أوراق سياسية

نيويورك تايمز: إحياء الجدل حول صحة دونالد ترامب النفسية

post-img

يعد هذا المقال، الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أن سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتقلّب وتصريحاته المتطرفة، سواء ضد الجمهورية الإسلامية في إيران أم ضد البابا لاوون الرابع عشر- البابا ليو 14-، يعيدان إحياء الجدل حول صحته النفسية. وكشف المقال بأنه حتى بعض حلفائه ومستشاريه السابقين يتساءلون عمّا إذا كان قد أصبح أكثر اختلالًا، واصفين إياه بأنه "مجنون" و"فاقد للاتزان بشكل واضح". وأن هذا ما لم يحدث في العصر الحديث، بأن جرى التشكيك في استقرار رئيس أمريكي بهذا الشكل العلني والدقيق، وبهذه التداعيات الخطيرة.

النص المترجم:

لقد أدّى سلوك الرئيس ترامب المتقلّب وتصريحاته المتطرفة خلال الأيام والأسابيع الأخيرة إلى تأجيج النقاش القديم حول ما إذا كان "ماكرًا يتظاهر بالجنون" أم "مجنونًا فعلاً"، وهو الجدل الذي رافقه على الساحة السياسية الوطنية طوال عقدٍ من الزمن.

سلسلة من التصريحات المتقطعة، صعبة المتابعة، وأحيانًا بذيئة، تُوِّجت بتهديده الأسبوع الماضي بأن "حضارة كاملة ستموت الليلة" في إشارة إلى محو إيران من الخريطة، إضافة إلى هجومه المربك على البابا الذي وصفه بأنه "ضعيف في مواجهة الجريمة، وسيئ للغاية في السياسة الخارجية" مساء الأحد، تركت انطباعًا لدى كثيرين بأنه حاكم مستبد مختلّ عقليًا وقد أفقده السلطة صوابه.

رفض البيت الأبيض هذه التقييمات، مؤكدًا أن ترامب يتمتع بحدة ذهنية ويُبقي خصومه في حالة ارتباك. إلا أن اندفاعاته أثارت تساؤلات حول قيادة الولايات المتحدة في زمن الحرب. فبينما شهدت البلاد رؤساء طُرحت تساؤلات حول قدراتهم من قبل، وآخرهم جو بايدن مع تقدمه في السن بشكل ملحوظ أمام الرأي العام، لم يحدث في العصر الحديث أن جرى التشكيك في استقرار رئيس بهذا الشكل العلني والدقيق — وبهذه التداعيات الخطيرة.

الديمقراطيون الذين طالما شككوا في الأهلية النفسية لترامب، أطلقوا مجددًا دعوات لتفعيل التعديل الخامس والعشرين لعزله بسبب العجز. لكن هذه المخاوف لم تعد مقتصرة على اليسار أو الكوميديين أو خبراء الصحة النفسية الذين يقدّمون تشخيصات عن بُعد، بل باتت تُسمع أيضًا بين جنرالات متقاعدين ودبلوماسيين ومسؤولين أجانب، بل وحتى داخل اليمين السياسي بين حلفاء سابقين للرئيس.

النائبة السابقة مارغوري تايلور غرين، الجمهورية من جورجيا التي انشقّت مؤخرًا عن ترامب، دعت إلى استخدام التعديل الخامس والعشرين، معتبرة أن تهديد تدمير حضارة إيران "ليس خطابًا متشددًا، بل جنون". أما كانديس أوينز، المدوّنة اليمينية المتطرفة، فوصفته بأنه "مجنون إبادي". وقال أليكس جونز، مؤسس موقع "إنفوارز"، إن ترامب "يهذي ويبدو أن دماغه لا يعمل بشكل جيد".

بعض التساؤلات حول سلامة ترامب العقلية تأتي من أشخاص عملوا معه سابقًا وأصبحوا من منتقديه. فحتى قبل منشور "الحضارة"، قال تاي كوب، محامي البيت الأبيض خلال ولايته الأولى، للصحفي جيم أكوستا إن الرئيس "رجل مختل بوضوح"، وأن سلسلة منشوراته العدوانية ليلًا على وسائل التواصل الاجتماعي "تُبرز مستوى جنونه". كما كتبت ستيفاني غريشام، المتحدثة السابقة باسمه، الأسبوع الماضي: "من الواضح أنه ليس بخير".

ردّ ترامب بمنشور طويل وغاضب على وسائل التواصل الاجتماعي لم يعكس بالضرورة هدوءًا أو استقرارًا. فكتب عن منتقديه: "يجمعهم شيء واحد: انخفاض معدل الذكاء". وأضاف: "إنهم أغبياء، وهم يعلمون ذلك، وعائلاتهم تعلم ذلك، والجميع يعلم ذلك أيضًا!"، متهِمًا إياهم بأنهم "مختلّون ومثيرو مشاكل ويسعون إلى دعاية رخيصة".

رغم أن هذا التململ داخل اليمين لم يصل إلى الكونغرس، حيث لا يزال الجمهوريون يعلنون ولاءهم للرئيس، ولا إلى الحكومة التي يجب أن توافق على تفعيل التعديل الخامس والعشرين، فإنه يعكس قلقًا متزايدًا بين الأمريكيين الذين باتوا يشككون أكثر في أهلية ترامب، وهو الأكبر سنًا عند توليه المنصب، مع اقترابه من عامه الثمانين.

