اوراق خاصة

الدكتور علي زعيتر سيرة المثقّف المجاهد الذي جسّد الفكر في الشهادة

post-img

د. زينب الطحان/ كاتبة وأستاذة جامعية

في لحظات التحوّل الكبرى؛ تسقط التعريفات الجاهزة، ويُعاد طرح الأسئلة الأولى: ما دور المثقّف؟ أين يقف حين يحتدم الصراع؟ وهل يكتفي بأن يكون شاهدًا على العصر، أم يصبح جزءًا من معادلاته؟

في سيرة الشهيد الدكتور علي زعيتر لا تُطرح هذه الأسئلة بوصفها جدلًا نظريًا؛ إنما تجد إجاباتها في تجربةٍ حيّة، امتدّت من قاعات الجامعة إلى خطوط المواجهة الأمامية، ومن البحث الأكاديمي إلى الفعل الميداني.

وُلد علي زعيتر، في 5 شباط 1972، وفي مسارٍ طويلٍ لم يكن عابرًا، تشكّلت شخصيته عند تقاطع القيم الدينية والوعي الاجتماعي والانخراط العملي في قضايا الناس. منذ شبابه؛ نهل من بيئةٍ فكرية متأثرة بالثورة الإسلامية التي انتصرت في إيران، حيث تبلورت لديه قناعة راسخة بأن الإنسان ليس كائنًا محايدًا، هو مسؤولٌ ومستخلف في الأرض. من هنا، لم يكن العلم بالنسبة إليه هدفًا قائمًا بذاته، كان وسيلةً للقيام بدورٍ أخلاقي وتاريخي في آن.

المعرفة بوصفها التزامًا

في تجربته الأكاديمية؛ برزت الهويّة في المعرفة مرتكزًا أساسيًا. لم يتعامل مع العلم على أنه حيّز منفصل عن المجتمع، إنما لكونه أداة لإعادة تشكيله. في الجامعة اللبنانية؛ حيث درّس وأدار الفرع الأول لمعهد العلوم الاجتماعية، اشتغل الدكتور زعيتر على بناء مقارباتٍ تربوية تُزاوج بين المعرفة والأخلاق، وبين الإنتاج العلمي والوعي الاجتماعي. لم يكن هدفه تخريج طلابٍ متفوّقين فحسب، إيضًا إعداد أفرادٍ قادرين على فهم واقعهم والانخراط في تغييره. كما انشغل في سنواته الأخيرة بالتحضير لإطلاق مكتبة رقمية تحفظ حقوق الملكية وتوسّع الوصول إلى المعرفة، في خطوة تعكس وعيه بأهمية التكنولوجيا في معركة الوعي المعاصر.

"زعيتر" المثقّف المشتبك من النظرية إلى الميدان

غير أن ما يمنح تجربة زعيتر فرادتها هو هذا التلازم بين الفكر والممارسة. لم يكن "مثقّفًا برجيًا" يراقب من بعيد، كان المثقّف المشتَبك، يرى في الاشتباك شرطًا للمعرفة. منذ تسعينيات القرن الماضي، شارك في العمل المقاوم في جنوب لبنان، رابط في مواقع متقدمة، واسهم في التخطيط لعمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي. هذا الحضور المبكر في الميدان ظلّ جزءًا من تكوينه الوجداني حتى عودته إلى العمل الأكاديمي.

في هذا التداخل بين الأدوار، تتجسّد صورة المثقف الذي مثّله وجسده الشهيد "زعيتر" لا يفصل بين القوة الناعمة والقوة الصلبة. إذ إن المعرفة، في نظره، لا تكتمل إلا حين تُختبر في الواقع، والموقف لا يكتسب صدقيته إلا حين يُدفع ثمنه. لذلك، استأنف الدكتور المجاهد نشاطه الميداني إلى جانب عمله الجامعي، فبرأيه أن المحكّ الحقيقي هو الميدان.

هذه الرؤية تتقاطع ومفهوم "المثقف العضوي"، والذي رسم أطره المفكر الروسي الراحل أنطون غرامشي، مبينًا أن هذا المثقف لا يكتفي بإنتاج الأفكار، هو ينخرط في الصراع الاجتماعي والسياسي، ويعمل على تفكيك البُنى التي تعيد إنتاج الظلم. لذلك؛ كان حريصًا الدكتور علي على تقاطع هذين المسارين في حياته؛ وكله أمل أن ينهي المسار الجهادي عمره، لتُكتب له حسن العاقبة.. لذلك حين اندلعت المواجهات الأخيرة، لم يتردد في العودة إلى الميدان. أصرّ على الالتحاق بالجبهة، وكتب وصيّته، واستمرّ في متابعة شؤون الجامعة حتى في خضم القتال. في هذا الإصرار، تتجلّى صورة الإنسان الذي يرى في الالتزام مسارًا لا ينقطع، وفي المسؤولية عبئًا لا يُؤجّل.

إرثٌ مفتوح على المستقبل

لا تُختصر تجربة الدكتور المجاهد علي زعيتر في سيرته الفردية، تتجاوزها إلى ما تمثّله من نموذج. نموذج المثقف الذي يرفض الاغتراب، ويقاوم الانفصال بين المعرفة والواقع، ويصرّ على أن يكون جزءًا من قضايا مجتمعه. في زمنٍ تتكاثر فيه أشكال "انتحار المثقف" بالانعزال أو التكيّف مع السلطة الجائرة والاحتلال، تبدو تجربته دعوةً إلى استعادة المعنى الأول للثقافة: أن تكون فاعلًا في العالم، لا مجرد متأمّلٍ فيه.

هكذا، يستمرّ حضوره بعد غيابه، ليطرح سؤالًا مفتوحًا: هل يمكن للمثقف أن يظلّ وفيًا لفكرته حتى النهاية؟ جسّد المجاهد الدكتور المثقف علي زعيتر الجواب؛ فكان نعم، لكن بثمنٍ كامل. ثمنٍ جعل من حياته نصًا، ومن استشهاده خاتمته الأكثر بلاغة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد