اوراق مختارة

استثمار موقعه لإنعاش منصته «تروث سوشال»: العمّ ترامب «يُبَزنس» على ظهر الدولة!

post-img

علي سرور/جريدة الأخبار

منذ عودته إلى البيت الأبيض، بات واضحًا أنّ متابعة مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تعد مرتبطة بالمسارات التقليدية عبر بيانات رسمية أو خطب متلفزة، بل تتطلّب متابعة حسابه على منصة «تروث سوشال» التي تحوّلت عمليًا إلى قناة رئيسية لإعلانات سياسية وتصريحات ذات أثر دولي، لا سيّما مغامراته العسكرية المتواصلة. كما وصل الأمر بحساب البيت الأبيض الرسمي على مواقع التواصل الاجتماعي، بإعلان اعتماد منشورات ترامب على المنصّة اليمينيّة بمثابة إخطار رسمي من الرئاسة الأميركية.

في هذا الإطار، حرص ترامب على إظهار حسابه على «تروث سوشال» كمصدر للقرارات العالمية المصيرية لجذب المستخدمين حول العالم. وتوّج هذا المسار خلال العدوان على إيران في حزيران (يونيو) العام الماضي. بينما ضجّ الناشطون على منصّات التواصل بترند «الحرب العالميّة الثالثة» الذي يعكس مخاوف تدحرج الحرب، خرج الرئيس الأميركي بمنشور على المنصّة المحافظة ليعلن انتهاء الحرب.

الأمر ذاته اتبعه عند إعلان وقف حربه على اليمن، كما في حالة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. لمَ كل هذا التركيز على إجبار الجمهور على الهجرة نحو هذه المنصّة تحديدًا؟ إذا عُرف السبب بطل العجب، إذ يمتلك الرئيس الأميركي غالبية الأسهم في «تروث سوشال» التي تساوي مليارات الدولارات. فهل فعلًا يستثمر «قائد العالم الحرّ» منصبه ودماء جنوده والحروب وزعزعة الاقتصادات العالمية في سياق التسويق لمنصّته وزيادة قيمتها السوقيّة؟

من حظر «تويتر» إلى منصة خاصة

أظهر الرئيس الجمهوري حماسة مفرطة تجاه النشر على منصّات التواصل، وكيف لا وهو المشهور بميوله الاستعراضية، حيث خاض «تجارب» في بعض الأفلام والمسلسلات، إضافة إلى مشاركته في إحدى ليالي المصارعة الحرّة التمثيلية (WWE).

أمّا بالنسبة إلى «تروث سوشال»، فبدأت القصة في كانون الثاني (يناير) 2021 عندما حُجب حساب ترامب على «تويتر» («إكس» لاحقًا) بعد اقتحام مناصريه مبنى الكابيتول في واشنطن إثر رفضه الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية وخسارته أمام الرئيس السابق جو بايدن. واعتبرت المنصة حينها أن خطابه التحريضي أسهم في تأجيج العنف، ما أدّى إلى إغلاق حسابه آنذاك إلى جانب حظره على منصات أخرى مثل فايسبوك.

شكّل هذا الحظر نقطة تحوّل في استراتيجية ترامب الإعلامية وإشباع هوسه الاستعراضي. بدل الاكتفاء بالعودة لاحقًا إلى المنصات الكبرى، اتجه إلى إنشاء منصة خاصة به. وفي شباط (فبراير) 2022، أُطلقت «تروث سوشال» رسميًا على متجر «آب ستور» كبديل يقدّمه ترامب لأنصاره، بعد نحو عام من حظره على شبكات التواصل الكبرى.

جاءت المنصة التي تملكها شركة «ترامب ميديا آند تكنولوجي غروب» مستوحاة في تصميمها ووظيفتها من تويتر، وتركّز على جمهور المحافظين المؤيدين لترامب، الذي كان من أكثر السياسيين اعتمادًا على وسائل التواصل للاحتكاك المباشر مع الجمهور وإعلان مواقف سياسية مفاجئة.

بالتوازي، دفع ترامب حليفه، الرجل الأغنى في العالم والمتبرّع الأكبر في حملته الانتخابية الأخيرة، إيلون ماسك، إلى شراء تويتر مهما كلّف الأمر. بالفعل قدّم ماسك عرضًا مستعجلًا للاستحواذ على المنصّة بقيمة 44 مليار دولار أميركي، رغم علمه بأنّ قيمتها أقلّ من ذلك بكثير، وهو ما اعترف به لاحقًا حين أقرّ أنّ القيمة الحقيقية لم تكن تتجاوز 20 مليار دولار. وبحلول تشرين الأوّل (أكتوبر) 2022، استطاع اليمين الأميركي بسط جناحيه على المنصّة، فأزيل الحظر عن حساب ترامب سريعًا.

