د غادة حب الله/ أكاديمية باحثة في العلوم الجيوسياسية
في تحليلات الحروب الكلاسيكية؛ تُقاس القوة بعدد الصواريخ وبحجم الجيوش وبقدرة الردع. غير أنّ هذا المنظور يغفل بعدًا أساسيًا في فهم الصراع المعاصر، وهو الصراع على التمثّلات، أي على الصور والروايات التي تُنتجها القوى الكبرى وتفرضها على العالم. هنا، تكتسب أفكار Yves Lacoste أهميتها، حين رأى أنّ الجيوسياسية وإن كانت صراعًا على الأرض، هي أيضًا صراع على تمثيل هذه الأرض، وعلى كيفية إدراك بعدها التاريخي والثقافي والديني.
في هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى هوليوود على أنها صناعة ترفيهية فحسب، هي جهاز مركزي في إنتاج التمثّلات العالمية التي تخدم الهيمنة الأميركية. هي، إلى جانب بعدها الثقافي، تشكّل ركيزة اقتصادية ضخمة. إذ تدعم صناعة السينما والتلفزيون، في الولايات المتحدة، أكثر من مليوني وظيفة، وتدفع ما يفوق 200 مليار دولار سنويًا أجورًا للعاملين فيها. هذا فضلًا عن آلاف الشركات المرتبطة بها. كما أنّها تدرّ فائضًا تجاريًا كبيرًا، إذ حققت صادرات هذا القطاع أكثر من 22 مليار دولار سنويًا .
بهذا المعنى، تمثّل هوليوود قطاعًا اقتصاديًا يضخّ مليارات الدولارات في الاقتصاد الأميركي، أكثر مما هي مجرد صناعة صورة فنية ثقافية. إذ تسهم، بشكل مباشر وغير مباشر، في الناتج المحلي؛ حيث وتشير تقديرات رسمية إلى أنّ صناعة الفيلم والفيديو وحدها تسهم بما يقارب 100 مليار دولار في الناتج المحلي الأميركي سنويًا.
غير أنّ هذه المؤسسة، على ضخامتها، تبقى هشًّة أمام الصدمات الجيوسياسية الكبرى، وفي مقدّمتها الحرب على إيران. في ظل هذه الحرب، تظهر التداعيات في بنية الإنتاج الفني نفسها، قبل شاشات السينما. إذ أظهرت تقارير حديثة، منها تقارير Bloomberg، أنّ صناعة الفن السابع في أميركا تواجه بالفعل أزمة وجودية مع تراجع الإنتاج وتسريح العمال وتقلّص المشاريع . تتفاقم هذه الديناميات نتيجة ارتفاع المخاطر العالمية وتراجع الاستثمارا،. في سياق التصعيد الجيوسياسي.
النتيجة المباشرة هي تباطؤ الإنتاج السينمائي، والذي قد يصل إلى انخفاض يتراوح بين 15% و25%. هذا التراجع لا يعني عدد أفلام أقل، بقدر ما يعني ضرب شبكة اقتصادية كاملة: من الاستوديوهات إلى النقل، ومن الفنادق إلى الخدمات التقنية.
اقتصاديًا، يمكن ترجمة هذا الانخفاض بشكل واضح: إذا تراجعت الصناعة السينمائية بنسبة 20%، فإنّ الخسارة المباشرة قد تقترب من 20 مليار دولار سنويًا؛ انطلاقًا من إسهامها في الناتج المحلي. مع احتساب الأثر المضاعف، أي تأثيرها البالغ في القطاعات المرتبطة، قد تتجاوز الخسائر 40 إلى 60 مليار دولار. هذا ما تؤكده نماذج التحليل الاقتصادي التي تعتمدها مؤسسات مثل EY، والتي تُظهر أنّ إنفاق السينما يولّد تأثيرات غير مباشرة ومضاعفة في الاقتصاد بأكمله .
لا تقف التداعيات عند الاقتصاد، هي تمتد إلى سوق العمل. هذه الصناعة، والتي توفّر ملايين الوظائف، تتأثر بسرعة بأي توقف في الإنتاج. كما أظهرت أزمات سابقة، حين أدّت تعطل الإنتاج إلى خسائر بمليارات الدولارات وضرب قطاعات كاملة مرتبطة بها .
التحليل الجيوسياسي، وفقًا لمقاربة Yves Lacoste، يفرض الانتقال من قياس الخسارة إلى فهم ما تعنيه. هنا، يظهر البعد الأكثر خطورة؛ وهو تراجع هوليوود، يعني تراجع قدرة الولايات المتحدة على إنتاج روايتها للعالم؛ أي أنّ الخلل لا يصيب الاقتصاد فحسب، يطال أيضًا البنية الرمزية للقوة الناعمة.
في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، لم تعد الهيمنة تُقاس فقط بالقوة العسكرية، أيضًا بالقدرة على إنتاج الصور الفنية والمعاني. مع تراجع الإنتاج، تتآكل هذه القدرة تدريجيًا، في وقت تتقدّم فيه قوى أخرى، حيث انخفضت هيمنة الأفلام الأميركية على شباك التذاكر العالمي من نحو 90% تاريخيًا إلى مستويات أدنى بكثير اليوم. إذ إن الحرب على إيران لا تضرب السينما لكونها قطاعًا ترفيهيًا؛ بل لتعيد هندسة صناعة الصورة الفنية الثقافية عالميًا برفع كلفة الإنتاج وإعادة توزيع الجغرافيا السينمائية وفرض رقابة غير معلنة على المحتوى.
هكذا، تكشف الحرب على إيران مفارقة عميقة: فالقوة العسكرية التي تُستخدم لإعادة تثبيت الهيمنة قد تؤدي، في الوقت نفسه، إلى إضعاف أدواتها الاقتصادية والثقافية الأكثر فاعلية. في هذا المعنى، لا يعود تراجع هوليوود مسألة صناعية أو اقتصادية فحسب، إنما تصبح مؤشرًا جيوسياسيًا على تحوّل أعمق: حين تهتزّ القوة الناعمة، تبدأ هيمنة الإمبراطورية الاميركية نفسها بالتآكل.