أوراق سياسية

ليلة "محو الحضارات"!

post-img

ثريا عاصي (صحيفة الديار)

وعدنا رئيس الولايات المتحدة الأميركية بأنه قرر أن يمحو الحضارة الإيرانية في ليل الثلاثاء 7 نيسان 2026 ، ثم بدل خطته قبل بزوغ فجر الأربعاء، بإعطاء فرصة محدودة بخمسة عشر يوماً للتفاوض بحثاً عن صفقة بين الحضارة "المبغوضة" وعدوها، دون أن يفصح عن نواياه فيما لو لم يتم التوصل إلى الصفقة المنشودة !

مهما يكن فأغلب الظن أن خطة "المحو الحضاري" المشار إليها كانت تتضمن شقين: أحدهما يخص "الحضارة الإيرانية"، بينما يتناول الثاني مصير "الحضارة اللبنانية"، وأن أمر الأخيرة موكول إلى "القيادة الإسرائيلية"، التي يبدو أنها تنفذ ما أوكل إليها، ولا تخشى العواقب التي قد تترتب عن ذلك .

لقد شملت الغارات "الإسرائيلية الكثيفة يوم الاربعاء في 8 نيسان جميع المناطق اللبنانية ، باستثناء الشمال ، واسفرت على ذمة وسائل الإعلام، عن حوالى أكثر من 300 شهيدٍ وألف جريحٍ ناهيك من الدمار الكبير .

يحسن في سياق مداورة هذا "العدوان" في الذهن، ان نذكر أن المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، الذي يتقدم في بلاد الشام منذ بداية القرن العشرين، خطوة بعد خطوة تحت رعاية الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبا الغربية، تخطيطاً وتنفيذاً، يشكل خطراً وجودياً، وبالتالي فهو لا يعني سكان جبل عامل وحدهم، بالرغم من سلوك حكام وزعماء لبنان وغيره من الأقطار في الإقليم، المتمثل في ظاهر الأمر "بغض البصر" عن التوحش الإسرائيلي المتمادي. علماً أن هذا السلوك هو في الواقع، انقياد وتواطؤ إرضاء "لإسرائيل"، هذه مسألة موثقة تاريخياً، أضف إلى أن الحرب الاهلية، أحداثاً ومجازر وتعاوناً بين السلطة وقوات الاحتلال، ارتجعتها أمام الذاكرة .

إذن لم تبدأ الحرب بين سكان جبل عامل من جهة، والمستعمرين "الإسرائيليين" في 7 تشرين أول 2023 ، ولا في 28 شباط 2026، بل في 31 تشرين أول 1948، في بلدة حولا التي ارتكبت فيها عصابات الهاجانا تحت قيادة مناحيم بيغن، تلميذ موسوليني زعيم الفاشية الإيطالية بشهادة "بريمو ليفي"، فهذا الأخير ذاق مرارة معسكرات التطهير العرقي اثناء الحكم النازي في المانيا .

ما نود قوله هو أن ما تريده "إسرائيل" في لبنان، هو ليس في الوقت الحاضر أقل من منطقة جبل عامل، "الذي يشرف على عكا ويطل على الأردن ويمتد بعنقه نحو طبريا"، ويحده شمالاً نهر الأولي، بعد إخلائها من سكانها . أما مقاومة العامليين فلقد كانت متواصلة، واتخذت هويات مختلفة، عروبية، فلسطينية، حزبية، ودينية، تناوبت يا للأسف، هوية حلت مكان هوية، دون أن تتضامن فيما بينها .

ينبني عليه أن المشكلة بالنسبة "للإسرائيليين" من وجهة نظرنا هو وجود المقاومة هذا من ناحية، أما ناحية ثانية فلا مفر من الأخذ بعين الاعتبار أن متغيراً أساسياً ظهر في زمن الأحادية القطبية و"العولمة" في سنوات 1980، تجسد في امتلاك الولايات المتحدة الأميركية، الطرق الكفيلة بإخضاع "سلطة الحكم" في كثير من الدول، وإجبارها على الامتثال لأوامرها ، تحت تهديد "العقوبات الاقتصادية" و"الثورات الملونة والربيعية "، وصولاً إلى "الحرب من أجل إسقاط النظام". نجم عنه في بعض البلدان انهيار الدولة ومؤسساتها الدستورية، وتفكيك مجتمعاتها الوطنية، وتقسيم ترابها الوطني. لبنان نموذجا، حيث ينصح مبعوث أميركي بضم شماله إلى سوريا، ومبعوث أميركي آخر يجعل موقعه على خريطة "إسرائيل الكبرى".

نأمل أن تساعد هذه التوطئة في إيصال رأينا حول المجزرة التي ارتكبتها السلطة الإسرائيلية يوم الاربعاء في 8 نيسان ، كون الغاية الرئيسية منها تعميق الانفصام بين سلطة الحكم في لبنان المرتهنة للولايات المتحدة الأميركية من جهة، والمقاومة الوطنية من جهة ثانية ، وانعكاس ذلك عداوة بين هذه السلطة وبين الدولة الإيرانية التي تتصدى منذ انتصار الثورة الإسلامية في سنة 1979 وإلى يومنا هذا دفاعاً عن استقلال بلادها، لمحاولات ترويضها وتطويعها في خدمة المصالح الأميركية خاصة والأوروبية عامة . إن تحالف المقاومة الإيرانية والمقاومة اللبنانية، ضد تحالف المستعمرين، ضرورة استراتيجية، عمدها اللبنانيون امس بدمائهم، فلا حرج في القول أنه إذا انتصرت إيران انبعث الأمل بالتحرير، اما إذا تراجعت وانهزمت استولى الإسرائيليون على جبل عامل!

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد