الشيخ جواد عبد الحميد عمّار/ متخصص في الدراسات الإسلامية
في زمن يقشّعر له الأبدان لثقافات تدّعي إسلاميّة المنهج؛ هي في واقع الأمر ذليلةً طواحّةً لوّاحةً نوّاحة. لقد ثبتْ لنا، وبالدليل القاطع، أنّ الحضارة الغربيّة وصلت الى أعلى أنواع التطوّر والتقدّم التكنولوجي الظاهر منه والباطن والواضح منه والغامض؛ ولكنّها في المقابل وصلتْ الى أعلى مستويات المبادئ والقيم المزيفة وأعلى قِمم القباحة والدناءة والخُبث والسّفالة والتفاهة.
آن الأوان لنفضح حقيقة الحضارة الغربيّة المزيفة، من أوروبا إلى أميركا وصولًا إلى الكيان المؤقت الذليل البائس اليائس، فهو عقيمٌ منذ ولادته وغير مُنتج، فلا يلدُ سوى الخراب والغطرسة، ويتغذّى على دماء النساء والأطفال الأبرياء العُزّل.
"ابن الأرض إرهابي والمحتل شريف، ابن الأرض أسير والمحتل محرر، ابن الأرض خارج عن القانون والمحتل قانوني، ابن الأرض معتدٍ والمحتل له حق الرد..".. ببساطة هذه هي معادلة الأشقياء، هذه هي أطروحة السّفهاء، هذه هي رسالةُ التافهين، هذه هي ثقافة المنبطحين الأذلاء.
خرج علينا الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريحٍ ملعون؛ يتحدث فيه عن الملك السعودي بن سلمان بتقبيلٍ ذليل، يختصر فيه زيف الحضارة التكنولوجيّة طامسًا خلفه الشكوك كلها حيال شرف العفيفة المخلوعة، فلقد خلع ترامب الستار وأزال "لباس التقوى" لنرى شيئًا زهيدًا عن عُهر الحضارة الغربية الأميركية.
ما عاد يخفى على أحدٍ أنّ ثقافة التقبيل الذليل منشؤها ثقافة الشذوذ الجنسي ورأسماليّة الأنا والغطرسة الفجّة؛ وحقوق الإنسان الخاضع كلها ندُوب قديمة مشؤمة ظهرت على شاكلة جزيرة أبستينيّة حقيرة وكيان لقيّط مغمّس بلقمة الحضارة الدمويّة التي أكلتْ وعربدتْ وسفكتْ واغتصبتْ، وخفايا لا يعلمها إلا أبستين وترامب والأمن القومي الوطني السفيه؛ وبعض أمراء العرب المُستحمرين.
ليخرج "داعية" سلفي وهابي يسوّغ ثقافة تقبيل المؤخرات إذا كانت تصبُّ في مصلحة الأمة، فيقول صريحًا متجاهرًا بجرأةٍ حمقاء وسفاهة بلهاء :"..فإنّ من واجب المسلم أن ينظر من جهةٍ شرعية لا من جهة العاطفة والانفعال؛ فلنفترض أن بعض التصرفات فيها مذلة؛ ولكنه يحقق حفظ البلاد والعباد...فإن هذا من باب ارتكاب أخف الضررين..."..! يذكّرني هذا الموقف بأشباه الرجال الذين كانوا يقدّمون نساءهم قربانًا لجهادٍ مُبتدع؛ سُميّ آنذاك بـــ"جهاد النكاح"؛ لأنّ رضى الأمير العاهر مقدمٌ على الشرف؛ ليقوم العاهر الأمير باغتصابها تحت مسمى الدين والمصلحة الإسلامية الداعشية..!
كي لا نذهب بعيدًا؛ "إسرائيل" الشيطان الأصغر هي الوجه الميداني لأميركا الشيطان الأكبر؛ فهي التي تعطيها الضوء الأخضر في الخفاء وتتنصّل من إجرامها في العلن، مسرحية محروقة يصدّقها الأبله، ويروّج لها كل من دخل في حيّز ثقافة التقبيل الذليل. وكلّ من يقول لأميركا "نعم" تلزمه على أن يعترف بربوبيّتها، وملزم أن يرسخ جزءًا من أموال شعبه لخدمة استكبارها؛ وشيئًا من أرضه وسمائه، وعليه أن يستعدَّ للألم إذا تنصّل عن التجنيد الأمريكي الإجباري.
كما تلزمه، وبدفع مسبق، أن يدخلَ ضمن حيّز ثقافة التقبيل الذليل؛ فعليه الطاعة والتقبيل والتعويض والرقص على جراح الأطفال؛ وتسويغ آلة القتل الصهيونيّة إذا لزم الأمر عبر إعلامه المأجور.
ثقافة التقبيل الذليل، في وجهها السطحي، هي شتيمة يريد بها "ترنّدًا" أو انفعالًا ناتجًا عن أثر الخسارة التي ألحقته بها الجمهورية الإسلامية؛ لكنّها بمعناها العميق تعني كثيرًا من الحقائق الجارحة لكل متمسّك بالقيم الغربيّة الزائلة الرذيلة. ثقافةُ تقبيل المؤخرات تعني أنك دُمية في يديّ؛ حاشيتك كلها لي، أنت وكيلٌ عني، أموالك كلها لي، أنت ذليلٌ لي، لا كرامة لك، لا حضارة لك، وكلامي فوق كلام ربّك وإسلامك وكعبتك وقُرآنك..!
أميركا، والتي تتغنّى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، هي أبعد ما تكون عن الإنسانية، لقد= أصبحت كابوسًا قذرًا يعيشه شعوب العالم، يُترجم بقواعد أمريكيّة تفرضها تحت عنوان الحماية والوصاية والرقابة، لكنها في واقع الحال جُل هدفها سرقة الشّعوب وضمان استمرارية استبدادها وتسلطها وفجورها.
هذه الفاجرة أميركا ترتدي لباس الصلاة المحتشم، فهي قريبة من النفاق أكثر من أي وقتٍ مضى؛ فهذا المواطن اللبناني الذي يقطن على أرضها وتصونه وتحتويه وتحميه، ويدفع لها الضرائب راغبًا بحمايتها وأمنها، تحولّهم مجانًا لــ"إسرائيل" لتدمّر له بيته وأرضه وتهتك عرضه في جنوب لبنان، وتقتل أهله وذويه، مؤيّدة للفكر الهَمجي الصهيوني الاستيطاني.
لا مشكلة مع أميركا أن تصلي وتصوم وتطوف وتمارس طقوسك كلها، ولكن عليك أن تقبل بسياساتها المتعجرفة وإرهابها المتغطرس الذي لا يمت للإنسانيّة بصلة. أميركا تريد العالم كله تحت جناحيها، لا بل تحت أقدامها؛ تريد إيران الشاهنشاه محمد رضا بهلوي العميل الخاضع حتى لو كان شيعيًّا، أميركا تريد أدوات يُقبّلونها متى شاءت في المكان والزمان الذي تختاره. ملك إيران، قبل انتصار الثورة الإسلامية، كان ينال رضى أميركا مع أنه شيعي، أما إيران الخميني الشيعي المستقل عن نفاقهم لن ترضى عنه حتى يتبع ملتها.
.jpg)
ستوجه يدها الملعونة وأوامرها الخبيثة لتشويه صورته، فأدخلت العراق الشيعية بقيادة صدام بحرب مفروضة لاستنزاف الجمهورية الإسلامية الشيعية وسحقها، فخرجوا منها ملوّثين بالخزي والعار.
كل من يقول لأميركا "لا" يخرج من دائرة التقبيل الذليل ليدخل في حيز المهدور دمه؛ ليستعدّ للبلاء والقهر والحصار والضغط والقصف؛ تحت مسمّى السّلام، فكلُّ من يقف في طريقها يصبح دمه مباحًا، ويلقي نفسه في هلاكٍ دائم ما دامت أميركا تُنصّب نفسها فرعون العصر. إذ لم نرَ أحدًا يريد أن يتحمل ضريبة الكرامة إلا أصحاب ثقافة "هيهات منّا الذلة" أصحاب ثقافة "فزت ورب الكعبة" أصحاب ثقافة "لألفُ ضربةٍ بالسّيف أهون عليّ من ميتةٍ على الفراش" أصحاب ثقافة "لا أرى الموت إلاّ سعادة والعيش مع الظالمين إلاّ برما"؛ أصحاب ثقافة "لا أعطيكم بيدي إعطاء الذّليل ولا أقرُّ لكم إقرار العبيد" أصحاب ثقافة "الموت أشرف من ركوب العار" هؤلاء الذين رفضوا، وعلى مدار مئات السّنين، الإنحناء إلاّ لله؛ عِوضًا عن تقبيل الأيادي وجوارح أخرى، رفضوا لأنّهم يستمدّون ثقافتهم من روحِ مُحمّد (ص) وبصيرته.