حين يستهلك الغرب «آسيا»، يستهلكها في الغالب عبر نافذتين: الأنيمي الياباني والدراما الكورية. ومن خلفهما تقع حضارة أسّست الكتابة التي دوّنت بها اليابان قرونها الأولى، ورسّخت الفلسفة التي بنت عليها كوريا هياكل حكمها، وأنتجت الفنون والطهو والتقاليد الطقوسية التي صارت مرجعًا لشرق آسيا بأكمله.
في عصر سلالة تانغ تحديدًا، أرسلت اليابان بعثات دبلوماسية رسمية إلى الصين لاستيراد الكتابة والبوذية والهندسة المعمارية ونظم الحكم والفنون، وفعلت كوريا الشيء نفسه. هذه الحضارة نفسها، اليوم، تحضر في المخيلة الغربية، تهديدًا يُحذَّر منه أو لغزًا يُستغرب، محجوبةً خلف أقنعة متعاقبة عن مكانتها الحقيقية.
هذا التناقض ليس مصادفة تاريخية، ولا نتاج تفوق ثقافي ياباني أو كوري تلقائي؛ إنه نتيجة هندسة ممنهجة سبقت الأنيمي والكي-بوب بعقود، وتضرب جذورها في الحرب الباردة ولا تزال تُنتج مفاعيلها حتى اليوم. ولا يقتصر هذا الاستهلاك على الغرب؛ صارت نسبة واسعة من الجمهور العربي، في فئاته الشبابية تحديدًا، تستهلك الثقافة الآسيوية عبر النافذتين اليابانية والكورية نفسهما. يعني ذلك أن التراتبية التمثيلية التي أرستها واشنطن تُشكّل اليوم الوعيَ العربي بـ«آسيا» بالأثر نفسه الذي تُشكّل فيه الوعيَ الغربي، وتُبقي الصين في هامشه.
من قرر كيف تبدو آسيا؟
يكمن وراء هذه المعطيات سؤال جوهري سياسي في طبيعته، يُلبَس في الغالب ثوبًا ثقافيًا: من الذي قرر أن تكون اليابان وكوريا الجنوبية الوجه «الحداثي المقبول» لقارة تضم أكثر من أربعة مليارات إنسان؟ يميل كثيرون إلى إرجاع الإجابة إلى جودة المنتج الثقافي أو إلى عبقرية التسويق الياباني والكوري. يقصر هذا التفسير عن استيعاب البنية الكاملة. المنتج الثقافي لا يجد طريقه إلى الانتشار العالمي من تلقاء نفسه؛ يحتاج إلى بنية تحتية تحمله، ومنصات تُروّج له، وإطار سياسي يجعل استقباله ممكنًا. وتأمّنت هذه العناصر الثلاثة لليابان وكوريا الجنوبية في سياق استراتيجي مدروس، لا عفوًا ولا بمحض ما أنتجته الثقافة وحدها.
البنية التحتية للحرب الباردة
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حاجة أيديولوجية ملحّة: صناعة نموذج آسيوي مضاد للنموذج الشيوعي الصيني الصاعد. اليابان وكوريا الجنوبية كانتا الموقعَين الأنسب جغرافيًا وسياسيًا لهذا الدور. طال الاستثمار الأميركي الفضاءَ الثقافي بصورة مدروسة، إلى جانب إعادة البناء الاقتصادي التي أُعيد بها تشكيل البنية التحتية لكلا البلدين.
فتحت هوليوود أبوابها للسينما اليابانية في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، وأسهمت في بناء صورة «اليابان الجديدة»: المُسالِمة، المُحدِّثة، الشريكة. كانت هذه الصورة ضرورة سياسية لا أقل من ذلك؛ إذ يصعب تبرير الوجود العسكري الأميركي في بلد محتل من دون منحه وجهًا إنسانيًا مقبولًا في الوعي الغربي.
حين صعد النجم الكوري الجنوبي لاحقًا، وجدت الموجة الكورية، المعروفة بـ«الهاليو»، منصات غربية مفتوحة لأن سيول كانت أصلًا داخل المنظومة الأمنية الأميركية، تستضيف قواعد عسكرية وتوقّع معاهدات دفاعية وتُنسّق سياساتها مع واشنطن.
لا يُشكّل وجود بروس لي وجاكي شان وجيت لي وسواهم في هوليوود استثناءً عن هذه القاعدة. هوليوود استقبلت الوجوه الصينية، لكن دائمًا في إطار ضيق: الأكشن والفنون القتالية وإبهار الحركة. ما لم يحدث قط هو أن تُفسح هوليوود المجال لسردية ثقافية صينية كاملة تبني عوالم يتماهى معها الجمهور الغربي، على غرار ما فعلته مع الأنيمي الياباني والدراما الكورية.
آلية المنصات.. الخوارزمية في خدمة التمثيل
في المرحلة الرقمية، صار الاحتكار التمثيلي يعمل عبر آليات أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا. منصات البث والتوزيع الكبرى، نتفليكس وسبوتيفاي ويوتيوب وسواها، ليست شركات محايدة تتعامل مع المحتوى على قدم المساواة. قرارات الترخيص وبروتوكولات الخوارزميات والاستثمار في الإنتاج المحلي ضخّت المحتوى الكوري والياباني إلى أسواق عالمية واسعة، فيما ظل المحتوى الصيني خارج هذه الدائرة في معظمه. وما يجعل هذه الآلية بالغة الأثر أنها تعمل بمنطق البنية: المنصات الأميركية تخدم مصالح المنظومة الأميركية بصورة طبيعية، من دون أن تحتاج في كل مرة إلى توجيه سياسي مباشر. والمحصّلة واحدة في كلتا الحالتين: يُشكَّل وعي المستهلك العالمي، والعربي في جزء كبير منه، بـ«آسيا» عبر مرشّح ثقافي يُغيّب الصين ويُحضر بديليها.
الإطار الاستشراقي
في موازاة ذلك، جرى تثبيت الصين داخل إطار تمثيلي لم تخرج منه حتى اليوم. مرّت الصورة الغربية للصين بثلاث مراحل متعاقبة تبدو مختلفة في مفرداتها وتؤدي وظيفة واحدة: «الخطر الأصفر» في مطلع القرن العشرين، ثم «الشيوعية المعادية للإنسانية» في سياق الحرب الباردة، ثم «التهديد الاستراتيجي» في الخطاب الراهن. ثلاثة أقنعة لحجب سياسة واحدة: إبقاء الصين في خانة الآخَر المُهدِّد، بعيدًا من موقع الحضارة الشريكة أو المنافس النظير.
اليابان وكوريا الجنوبية نجحتا في الخروج من هذا الإطار الاستشراقي وتحويل صورتهما من «الخطر الآسيوي» إلى «الشريك الحداثي» لأنهما قبلتا بالوصاية الأمنية الأميركية وأدّتا دورًا وظيفيًا في المنظومة.
الصين رفضت هذا الدور، فظل الإطار مُحكَمًا في وجهها. وهكذا صارت الحضارة التي يدين لها شرق آسيا بأبجديته وفلسفته حضارةً «مشكوكًا فيها» في العقل الغربي، فيما تحوّلت استعاراتها وفنونها وطقوسها إلى جزء من المنتج الثقافي الياباني والكوري الذي يستهلكه العالم باطمئنان.
في مواجهة الصورة
من يصل إلى الصين حاملًا صورتها الغربية يجد نفسه أمام مسافة شاسعة بين ما توقّعه وما يراه: مجتمع يتسم بالودّ وروح التعاون الاجتماعي، ومدن تضم مقيمين أجانب من عشرات الجنسيات يدرسون ويعملون ويمارسون حياتهم اليومية في فضاء أكثر تعددية مما تُوحي به الصورة السائدة.
تحضر المرأة بقوة في سوق العمل والفضاء العام، في مستويات تفوق كثيرًا من المجتمعات التي يُقدّمها الغرب نماذج للانفتاح. أما التقدم التكنولوجي، فهو حاضر في الحياة اليومية: في أنظمة الدفع والتنقل والتواصل والبنية التحتية. وتشير مؤشرات الرضا الاجتماعي إلى مستويات مرتفعة في أوساط مختلف الفئات العمرية، في مقدمتها كبار السن، وهم مؤشر نادرًا ما يُدرج في تقييمات الأنظمة، وحضوره وفاعليته دلالة على عمق العقد الاجتماعي.
اللغة حاجزًا؟
من التفاصيل الدالة في هذا السياق ما جرى لتمثيل اللغة الصينية في الوعي الغربي والعربي. صُوِّرت على مرّ السنوات باعتبارها نظامًا شبه مستحيل التعلم، معقدًا إلى حد الإحباط. وفي المقابل، سُوِّقت اليابانية والكورية جزءًا من التجربة الترفيهية: الأنيمي علّم الشباب الغربي والعربي على حد سواء مفردات يابانية وعبارات يومية، والكي-بوب فعل الشيء نفسه بالكورية وجعل تعلّمها ظاهرة ثقافية شعبية امتدت من سيول إلى القاهرة وبيروت وتونس.