منبر سياسي

بعد استلام ترامب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة العام الماضي، سرعان ما تحوّل شهر العسل اليميني بينه وبين ماسك إلى علاقة سامّة تشمل تراشق التغريدات «الفضائحية»، وصلت إلى حدّ اتهام مالك منصّة إكس الرئيس بحجب ملفات إبستين بسبب ضلوعه فيها. رغم هدوء حدّة الاشتباك بين الرجلين، غادر ترامب منصّة إكس وانحصر نشاط صفحته عليها خلال الآونة الأخيرة بإعادة نشر منشورات حساب البيت الأبيض الرسمي.

على المقلب الآخر، تحوّلت منصّة «تروث سوشال» إلى ما يشبه المنبر الإعلامي للرئيس الأميركي حيث يعلن عبرها مواقف سياسية مهمّة تتعلق بملفات دولية وأزمات جيوسياسية، من العلاقات مع روسيا إلى الحروب في شتّى أصقاع الأرض والقرارات الاقتصادية.

بات كثير من المتابعين، بمن فيهم صحافيون ومسؤولون، يتجهون مباشرة إلى المنصة لمعرفة توجهات الرئيس ومواقفه الرسمية أو شبه الرسمية. هذا الدور ليس جديدًا في أسلوب ترامب السياسي، فقد استخدم تويتر سابقًا لإعلان قرارات حكومية أو تغييرات في إدارته، ما أثار جدلًا حول اعتماد وسائل التواصل كقناة رسمية للسياسة. لكن الفارق اليوم أنّ المنصة التي يستخدمها مملوكة لشركة يرتبط بها ماليًا، مما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول تضارب المصالح.

شركة صغيرة بقيمة سوقية ضخمة

على الصعيد المالي، تظهر البيانات التي نشرها موقع «فوربس» أنّ «تروث سوشال» لا تزال منصةً محدودة الإيرادات مقارنة بقيمتها السوقية أو تأثيرها السياسي. فقد سجّلت الشركة المالكة للمنصة خسارة صافية بحوالى 700 مليون دولار في 2025 بعد تحقيقها إيرادات متواضعة بقيمة 3.6 ملايين دولار فقط.

رغم انخفاض الإيرادات، حظيت «ترامب ميديا آند تكنولوجي غروب» في البداية بتقييم مرتفع، لكنها واجهت تقلبات وانخفاضات كبيرة في سعر السهم مقارنة بأعلى مستوى له. كما أبدى مدققو الحسابات المستقلون شكوكًا حول قدرة الشركة على مواصلة نشاطها بسبب الخسائر.

رغم جهود ترامب المضنية، تتمتّع المنصة بقاعدة مستخدمين نشطين صغيرة نسبيًّا، مقارنة بمنافسيها من شبكات التواصل السائدة، تُقدّر بحوالى 6 ملايين مستخدم وفق موقع «سيرتش لوجيستكس» المختصّ. من الناحية المالية، يُعد مشروع «تروث سوشال» كأحد أكثر المشاريع التجارية غرابةً في الولايات المتحدة، إذ لم يحقّق مبيعات حقيقية في الوقت الذي تكبّد فيه خسارة صافية بمئات ملايين الدولارات. ورغم خسارة أكثر من مليار دولار من قيمتها العام الماضي، لا تزال الشركة تساوي حوالى 2.34 مليار دولار وفق سعر الأسهم المتداولة حاليًا، من بينها حصّة ترامب التي تُقدّر بـ 65 في المئة، أي 1.5 مليار دولار.

تعويم المنصّة من المفارقات أنّ ترامب لا يزال يمتلك جمهورًا ضخمًا على منصة إكس يصل إلى عشرات الملايين من المتابعين، في حين أنّ عدد متابعيه على «تروث سوشال» أقل بكثير لكنه في ازدياد منذ عودته إلى الحكم.

تظهر هذه المفارقة أنّ المنصة الخاصة لا تهدف فقط إلى الوصول الجماهيري، بل أيضًا إلى امتلاك قناة اتصال مباشرة وغير خاضعة لإدارة شركات التكنولوجيا الكبرى.

