ريم الهاني/جريدة الأخبار
على الرغم من زعم المسؤولين الأميركيين، وعلى رأسهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، أن الأهداف العسكرية للولايات المتحدة من الحرب على إيران قد «تحقّقت»، فإن العديد من المراقبين يرون أن جلّ ما فعله دونالد ترامب، حاليًا، هو إيجاد «المخرج» الذي كان يبحث عنه طوال الأسابيع الماضية، من حرب اتّضح أنها لا تُخاض وتكسب بـ«حملة ترهيب» على وسائل التواصل الاجتماعي وسيل من التغريدات «العنيفة».
في السياق، ورد في تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» أنه فيما يقول المسؤولون الأميركيون إنهم «حققوا أهدافهم العسكرية»، بما في ذلك ضمان «عدم تمكّن إيران أبدًا من الحصول على سلاح نووي»، فإن الأخيرة تحتفظ بإمداداتها من اليورانيوم المخصّب، وهي لم توافق على تسليمه. ويشير التقرير إلى أن فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحًا أصلًا قبل أن تهاجم الولايات المتحدة وإسرائيل، إيران، في 28 شباط، يتمّ تصويره على أنه «انتصار»، فيما لم يعُد البيت الأبيض يناقش مطالب ترامب السابقة بـ«الاستسلام غير المشروط» والإطاحة بالحكومة الإيرانية.
تنقل الصحيفة عن جو كينت، مستشار ترامب لمكافحة الإرهاب الذي استقال الشهر الماضي احتجاجًا على الحرب، قوله في مقطع فيديو عبر الإنترنت بعد إعلان ترامب عن الهدنة فجر الأربعاء، إنه «ما من حلّ عسكري للصراع في الوقت الحالي»، وإن «كلّ إجراء قمنا به عسكريًا لم يؤدّ إلا إلى تقوية النظام، وقد ساهم كثيرًا في زعزعة استقرار المنطقة بأكملها». وبالإضافة إلى انتقادات المؤيدين الذين قالوا إنهم صوّتوا ضدّ الحروب الجديدة، واجه ترامب ردّ فعل عنيفًا من صقور الحرب. ومن بين هؤلاء، إريك إريكسون، المذيع الإذاعي المحافظ، الذي أكّد أن الرئيس «لم يكن لديه الكثير ليثبته عبر سياسته المتهورة»، وأنه، ومن خلال «تغريداته الغريبة التي لا تحترم كرامة زعيم العالم الحر على الإطلاق، وافق على وقف إطلاق نار لمدّة أسبوعين مع إيران، مما يعني أن أمام الأخيرة أسبوعين للحصول على الأسلحة والإمدادات من روسيا والصين، ووضع بعض البطاريات المضادّة للطائرات، والاستعداد للجولة الثانية».
بالتوازي مع الإعلان عن الهدنة، كانت نسبة تأييد ترامب قد انخفضت إلى أقلّ من 40%، في أدنى مستوى لها خلال رئاسته الثانية. وأظهر الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة «Issues & Insights/Tipp Poll»، في الفترة ما بين 31 آذار و2 نيسان، أن 39% من المشاركين ينظرون إلى ترامب بشكل إيجابي، و53% لديهم رأي سلبي، فيما 8% «غير متأكدين».
ترى مجلة «تايم» الأميركية أن قرار ساكن البيت الأبيض التراجع عن تهديده يعكس نمطًا مألوفًا في رئاسته: إصدار تهديدات متطرفة، ثم إعادة تقييمها مع تزايد التركيز على مخاطر تنفيذها، جنبًا إلى جنب الضغوط «المتناقضة» التي تمارَس على البيت الأبيض الذي أمضى أسابيع يقترب من حرب أوسع نطاقًا بينما يبحث عن طريقة للخروج منها. وكانت المجلّة نفسها ذكرت في وقت سابق أن ترامب أصبح حريصًا، بشكل متزايد، على إيجاد «مخرج». وبحسب ما نقلته صحيفة «فاينانشال تايمز»، بدورها، عن مسؤول أميركي سابق مطلع على المحادثات، فإن الولايات المتحدة كانت «تضغط بقوة» من أجل التوصّل إلى اتفاق مؤقت مع إيران، يسمح لترامب بتأخير الهجوم الذي هدّد به مقابل السماح باستئناف حركة المرور عبر مضيق هرمز.
إذ تعتبر صحيفة «نيويورك تايمز»، من جهتها، أن خطوة ترامب قد تمثل «انتصارًا تكتيكيًا حقيقيًا»، من شأنه أن يعيد، ولو مؤقتًا، تدفق النفط والأسمدة والهيليوم عبر مضيق هرمز، وأن يهدئ الأسواق التي كانت على وشك أن تؤدي أوضاعها إلى ركود عالمي، فهي تعتقد أن ذلك لم «لم يحلّ أيًّا من القضايا الأساسية التي أدت إلى الحرب». إذ إن هذه الهدنة تترك «حكومة ثيوقراطية، مدعومة من الحرس الثوري الإسلامي الشرير، مسؤولة عن السكان الخائفين الذين تعرضوا للقصف بالصواريخ والقنابل». كما تترك «المخزون النووي الإيراني قائمًا، بما في ذلك 970 رطلًا من المواد القريبة من صنع القنبلة والتي كانت، من الناحية النظرية، سببًا للحرب».
يُضاف إلى ذلك، أن هدنة ترامب تركت، طبقًا للمصدر نفسه، حلفاءه في الخليج في حالة من الذهول، في وقت يبدو فيه من الواضح أن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قادرة على تدمير ناطحات السحاب الزجاجية في دبي ومحطّات تحلية المياه في الكويت. أيضًا، يمثّل ارتفاع أسعار الغاز، اختبارًا لوعد ترامب بأن هذه الأسعار ستنخفض مرّة أخرى إلى مستوياتها القديمة بـ«مجرّد توقف القتال».
إلى ذلك، تسبّبت خطوة ترامب في انقسام قاعدته الشعبية؛ إذ يتّهمه أنصاره السابقون والموالون له، بدءًا بنائب الرئيس جي دي فانس، بانتهاك وعده إياهم بعدم ربط الولايات المتحدة بحروب «لا يمكن الفوز بها في الشرق الأوسط»، وهو ما ضاعفته قدرة إيران على استيعاب 13 ألف ضربة، والاستمرار في شنّ حرب «غير متكافئة مثيرة للإعجاب»، وخنق إمدادات النفط وإرسال جيشها السيبراني لمهاجمة البنية التحتية الأميركية.
من جهته، يؤكد ريتشارد فونتين، الرئيس التنفيذي لـ«مركز الأمن الأميركي الجديد»، في حديث إلى «نيويورك تايمز»، أن إيران «لا تزال تسيطر على المضيق، وهو ما لم يكن عليه الحال قبل الحرب»، متابعًا: «أجد صعوبة في تصديق أن الولايات المتحدة والعالم يمكن أن يقبلا وضعًا تظل فيه إيران مسيطرة على نقطة تفتيش رئيسة للطاقة إلى أجل غير مسمى. وستكون تلك نتيجة أسوأ ماديًا مما كانت عليه قبل الحرب». ويتساءل فونتين: «هل نظرت إلى خطّة إيران؟ هي تبدو أشبه بقائمة أمنيات ما قبل الحرب، والتي تدعو إلى الاعتراف العالمي بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، وإزالة جميع القوات الأميركية من المنطقة، ورفع العقوبات الاقتصادية، جنبًا إلى جنب دفع تعويضات لطهران عن الأضرار التي سببتها الحرب»، علمًا أن إيران كانت تتعرّض للعقوبات «والتخريب» منذ أكثر من 20 عامًا، ما يجعل التحدي الذي يواجهه ترامب يتمثّل في إظهار أن الحرب تحقّق نتائج أفضل، وهو «ما لن يكون سهلًا».
في حال فشلت الولايات المتحدة في إخراج 970 رطلًا من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة من البلاد، إلى جانب كميات أكبر بكثير من الوقود النووي الأقلّ تخصيبًا، فإن ترامب يكون قد أنجز في حرب «المليار دولار يوميًا» أقلّ مما أنجزه باراك أوباما قبل 11 عامًا، وهو ما ينسحب أيضًا على الفشل في التوصل إلى اتفاق يجبر طهران على الحدّ من «حجم ترسانتها المدمّرة من الصواريخ، أو المسافة التي يمكن أن تقطعها».
يذكّر التقرير بأنه منذ ما يزيد قليلًا على خمسة أسابيع، كان ترامب يحثّ الشعب الإيراني على الانتفاض والإطاحة بحكومته، إلا أنه الآن يتعامل مع تلك الحكومة، فيما كرّر، الثلاثاء، ادعاءه أن «المرشد الأعلى الجديد هو جزء من جيل من القادة المختلفين والأكثر ذكاءً والأقلّ تطرفًا»، وسط تشكيك من جانب وكالات الاستخبارات الأميركية. وطبقًا لفونتين، وعلى الرغم من أن وقف إطلاق النار قد ينجح، إلا أن هناك احتمالًا بأن «ينتهي الأمر بالولايات المتحدة والعالم في وضع أسوأ مما كان عليه عندما بدأت الحرب».
طبقًا لما أوردته شبكة «بي بي سي» البريطانية، تعقيبًا على الهدنة، فحتى لو أدى وقف إطلاق النار لمدّة أسبوعين إلى سلام دائم، فإن الحرب الإيرانية، وكلمات ترامب الأخيرة التي سبقت انتهاءها، وتحديدًا في ما يتعلّق بـ«محو الحضارة الإيرانية»، قد غيّرت، على الأرجح، بشكل جذري، الطريقة التي تنظر بها بقية العالم إلى الولايات المتحدة. وتضيف الشبكة أنه حتى لو فتحت إيران «هرمز» بالكامل، ومن دون فرض أيّ شروط على رسوم المرور أو المدفوعات الأخرى، فإن قدرتها على السيطرة على نقطة الاختناق الجيوسياسية الرئيسة أصبحت أكثر وضوحًا الآن من أيّ وقت مضى.