د. ليلى شمس الدين/ ياحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام
ماذا لو أخبرتكم أن أخطر ما في التفاوض ليس فشله… بل نجاحه؟ ليس لأنّه قد يوقف الحرب، بل لأنّه، بهدوء قاتل، يُعيد ترتيب الهزيمة ويقدّمها في هيئة اتفاق. هنا تحديدًا، تتقاطع الكتب مع الواقع. لا بصفتها معرفة نظرية… إنما كونها مرآة قاسية تكشف ما لا يُقال. هذا بالضبط ما تكشفه أهم الكتب في حقل التفاوض، كتب تكشف لماذا يخسر الضعفاء حين تُدار المفاوضات تحت ضغط الحرب، وحين نضعها في مواجهة الواقع. وتكشف أهم أدبيات التفاوض، التي لا تكتفي بتعليمنا كيف نربح.. أيضًا تُحذّرنا متى نخسر من دون أن نشعر، وخصوصًا حين تُدار المفاوضات تحت ضغط النار، لا تحت سقف التوازن.
في كتاب "الوصول إلى نعم Getting to Yes"، تُطرح القاعدة التي تبدو بديهية: لا تفاوض من دون بديل قوي. لكن.. ماذا لو كان البديل هو استمرار القصف؟ وماذا لو كان الخيار الآخر… هو المزيد من الخسائر؟ عندها، تنهار القاعدة. لا لأنّ النظرية خاطئة… بل لأن الواقع أقسى منها.
في هذا الظرف، لا نحتاج إلى مثال نظري. يكفي أن ننظر إلى اتفاق الدوحة 2020. حين لم يكن التفاوض لقاء إرادات… كان تقاطع تعبٍ وصمود. هناك، فاوضت الولايات المتّحدة من موقع إنهاك طويل، وفاوضت طالبان من موقع ثبات ميداني. حينها، لم يكن السؤال: من يربح؟ بل: من يصمد أكثر؟ النتيجة لم تكن سلامًا… بل فراغًا. هو اتفاق لم يُنهِ الحرب، بل مهّد لانهيار دولة. وكأنّ التفاوض، بدل أن يُغلق المعركة… فتح فصلها الأخير. فهل كان ذلك نجاحًا تفاوضيًا؟ أم لحظة أُعيد فيها تعريف الهزيمة… من دون أن يُقال اسمها؟
لكن ماذا لو كان التفاوض، في بعض لحظاته، لا يخفّف العنف… بل يمنحه مكافأة مؤجّلة؟ هنا تحديدًا، يضعنا كتاب "المساومة مع الشيطان Bargaining with the Devil" أمام السؤال الأكثر إزعاجًا: متى يصبح التفاوض اعترافًا بالقوّة… لا محاولة لاحتوائها؟ يحذّر روبرت منوكين Robert Mnookin من لحظة دقيقة، حين يستخدم الطرف الآخر العنف ليس كوسيلة ضغط فقط.. بل كلغة تفاوض بحدّ ذاتها. وفي هذه الحال، لا يتراجع العنف على الطاولة.. بل يُترجم إلى مكاسب.
يكفي هنا أن نتأمل اتفاق ستوكهولم 2018. اتفاقٌ أوقف جبهات.. لكنه لم يُنهِ الحرب. فقد شهدنا هدوءًا موضعيًا قابله استمرار شامل. وكأنّ التفاوض لم يُغلق الصراع.. بل أعاد توزيعه، واستمرت الحرب بأشكال وأوجه أخرى. نستكمل الصورة عندما يذهب ديباك مالهوترا Deepak Malhotra في كتابه "التفاوض على المستحيل Negotiating the Impossible"، أبعد من ذلك، كاشفًا المفارقة الأكثر قسوة: فالتفاوض في النزاعات غير المتكافئة لا ينجج.. إلا إذا تغيّرت شروط القوّة نفسها. ويخبرنا، أنّه تحت النار، من يملك ترف إعادة تصميم القوة؟ من يملك الوقت.. بينما الخسائر تتسارع؟
مثال على ذلك، لننظر إلى حرب كارجيل في العام 1999، حين لم يكن الاتفاق هناك نتيجة تقارب.. بل نتيجة ضغط. انسحابٌ لم يُصَغ كخيار.. بل كضرورة. وتفاوضٌ لم يكن طريقًا للحل.. بل مخرجًا من مأزقٍ تضيق فيه الخيارات حتى تختفي.