كما إنّ رسائل ترامب على «تروث سوشال» يُعاد نشرها لاحقًا على منصات أخرى، ما يجعل المنصة بمثابة المصدر الأولي للرسالة السياسية قبل انتشارها في الفضاء الإعلامي الأوسع. لا تقتصر طموحات الشركة المالكة للمنصة على التواصل الاجتماعي فقط. إذ تعمل على التوسع نحو خدمات مالية واستثمارية، وهو مجال قد يخضع لرقابة تنظيمية أكبر في الولايات المتحدة.

يشير محللون إلى أنّ هذا التوسع قد يثير تساؤلات إضافية حول تضارب المصالح، خصوصًا إذا كانت قرارات حكومية قد تؤثر على القطاع الذي تسعى الشركة إلى دخوله. كما ظهرت خطط لإعادة هيكلة نشاط الشركة أو فصل بعض أعمالها في شركات مستقلة، في محاولة لتعزيز قيمتها أو توسيع نشاطها الاقتصادي.

تداخل السلطة والمال

في هذا الإطار أيضًا، لا تتعلّق الانتقادات الموجهة إلى استخدام ترامب المكثف لمنصّته الخاصة بالسياسة الإعلامية، بل أيضًا بالبنية الأخلاقية للعمل السياسي. فقد وصف تقرير أعدّته صحيفة «نيويورك تايمز» نقلًا عن خبراء في أخلاقيات الحكم، أنّهم يرون أن الجمع بين المنصب العام والملكية المباشرة لمنصة إعلامية قد يخلق وضعًا غير مسبوق في السياسة الأميركية الحديثة.

يحذر بعض الباحثين من أنّ امتلاك منصة إعلامية خاصة أثناء ممارسة السلطة قد يفتح الباب أمام محاولات تأثير غير مباشرة، مثل شراء إعلانات أو أسهم بهدف التقرب من الإدارة أو التأثير على قراراتها. كما يرى آخرون أنّ ظهور الإعلانات السياسية والقرارات الحكومية عبر منصة خاصة بدل القنوات الرسمية يضعف التقاليد المؤسسية التي كانت تفصل بين النشاط الحكومي والمصالح التجارية.

سمسار رئاسي

الجدل الحقيقي هنا يتجاوز مجرد منصة اجتماعية. فالمسألة تتعلّق بطبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والاقتصاد الرقمي. في الحالات التقليدية، تستخدم الحكومات منصات لا تملكها بشكل مباشر، بينما يمثل نموذج «تروث سوشال» حالة مختلفة حيث يستفيد مالك المنصة من زيادة النشاط عليها سياسيًا وإعلاميًا. ويشير خبراء في الحوكمة إلى أنّ أفضل الممارسات في الديمقراطيات الحديثة تقضي بالفصل الواضح بين القنوات الرسمية للدولة والمنصات الخاصة التي قد تحقق أرباحًا لصاحب المنصب. أمّا ترامب، فهو «يُغرّد على ليلاه».

رغم «طيشانه» السياسي والأخلاقي الواضح خلال الولاية الأولى، إلّا أنّه تفوّق على نفسه خلال عام فقط من ولايته الثانية. وكما ضرب عرض الحائط معظم الشرائع والمواثيق الدولية، وشنّ حروبًا واختطف رئيس دولة، حتّى أنّ حلفاءه لم يسلموا من نزواته، فكيف ببعض المسلّمات القانونيّة أن تقف حجرة عثرة في طريق إنعاش منصّته من موتها السريري؟

أمام فشل «تروث سوشال» في جذب المستخدمين، ومسارها المالي المتدهور، استنفر الرئيس الأميركي محرّكاته لإنقاذها، خصوصًا أنه يعتدّ بخلفيّته كرجل أعمال «ناجح». فهل فعلًا يلجأ ترامب إلى استخدام سلطته في الموقع الأهمّ عالميًّا، والأحداث السياسية التي تتضمّن إعلانات مصيريّة كإعلان حروب، لتحقيق مصالح جانبية شخصية مربحة؟

الجواب يأتي من تقرير حديث لموقع «فوربس» يُظهر انحدار ثروة ترامب لتصل إلى 2.3 مليار دولار في 2024 عشيّة الانتخابات الرئاسية، لتقفز فجأة في العام التالي إلى 5.1 مليارات للمرة الأولى في تاريخه وتواكب صعودها لتصل إلى 6.5 مليارات دولار في 2026. فهل وصوله إلى البيت الأبيض كان تعويذة سحرية أسهمت في ازدهار أعماله، أم أنّ للمكتب البيضاوي منافعَ استثماريّة لا يستحي «الملك» الأميركي في استغلالها؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد