ربى ابو فاضل (صحيفة الديار)
مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ اختار كثير من اللبنانيين النازحين العودة إلى مناطقهم رغم أن العديد منها لم يعد صالحا للحياة هذه العودة لم تكن مجرد قرار اقتصادي أو جغرافي بل تحولت إلى خيار وجودي عميق مرتبط بالأرض والهوية والذاكرة وإلى فعل مقاومة صامتة مقاومة الفقد ومقاومة المحو ومقاومة فكرة أن الأرض يمكن أن تترك نهائيا.
أكبر موجة نزوح في تاريخ لبنان الحديث
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الحرب الإسرائيلية على لبنان تسببت بإحدى أكبر موجات النزوح في تاريخ البلاد الحديث طالت الجنوب والبقاع وامتدت أيضا إلى ضواحي بيروت ومحيط العاصمة حيث اضطر نحو مليون شخص إلى مغادرة منازلهم تحت القصف والتهديد خلال فترة قصيرة جدا لم تتجاوز الأسابيع فيما سجل أكثر من 1.2 مليون نازح داخليا توزعوا على مناطق أكثر أمانا في الداخل أي ما يقارب 20% من السكان.
بدافع قوي من الانتماء والأمل ورغم الخوف من تجدد العدوان تتواصل عودة النازحين إلى منازلهم في مشهد يختصر تناقض اللحظة هناك، تتداخل صور الحياة والموت في آن واحد عائلات تنصب خيما فوق أنقاض منازلها وآخرون يباشرون بإزالة الركام بأيديهم لإعادة ما يمكن إنقاذه من الذاكرة فيما الأطفال يلعبون بين الحطام كأنهم يعيدون تعريف المكان من جديد.
الأرض لنا ... لن نترك أرضنا مجددا
المشهد على الأرض بالغ القسوة إذ بدت قرى كاملة في الجنوب مدمرة فيما تحولت آلاف المنازل إن في الجنوب أو الضاحية إلى مبان غير صالحة للسكن فيما انهارت شبكات المياه والكهرباء بشكل شبه كامل، يؤكد أحد العائدين أنه عند وصوله الى بلدته لم يتعرف إلى المنطقة بعدما غير الدمار ملامحها "البيوت راحت الطرق تغيرت بس مع هيك رجعنا نصبنا خيمة حد الأرض لأنو ما فينا نتركها هون كل شي إلنا" ومن الضاحية الجنوبية تروي لميس عودتها إلى حياة لا يمكن أن تبدأها في مكان أخر "رجعنا على بيت مكسر والحي نصه مهدم بس أول ليلة نمنا فيها هون حسيت إنو رجعنا نعيش ولن نترك أرضنا مجددا".
وبحسب بيانات الأمم المتحدة أدى العدوان الاسرائيلي إلى تضرر واسع في البنية السكنية حيث دمر أو تضرر بشكل كامل أكثر من 40 ألف منزل في الجنوب فيما أصبحت آلاف المنازل الأخرى غير صالحة للسكن كما امتد الدمار إلى قرى حدودية كاملة في مناطق النبطية وبنت جبيل ومرجعيون إضافة إلى قرى على طول الشريط الحدودي حيث وصفت الأضرار بأنها شبه شاملة فيما بدت بعض القرى وكأنها أُزيلت عمليا من الخريطة نتيجة حجم التفجيرات الجوية والعمليات البربرية التي طالتها.
البقاء كخيار مقاومة
ورغم هذا المشهد القاسي لم يكن النزوح كاملا فقد اختارت عائلات كثيرة البقاء في قراها خصوصا في بعض البلدات ذات الغالبية المسيحية مثل رميش القليعة ودبل وعين ابل حيث تحول البقاء نفسه إلى شكل من أشكال المقاومة وإلى تعبير مباشر عن التمسك بالأرض رغم كل ما يهددها هؤلاء لم يغادروا لا لأنهم لم يخافوا بل لأنهم اختاروا البقاء كخيار صمود يومي حتى في ظل انعدام مقومات الحياة الأساسية مؤكدين تمسكهم بأرضهم بعبارات تختصر كل المعنى "الأرض مش خيارالأرض قدر وإذا تركناها منكون خسرنا كل شي".
ولم يقتصر ثمن هذا التمسك على الحجر فقط بل طال البشر ففي بلدة القليعة ارتقى كاهن الرعية الأب بيار الراعي نتيجة قصف استهدف البلدة، في لحظة تختصر قسوة الحرب ومعنى البقاء في آن معا لم يكن مجرد ضحية عابرة، بل تحول إلى رمز حي لأناس اختاروا عدم مغادرة أرضهم حتى في وجه الخطر مرددين كما قال هو "باقيين… باقيين… باقيين" فدفعوا ثمن هذا الخيار من حياتهم.
فبين الركام والرماد يثبت اللبناني مرة جديدة أن الأرض لا تترك وأن الانتماء لا ينكسر مهما اشتدت المآسي فالحياة رغم كل ما يصيبها من دمار لا تمحى، بل تعود لتنبض من جديد.