يأتي بعدذلك المسار التحليلي الأوضح في كتاب "فن وعلم التفاوض The Art and Science of Negotiation:"، إذ لا يظهر التفاوض كمساحة أخلاق.. بل انعكاس مباشر لميزان القوّة. وحين يختلّ هذا الميزان، لا تتعثّر النتائج، بل تنحاز. وهذا ما تجسّد بوضوح في اتفاق كومانوفو في العام 1999، حين وُقّع الاتفاق، بينما القصف استمر. الطاولة هنا، لم توقف الحرب.. بل نقلتها إلى صيغة أخرى. وكأنّ التفاوض لم يكن بديلًا عن المعركة.. بل امتدادًا أكثر هدوءًا لها. وعليه، نستقرأ الخلاصة الأكثر عمقًا، والتي لا تأتي من مثال واحد، من نمط كامل. فالأعمال الحديثة حول وقف إطلاق النار تكشف حقيقة يصعب تجاهلها: نحن لا نتوقّف عن القتال كي نتفاوض..بل نتفاوض.. بينما يستمر القتال.
لكن، ماذا يحدث، حين نجمع ما تقوله الكتب، مع ما تكشفه الوقائع؟ لا نحصل على نظرية، بل على صدمة. ثلاث حقائق تُظهر بوضوحٍ لا يحتمل التأويل:
أوّلًا: التفاوض تحت النار لا يبدأ من توازن. إنه يبدأ من لحظة اختلال، من نقطةٍ يكون فيها أحد الأطراف قد خسر بالفعل، حتى قبل أن يجلس.
ثانيًا: الاتفاقيات في هذه اللحظات لا تغيّر الواقع. إنها تعكسه بالتقاط ما رسمته المعركة، وتعيد كتابته بلغة قانونية.
ثالثًا: الطرف الأضعف لا يفاوض ليَربح. بل ليختار، أيّ خسارة يستطيع تحمّلها. وهنا، يتبدّل معنى التفاوض. إذ لا يعود أداة لصناعة السلام، بل آلية لقراءة ميزان القوة. وفي زمن الحرب، لا تُكتب الاتفاقيات بما يريده الأطراف، بل بما يسمح به الواقع. وما يُوقَّع على الطاولة ليس أكثر من ظلّ ما حُسم في الميدان، فالتفاوض، حين يولد تحت النار، لا يقول لنا كيف سينتهي الصراع، بل يكشف لنا، بقسوة، من صمد.. ومن انكسر. بذلك، أثبتت التجارب، أنّ وقف إطلاق النار المتأتّي عن التفاوض تحت النار ليس نهاية. بل إعادة ترتيب للمواقع، وإعادة توزيع للوقت، واستراحة محسوبة داخل حربٍ لم تُحسم. فهل التفاوض، في هذه اللحظات،هل يُنقذ ما تبقّى؟ أم يمنح الصراع فرصة ليُعيد تشكيل نفسه.. وبشروطٍ أكثر قسوة؟
حين تتحوّل الكلمات… إلى ساحة معركة
هناك، حيث يشتدّ ضغط الميدان وتضيق خيارات السياسة، يتغيّر معنى التفاوض كليًا. إذ لا يعود التفاوض مجرد حوار، بل مواجهة من نوع آخر. مواجهة لا تُقاس بما يُقال، بل بما يُخفى بين السطور. هنا، لا يعد التفاوض أداة دبلوماسية باردة، بل اختبارًا حادًا. اختبار للأخلاق حين تُحاصرها الضرورة، واختبار للاستراتيجية حين تُقيّدها الوقائع.
حين تعجز الرصاصات عن الحسم، لا يتوقّف الصراع، بل ينتقل من الصوت إلى الصمت، ومن الانفجار إلى العبارة. في ذروة العنف. إذ حين تختلط أصوات القصف بصمت العالم، لا يجلس الأطراف إلى الطاولة بحثًا عن اتفاق، بل بحثًا عن مخرج. هنا، لا تُبنى الجسور على الثقة، بل على ما تبقّى منها. ولا تُصاغ القرارات بحرّية، بل تحت ظل الخطر. وهنا أيضًا، يُعاد تعريف القوة: لم تعد فقط في السلاح، بل في القدرة على فرض الشروط بالكلمات.
لكن خلف هذا المشهد، تختبئ حقيقة أكثر قسوة. ما يسمّيه البعض تفاوضًا، يراه كثير من المحلّلين خسارة مؤجّلة.؛ بل لأن نقطة البداية نفسها مختلّة. فالتفاوض تحت النار يبدأ من انكسار جزئي. وهذه خلاصة ما تكشفه التجارب. تجارب تتكرّر، ونظريات تتقاطع، لتقول لنا شيئًا واحدًا: أنّه حين تبدأ المفاوضات تحت القصف، لا تُعيد رسم المعركة، بل تكتب نتيجتها بلغةٍ أخرى. وحين يُفتح باب التفاوض، ولا تُغلق جبهة القتال، يختلّ الميزان من اللحظة الأولى. إذ لا يجلس طرفان متكافئان إلى الطاولة. هناك، لا تُفرض الشروط بصوتٍ عالٍ، بل تُزرع بهدوء، تحت ظلّ التفوّق الميداني، فتفقد الكلمات حيادها، وتتحوّل الطاولة إلى امتدادٍ غير مرئي للمعركة".
