د. ليلى صالح/ كاتبة لبنانية
لم تُفضِ الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية الكبرى. إذ بقي تهديد الصواريخ الباليستية قائمًا، ولم يتحقق هدف إسقاط النظام الإيراني، بل فرضت إيران إنجازات استراتيجية بتشريع السيادة على مضيق هرمز واشتراطها وقف إطلاق النار في ساحات غرب آسيا، فضلًا عن الإفراج عن أصولها المالية المجمدة، منذ انتصار الثورة الإسلامية، قبل بدء عملية التفاوض.
لقد أدركت أمريكا محدودية الفاعلية العسكرية، فبرزت المفاوضات خيارًا اضطراريًا تفرضه الوقائع الميدانية، لا مسار مفضّل أو بديل استراتيجي. في هذا السياق؛ تبلور تصوّر إسرائيلي مركّب للمفاوضات المباشرة مع لبنان عكس انتقالًا من منطق الحسم العسكري إلى منطق إدارة الصراع ضمن حدود السيطرة الممكنة، في محاولة إعادة تعريف الهدنة؛ كونها مساحة زمنية هشّة قابلة للاهتزاز، كما تُدرَك المفاوضات على أنها امتداد للصراع لتحقيق أهدافه لا نهاية للعدوان.
إذ بعد أن دخل لبنان دائرة العدوان الهمجي الصهيوني الأمريكي المباشر بمجازر ودمار، طالت البنى التحتية والصحية، وارتفعت حصيلة الشهداء إلى 2020 شهيدًا و6436 جريحًا حتى 11 شهر نيسان الحالي، وفقًا لما أعلنته وزارة الصحة، أتى تنصل السلطة اللبنانية من شمول لبنان وقف "إطلاق النار" في المفاوضات القائمة في "إسلام أباد"، تحت ذريعة أن شمول لبنان الاتفاق الاستراتيجي يعد انتقاصًا من السيادة اللبنانية. ذريعة تلقفها العدو وجرأه على ارتكاب عدوان هو الأكبر في تاريخ الاعتداءات الصهيونية على لبنان، منذ اجتياح العام 1982، حيث تجاوز مئة ضربة في التوقيت نفسه، فخلّف ما يزيد عن 300 شهيد وأكثر من ألف جريج، في يوم الأربعاء الأسود.
في المقابل؛ أدى تمسك إيران بتطبيق فوري وغير مشروط لوقف إطلاق النار في لبنان، في المفاوضات الجارية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، إلى توجيهات أمريكية للكيان المؤقت بتقليص الهجمات في لبنان وتجنيبها بيروت العاصمة وضاحيتها الجنوبية، مع طلب الولايات المتحدة و"إسرائيل" تأجيل التنفيذ حتى اليوم الثلاثاء(14/4/2026). في الوقت نفسه؛ عاد الكيان ليستثمر سياسيًا استجداء السلطة اللبنانية المفاوضات المباشرة معه، منذ أشهر وهو من كان يرفضها، بقبوله "المفاوضات المباشرة" بعد فشله في الميدان من تحقيق أي من أهدافه العدوانية في التقدم البري، وبعدما كبّدته المقاومة خسائر جمة. كان أبرزها سقوط عقيدة "أمن الشمال' التي بنى عليها بنيامين نتنياهو رئيس وزارء العدو خطابه للداخل الإسرائيلي لأكثر من ١٥ شهرًا. إن خطوة قبول نتنياهو بالتفاوض مع لبنان لا يضع لبنان الدولة في قرار سيادي؛ إنما يوظف استجدائها للحصول على مكاسب سياسية تخدم خطابه المأزوم مع الداخل على الأصعدة كافة.
