقليدي. فالصبر هنا ليس مجرّد تأجيل للفعل، بل جزء من أخلاقيات الفعل نفسه.
هنا يبرز الفارق الجوهري: مقاومة تتحرّك بردّ الفعل ومقاومة تضبط نفسها حتى في لحظة الألم. إذا كانت تجربة رينيه شار قد كشفت عن مقاومة تُبقي الجرح الأخلاقي مفتوحًا كضمانة ضد الانحراف، فإن النموذجين الإيراني واللبناني يقدّمان مقاومة تُحوّل هذا الوعي إلى بنية جماعية منضبطة.
مقاومة تؤمن بالتضحية، لكنها لا تقدّس التهوّر. تعرف متى تقاتل، لكنها تعرف أيضًا متى تصمت. وتدرك أن الحفاظ على المعنى لا يقلّ أهمية عن تحقيق النصر. بهذا المعنى، لا تعود المقاومة مجرّد فعل عسكري، بل تصبح شكلًا من أشكال السيادة الشعبية الواعية، التي لا تُقاس فقط بما تحقّقه، بل أيضًا بما تمتنع عنه.