في هذا المشهد، تبدو التنازلات استجابات مُرهقة لما يفرضه الواقع، وهنا يتبدّل معنى التفاوض؛ فتأتي المعركة التي لا تُرى، معركة المعنى. فلا تُقاس القوة بما تملكه من سلاح، بل بما تفرضه من رواية.
تجدر الإشارة، إلى أنّ الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو يرى أنّ التفاوض تبادل للمصالح، وأيضًا إعادة تعريف لما يحدث أصلًا. وبالتالي، من هو الضحية؟ ومتى يصبح القصف دفاعًا؟ ومتى يُسمّى التراجع تنازلًا؟ في هذا المستوى، لا تُكتب الشروط فقط، بل تُكتب اللغة التي ستُفهم بها. والأقوى لا يفرض بنودًا فحسب، بل يفرض المعاني التي تُحيط بها.
هنا، يدخل الطرف الأضعف الطاولة، وقد خسر شيئًا أخطر من الموقع الميداني: خسر القدرة على تسمية ما يجري. فهو يُفاوض بلغةٍ ليست لغته، ويوقّع على نصٍّ لا يُشبه روايته. وهكذا، لا تبدأ الخسارة عند التوقيع، بل قبله. وحين تُنتزع القصّة، يصبح كل اتفاقٍ لاحق.. تفصيلًا في رواية الآخر..ثم يأتي السؤال الذي يُربك كل شيء، ماذا تعني إتفاقية في زمنٍ لم تتوقّف فيه الحرب؟ في هذا الإطار، يُشير توماس شيلينغ Thomas Schelling، أنّ التفاوض يحتاج إلى ما هو أبعد من البنود. يحتاج إلى الثقة، وإلى التزامٍ يمكن البناء عليه.
لكن، كيف تُبنى الثقة، والسلاح ما يزال يتكلّم؟ وكيف يُصدَّق توقيع، فيما خيار التصعيد حاضر دائمًا؟ هنا، لا تكون المشكلة في النص، بل في البيئة التي وُلد فيها. وبذلك نجد، أنّ أي اتفاقٌ يُوقَّع تحت النار، لا يُختبر في لحظة هدوء، بل في أول ارتدادٍ للعنف. وهكذا، لا يصبح الاتفاق حلًّا، بل احتمالًا مؤقتًا. فنغدو أمام اتفاق هش بما يكفي لينكسر.. وسريع بما يكفي ليُستبدل عند أول اختبار حقيقي.
أخيرًا، ليست الطاولة مساحةً محايدة. إنّها حقلٌ كامل، تُوزَّع فيه القوة قبل أن تُقال الكلمات. وهنا نستحضر بيار بورديو Pierre Bourdieuانّ التفاوض لا يحدث في فراغ، بل داخل موازين غير متكافئة من النفوذ، والرمز، والقدرة على التأثير. فهناك من يدخل محمّلًا بالقوّة، ومن يدخل مثقلًا بها. .. ففي زمن الحرب يتضخّم هذا الفارق، ولا يعود تفوّقًا في السلاح فقط، بل في الصورة، وفي الخطاب، وفي القدرة على فرض ما يبدو طبيعيًا. . هكذا، لا تُفرض الشروط بصيغة الأمر، بل تُقدَّم كإتفاق، ولا تُقدّم كهيمنة، بل كحلّ.
لكن، خلف هذا الغطاء، تبقى الحقيقة كما هي: اختلالٌ في الحقل، يُترجم إلى اختلالٍ في النتيجة. وما يُوقَّع على الطاولة، ليس سوى انعكاسٍ لقوةٍ سُبقت بها الكلمات.
كيف تُصاغ الهزيمة..
حين تتحوّل المفاوضات في زمن الحرب إلى آليةٍ لإعادة توزيع الخسارة، بدلاً من تعبيد الطريقٍ للخلاص.. يُصبح السؤال هنا ليس: لماذا يتفاوضون؟ بل: لماذا يخسر الأضعف… كلما تفاوض؟
في كثير من الأحيان، نسمع النعمة المعتادة، إذ يُقال إنّ هذا المسار يتم برعاية دولية أو تحت غطاء دولي، مع ذلك، نجد أنّه نادرًا ما يكون محايدًا. فهو يميل حيث تميل موازين القوّة، ويُسرّع القرار، حيث يضعف الطرف الأكثر هشاشة. أما الأخطر، فهو أنّ التفاوض نفسه قد يتحوّل إلى أداة حرب، وليس بديلًا عنها، بل امتدادًا لها بشكلٍ آخر.
يُستخدم التفاوض أيضًا، لتهيئة المشهد، ولإعادة التموضع، أو حتى لفتح الطريق أمام تصعيدٍ أكبر. هكذا، لا تكون الطاولة نهاية المعركة، بل فصلًا آخر منها. في هذه الحال، نجد أنفسنا أمام أسئلة تفرض حضورها: هل نحن أمام تفاوضٍ يوقف الحرب، أم أمام حربٍ تُدار بلغةٍ أكثر هدوءًا؟ وحين يغيب الزمن، يختلّ التفاوض.
في الحرب، الوقت لا يمرّ، بل ينحاز.. ينحاز ضدّ الأضعف. وكل يوم تأخير، خسارة. وكل لحظة انتظار، كلفة إضافية. وهنا، لا يعود السؤال: متى نفاوض؟بل، إلى متى يمكننا أن نصمد؟ تحت هذا الضغط، لا تُختار الشروط، بل تُقبل. لا لأنّها عادلة، بل لأنّها المتاحة. المفارقة الأكبر، إنّ التفاوض تحت النار لا يُضعف الأقوى، بل يمنحه ما يريد بصيغةٍ رسمية. فهو يفرض شروطه بهدوء، ويستخدم الزمن سلاحًا، ويحوّل الاتفاق إلى شهادة شرعية لنتائج الميدان. عندها، لا تعود الطاولة مساحة حوار، بل امتدادًا صامتًا للمعركة.

- التفاوض تحت النار يُدير الخسارة ولا ينتج سلامًا
ماذا لو لم يكن التفاوض طريقًا إلى السلام… بل الوجه الآخر للهزيمة؟ في لحظات الاشتعال القصوى، حين يضيق الوقت وتثقل الكلفة البشرية، لا تدخل الدول إلى طاولة التفاوض لأنّها اختارت ذلك، بل لأنّها لم تعد تملك ترف الاختيار. هناك، تحت ضغط الميدان، لا يُقاس التفاوض بما يُقال، بل بما فُرض قبل أن يُقال.
في غياب التوازن، لا تجلس الدولة على الطاولة بوصفها فاعلًا حرًّا، بل كطرفٍ يُفاوض بحدود جراحه. تُقدَّم التنازلات لا لأنّها مقبولة، بل لأنّها الممكن الوحيد. فتتحوّل الاتفاقيات من كونها عقودًا متكافئة، إلى نصوص تعكس ما أفرزته المعركة، وبالتالي، نغدو أمام خرائط قوّة جديدة، ونفوذ مُعاد توزيعه، وسيادة تتآكل بصمت. أمّا الأخطر، فيتمحور حول هذه الاتفاقات التي لا تُنهي الحرب كما نتصوّر، بل تُغيّر شكلها. إذ تنتقل عندها المواجهة من الميدان إلى اللغة، ومن الرصاص إلى البنود، ومن الصراع المباشر إلى هيمنة مُقنّعة. هناك، حيث تُوقَّع الأوراق، لا تُعلن نهاية الحرب، بل يُعاد تثبيتها بطريقة أكثر هدوءًا، وأكثر ديمومة.
إذًأ؛ هل نفاوض لنصنع السلام، أم لنشرعن الهزيمة؟
- المراجع والمصادر
- Encyclopaedia Britannica. (2024). Kargil War.
- Bell, C., & Badanjak, S. (2021). Ceasefires: Stopping violence and negotiating peace. Palgrave Macmillan.
- RAND Corporation. (2020). Lessons from the Kargil Crisis.
- United Nations. (2019). The Stockholm Agreement on Yemen.
- Malhotra, D. (2016). Negotiating the impossible. Berrett-Koehler.
- Fisher, R., & Ury, W. (2011). Getting to yes: Negotiating agreement without giving in (3rd ed.). Penguin.
- Mnookin, R. (2010). Bargaining with the devil: When to negotiate, when to fight. Simon & Schuster.
- Judah, T. (2002). Kosovo: War and revenge. Yale University Press.
- Daalder, I. H., & O’Hanlon, M. E. (2000). Winning Ugly: NATO’s war to save Kosovo. Brookings Institution Press.
- UK Parliament. (2000). Rambouillet negotiations report.
- United Nations. (1999). Security Council meetings on Kosovo. NATO documentation and Kosovo conflict records.
- Raiffa, H. (1982). The art and science of negotiation. Harvard University Press.