أظهر استطلاع أجرته رويترز/إبسوس في فبراير أن 61% من الأمريكيين يعتقدون أن ترامب أصبح أكثر تقلبًا مع تقدمه في السن، بينما يرى 45% فقط أنه "حاد ذهنيًا وقادر على مواجهة التحديات"، انخفاضًا من 54% في عام 2023. وفي استطلاع آخر، اعتبر 49% أنه متقدم في السن أكثر من اللازم لتولي الرئاسة.

الديمقراطيون كثفوا هجماتهم، فوصفه تشاك شومر بأنه "شخص مريض للغاية"، وقال حكيم جيفريز إنه "فاقد للاتزان وخارج السيطرة"، بينما وصفه تيد ليو بعبارة أكثر فجاجة: "مجنون تمامًا". كما طلب جيمي راسكين من طبيب البيت الأبيض تقييم حالته، مشيرًا إلى "علامات تتوافق مع الخرف والتدهور المعرفي" وسلوك "غير مترابط ومتقلب ومليء بالشتائم والتهديدات".

في المقابل، يرى المدافعون عنه أن ما يصفه منتقدوه بالذهان هو في الحقيقة استراتيجية. فكتبت ليز بيك أن "ترامب يعرف تمامًا ما يفعل"، معتبرة أنه يستخدم "أقصى درجات الضغط العسكري والدبلوماسي" ضد إيران. أما ترامب نفسه، الذي سبق أن وصف نفسه بأنه "عبقري مستقر جدًا"، فقد قلّل من هذه الانتقادات، قائلاً: "لم أسمع بذلك... لكن إن كان الأمر كذلك، فأنتم بحاجة إلى المزيد من أمثالي"، معتبرًا أنه أنقذ البلاد من استغلال اقتصادي طويل.

يُذكر أن الجدل حول حالته الذهنية ليس جديدًا، إذ رافقه منذ ترشحه الأول عام 2016، وشارك فيه أطباء نفسيون دون تقييم مباشر له. بل إن جون كيلي، رئيس موظفي البيت الأبيض السابق، قرأ كتاب "الحالة الخطرة لدونالد ترامب" لمحاولة فهمه، وخلص إلى أنه يعاني من اضطراب نفسي.

تاريخيًا، لم يكن هذا النوع من الجدل غير مسبوق تمامًا، إذ وُجّهت اتهامات بعدم الاتزان لرؤساء مثل جون آدامز وأندرو جاكسون. كما عانى أبراهام لينكولن من الاكتئاب، وتأثر وودرو ويلسون بسكتة دماغية، وأظهر ليندون جونسون تقلبات مزاجية حادة، بينما أثارت حالة رونالد ريغان تساؤلات في أواخر ولايته.

بعض مؤيدي ترامب يقارنونه بريتشارد نيكسون، الذي تبنّى ما عُرف بـ"نظرية الرجل المجنون" كأداة تفاوضية، لكنه نفسه استخدم أحيانًا هذه الصورة. فقد قال لنيكي هايلي: "اجعلوهم يعتقدون أنني مجنون"، وسأل وزير العدل السابق: "هل تعرف سر التغريدة الجيدة؟ القدر المناسب من الجنون". لكن ترامب صرّح مؤخرًا لصحيفة نيويورك بوست أنه هذه المرة لم يكن يتظاهر، قائلاً عن تهديده لإيران: "كنت مستعدًا لفعل ذلك".

اليوم، يبدو أن التركيز على حالته الذهنية يتجاوز ما شهده أي رئيس سابق تقريبًا. فبحسب المؤرخ جوليان زيلزر، لم يكن هناك هذا المستوى من القلق المستمر منذ نيكسون، بل إن الوضع الحالي يتجاوزه، خاصة مع دور وسائل التواصل الاجتماعي. في ولايته الثانية، يبدو ترامب أقل انضباطًا وأكثر ارتباكًا أحيانًا، يستخدم لغة أكثر فجاجة، ويطيل الحديث، ويدلي بتصريحات تستند إلى خيال أكثر من الواقع، ويخلط بين وقائع وأحداث، بل ويُدلي بادعاءات غير صحيحة أو مشوشة.

كما ينحرف أحيانًا إلى مواضيع غريبة أو تفاصيل هامشية، ويخلط بين دول وأحداث، ويدّعي إنجازات غير موجودة. هذه السلوكيات، إلى جانب تصريحاته العدائية، تعزّز لدى منتقديه صورة قائد غير مستقر. رغم ذلك، يبدو أن محيطه الحالي أقل ميلاً إلى كبحه مقارنة بولايته الأولى، حيث لا يعترض أحد علنًا على تصرفاته. لكن في ظل الاستقطاب السياسي، قد يجد هذا الأسلوب قبولًا لدى جزء من قاعدته، إذ يعتبره البعض تعبيرًا عن تحدي المؤسسة التقليدية. كما قال زيلزر: "ما الذي يمكن أن يكون أكثر مناهضة للمؤسسة من قائد مستعد لأن يكون خارج السيطرة؟".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد