معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي
مضت أشهر والسلطة اللبنانية تسعى إلى فتح قناة تفاوض مع "إسرائيل" من دون أن تجد من يصغي إليها. هذا المعطى، وإن كان تفصيلًا تمهيديًا هو المفتاح لفهم ما يجري اليوم. ذلك؛ لأن تجاهل رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو لتلك المحاولات منطلق من عدم منح لبنان أي وزن تفاوضي في توقيت لم تكن فيه الساحة اللبنانية تؤدي وظيفة تخدم الحسابات الإسرائيلية.
ما تغيّر الآن هو طبيعة اللحظة؛ وليس موقع لبنان، فالتقاط نتنياهو لهذه القناة المتأخرة يعكس إدراكًا منه لفرصة إقليمية أكثر عمقًا من تحول في الرغبة بالتفاوض، فرصة تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها. هذه الفرصة ترتبط مباشرةً بشرط كرسته طهران في مسار تفاعلها مع الولايات المتحدة حين ربطت أي تقدم سياسي بوقف إطلاق النار في لبنان، ليس مساومة بقدر ما كان تعبيرًا عن التزام سياسي وأخلاقي إزاء ساحة واجهت منذ اللحظة الأولى، ودفعت كلفة المواجهة منفردةً في مراحل طويلة سابقة، ما يفرض عدم فصل مصيرها عن أي مسار تهدئة أو تسوية إقليمية أو دولية.
في هذا السياق تحديدًا؛ يتقاطع المساران. ما عجزت السلطة اللبنانية عن تحقيقه، حين كانت تتوسل التفاوض لوقف الاعتداءات، أصبح متاحًا اليوم، ولكن ليس استجابةً لآمالها، إنما هو محاولة التفاف على هذا الربط الأخلاقي والسياسي وسحب مفاعيله. بمعنى أدق، توظّف القناة اللبنانية لإنتاج تهدئة منفصلة عن سياقها الطبيعي، ما يؤدي عمليًا إلى فك الاشتباك بين المسار اللبناني والالتزام الذي سعت طهران إلى تثبيته إزاء المقاومة.
في هذا الإطار؛ يفقد تحرك الحكومة برئاسة نواف سلام إلى واشنطن تعبيره عن قدرة تفاوضية، ليصبح اندراجًا في وظيفة جديدة تُعيد تعريف دور السلطة من طرف يسعى لوقف العدوان إلى أداة تُستخدم لفصل المسارات. هذا التحول سياسي بامتياز، وليس تكتيكيًا او تقنيًا؛ لأنه ينقل لبنان من موقع ساحة مقاومة متصلة بعمقها الإقليمي إلى ساحة يُراد إدارتها بمعزل عن هذا الامتداد.
النتيجة المباشرة لهذا الفصل هي محاولة إعادة تشكيل المعادلة الداخلية في لبنان. إذ إن فك الارتباط بين الساحة اللبنانية وعمقها الإقليمي يمر بكلفة تُدفع أولًا على مستوى موقع حزب الله، الذي يستمد جزءًا أساسيًا من فعاليته كونه جزءًا من شبكة إقليمية مترابطة. لذلك؛ عندما يُفصل المسار اللبناني عن هذا السياق يُضعف موقعه السياسي، في النتيجة الأولى، ليُستهدف توازن ردع تشكّل عبر سنوات، ليصبح أحد أبرز العوامل التي قيّدت حرية حركة العدو الإسرائيلي.
بناء على ما تقدم؛ نفهم إعادة تعريف “التهديد” داخل الخطاب السياسي اللبناني. إذ لم يعد يُقدَّم على أنه عدوان إسرائيلي مستمر، إنما يجري توصيفه وتكريسه اختلالًا داخليًا يحتاج إلى معالجة. هذا التغير ليس بريئًا البتة، هو تفتح الباب أمام سياسات أمنية تُبنى تحت عنوان "الاستقرار"، لكنها عمليًا تلتقي مع أهداف الكيان الإسرائيلي في تفكيك عناصر القوة المواجهة التي تعيق هذا الاستقرار المفترض.
كما كان هناك محاولة لدفع الجيش نحو مواجهة مباشرة باتجاه القوة المقاومة، فاصطدمت برفض قيادة المؤسسة العسكرية، والتي كانت التعبير الأكثر وضوحًا عن رفض هذا المسار. وعندما سقط خيار الحسم بالقوة، لم يُسقط الهدف، وما جرى هو تعديل الوسيلة، أي من المواجهة إلى الاحتواء، ومن الصدام إلى التنسيق غير المباشر عبر آليات تدريجية تُقيد حركة المقاومة وتعيد تشكيل التوازنات على الأرض.
في المقابل؛ يحقق بنيامين نتنياهو مكسبًا استراتيجيًا مزدوجًا. من جهة، ينجح في تفكيك أحد أهم عناصر الترابط بين الساحات المقاومة، ما يُضعف القدرة على فرض معادلات ردع إقليمية مترابطة. من جهة أخرى، يعيد تشكيل البيئة الأمنية في الشمال ليضمن استقرارًا طويل الأمد يُدار بأدوات محلية، ويُفرغ التهديد تدريجيًا من دون كلفة حرب شاملة.
لكن هذا المسار، على الرغم ما قد يبدو فيه من براغماتية، هو يحمل تناقضاته في داخله. ذلك؛ لأن لبنان، بطبيعته، لا يحتمل طويلًا أن يُدار كملف أمني منفصل عن صراعه الأساسي. كلما تعمق هذا النهج ارتفعت كلفته السياسية، وازداد احتمال انفجاره عند أول اختبار جدي، حين يصطدم منطق “فصل المسارات” بحقيقة أن هذه المسارات ليست قرارًا يمكن فكه، بل بنية صراع متشابكة.
لكن تصريح السفير الإسرائيلي في واشنطن يضع هذا المسار في سياقه الحقيقي، حين يعلن أن إسرائيل وافقت على اجتماع متابعة مع لبنان للتوصل إلى اتفاق، لكنها لم توافق على مناقشة وقف إطلاق النار مع حزب الله. هذه المعادلة لا تفتح فقط باب التمييز بين المسارات، إنما تعيد تعريف وظيفة التفاوض نفسه بوصفه مسارًا لا يمس جوهر الحرب. بذلك لا يعود الحديث عن “اضطرار” السلطة اللبنانية إلى الدخول في التفاوض المباشر قائمًا على فكرة الوصول إلى وقف إطلاق نار، بقدر ما هو محاولة لإدارة مسار منفصل لا يملك أدوات التأثير على مركز الصراع. هنا تتكشف المفارقة: ما يُقدَّم على أنه خيار سياسي براغماتي، يتضح أنه في جوهره حركة داخل سقف مرسوم سلفًا، لا يغيّر قواعد الاشتباك بقدر ما يكرّس فصلها.
في الخلاصة
إن ما نشهده حاليًا ليس انفتاحًا تفاوضيًا كما يبدو ظاهريًا؛ هو إعادة توظيف لقناة كانت مهملة، لتخدم هدفًا يتجاوز لبنان نفسه. السلطة لم تنتقل من الضعف إلى القوة، بل من التهميش إلى الاستخدام. أما من يظن أن هذا المسار يمكن أن يُدار من دون أن يعيد تشكيل موقع لبنان وهويته داخل الصراع، فهو يتجاهل أن المسألة لم تعد تتعلق بوقف إطلاق نار، إنما بتحديد من يملك حق ربط الساحات ومن يملك حق فصلها.