في تفاصيل المفاوضات المباشرة المزعمة بين السلطة والكيان، على الرغم من سقوط هذه "المفاوضات المباشرة" في إشكالية دستورية وميثاقية وسياسية، تعدّ اعترافًا ضمنيًا بدولة الاحتلال ونفي عداوتها وجرائمها في لبنان. كما يترتب عليه مسار سياسي يبدأ بتوطين اللاجئين الفلسطينيين، ‘لى ما يليه من تنفيذ أجندة المشروع الأمريكي في لبنان، بعد تعثر سياسي وفشل دبلوماسي دفع فيه لبنان أكثر من 500 شهيد في اعتداءات صهيونية خلال التزام المقاومة والسلطة هدنة طالت خمسة عشر شهرًا بعدم الرد لإعطاء فرصة للدبلوماسية اللبنانية والميكانيزم.
حتى هذه اللحظة؛ لم نلحظ في طلب السلطة اللبنانية للتفاوض المباشر مقدمات تلزم هذا العدو بوقف فوري لإطلاق النار، أو المطالبة بتحريك ملف الأسرى المدنيين، في الحد الأدنى من المسؤولية السياسية إزاء مواطنيها.
أكثر من ذلك، يطالعنا ساسة الكيان المؤقت بتأكيدهم أن هذه المفاوضات هي "مفاوضات سلام" تحت النار، وليست نهاية للحرب، لتبقى سياق حقيقة المفاوضات معه تحت نقطتين من شروط القبول بالمفاوضات: بأن "إسرائيل" ستطالب الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، وستتعهد بعدم مهاجمة المناطق التي يعمل فيها الجيش اللبناني، مشيرة إلى إن لدى الحكومة اللبنانية مصلحة واضحة في التحرك ضد حزب الله في بيروت، حتى لا تضطر إسرائيل إلى مهاجمة المدينة بنفسها. وفي المرحلة التالية، ستسمح إسرائيل للجيش اللبناني بالعمل في جنوب نهر الليطاني، غير أن ذلك سيستغرق وقتًا.
فضلًا عن شرط "إسرائيل" بعدم الانسحاب من جنوب الليطاني، المنطقة التي تعدها خطًّا للصواريخ المضادة للدروع، والذي تزعم السيطرة عليه، ويمتد حتى مسافة 8 كيلومترات من الحدود، بالعودة إلى استراتيجية "الحزام الأمني" داخل الأراضي اللبناني لاسترجاع أمن الشمال، فلا تعطي ضمانات للانسحاب من الأراضي التي تعتدي عليها، والتي ما يزال المجاهدون يصدون اعتداءاتها، فاكتفت بإشارة ضمنية بأن هذا الموضوع سيُبحث في إطار تسوية مستقبلية بين "الدولتين"، وعليه ستبقى قوات الاحتلال منتشرة خلف الحدود إلى حين نزع سلاح حزب الله، ما ينسجم ومشروعها التوسعي "إسرائيل الكبرى".
تاليًا؛ إذا تجاوزنا المعايير القانونية والميثاقية في لبنان، والتي تسقط عملية التفاوض المباشر وتضعها في سياق التجريم القانوني لتنفيذ أجندة خارجية للعدو "الإسرائيلي" ولبنان تحت النار، إلى المعايير الدبلوماسية في سياسة التفاوض بين جهتين حيال تنازلات من الطرفين، لم نجد أي تنازل أو من جانب العدو، وحتى ادعاء ولو كان مخادعًا.
بخلاف ذلك؛ الكيان المؤقت ما يزال يعلن حقيقة أهدافه من التفاوض المباشر، ويرى أن تحقيق هذه الأهداف جزء من تمكينه من تنفيذ مشروع "دولته" التي لا حدود لها. كما تظهر تحليلات الصحف الإسرائيلية بأنّ التفاوض الإسرائيلي المباشر مع لبنان لا يمكن فهمه على أنه مسار تسوية تقليدي، بل هو أداة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بعد تعثّر الخيار العسكري..
لذلك السؤال موجّه إلى الدولة اللبنانية: عن أي مسار تفاوضي وطني تقنع به السلطة الشارع اللبناني بطوائفه كلها؟