أُبقيت اللغة الصينية في خانة الغرابة المُربكة التي تمنع الاقتراب، فيما تُثبت التجربة الفعلية لكثير من متعلميها أن كثيرًا مما قيل عن صعوبتها مبالغ فيه إلى حد بعيد. تعويق تعلّم لغة ما هو تعويق للتواصل الثقافي المباشر، وحماية الصورة المسبقة من أي مراجعة تأتي بها المعرفة. وهذا بحد ذاته سياسة، حتى حين لا يُعلَن عنها.
الاحتكار والمفارقة الكبرى
في المشهد الراهن، ثمة معطى يكشف طبيعة الصراع بوضوح أكبر مما تفعله أي وثيقة سياسية. الصين ثاني أكبر سوق لهاتف آيفون في العالم، وسلاسل المطاعم والمقاهي الغربية تفتح فروعها في مدنها بلا عوائق تُذكر. ما تُنتجه الأسواق الغربية يجد طريقه إلى المستهلك الصيني بيُسر وبلا ضغائن ظاهرة. المعادلة تتبدل حين يسير المنتج في الاتجاه المقابل.
حين صارت شركة هواوي الصينية الرائدةَ عالميًا في معدات الاتصالات وبنية الجيل الخامس، أصدرت إدارة الرئيس دونالد ترامب عام 2019 قرارًا بإدراجها على القائمة السوداء، قطع عنها إمكانية الوصول إلى الرقائق الأميركية وخدمات غوغل وتراخيص البرمجيات.
المبرر الرسمي كان أمن المعلومات، من دون تقديم دليل موثق على اختراق واحد. وحين أنتجت الصين تيك توك، أول منصة تواصل صينية وصلت إلى العالمية، واجهت حملة مماثلة انتهت بفرض بيع نسبة من الشركة في الولايات المتحدة. النمط واحد في الحالتين: شركة صينية تبلغ موقع القيادة الفعلية في قطاعها، فتتحرك واشنطن.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو الارتباك الأميركي في التعامل مع الصين أعراضًا لأزمة مفاهيمية لا مخرجًا من سياسة ناضجة. واشنطن تتأرجح بين خطاب المنافسة وخطاب العداء، وبين الفصل الاقتصادي والاعتماد المتبادل الفعلي، من دون أن تمتلك إطارًا يستوعب الصين على حقيقتها: حضارة تستهلك ما ينتجه الغرب بحرية تامة، وتبني في الوقت نفسه بديلها الخاص. هذا النوع من المنافسة يعجز عنه الخطاب الأميركي القائم على ثنائية الحليف والخصم، لأن الصين لا تنتمي إلى أي من الخانتين بالمعنى الكلاسيكي.
من يملك السردية
ما طُرح في هذه المقالة ليس دعوة إلى إعادة كتابة التاريخ الثقافي الياباني أو الكوري، ولا تشكيكًا في أصالة ما أنتجته هاتان الثقافتان من إبداع حقيقي. ما يستحق التأمل هو السؤال التالي: من يملك حق تعريف «آسيا» في الوعي العالمي، ومن يُقرِّر أي حضارة تحضر فيه إرثًا إنسانيًا يُحتفى به وأيّها تبقى في خانة التهديد؟
طالما ظلت سردية الصين في يد غيرها، فإن كل ما تفعله سيُقرأ بعيون من يخشاها. تعي بكين هذه المعادلة، وتتحرك على وقعها باستراتيجية متصاعدة في ميدان الثقافة الشعبية: دراما تجد طريقها إلى أسواق آسيوية وعربية وأفريقية، وفي طليعتها اليوم الدراما القصيرة التي تنتشر عبر تيك توك بحلقات لا تتعدى الدقيقتين أو الثلاث، وصارت ظاهرة جماهيرية متصاعدة تتخطى الحواجز اللغوية وتصل إلى ملايين المشاهدين ممن لم يسبق لهم الاحتكاك بأي منتج ثقافي صيني، والأهم أنها تصل إليهم عبر المنصة نفسها التي حاولت واشنطن حظرها، مما يجعل تيك توك قناة توزيع ثقافي صيني فوق كونه ساحة معركة تقنية.
موسيقى تُنتَج وفق معايير الذائقة العالمية من دون أن تتخلى عن هويتها، فتُستمع إليها في الفضاء الرقمي بالأذن نفسها التي تستقبل البوب والإلكترونيك والهيب هوب في أي عاصمة، لا تحتاج إلى مفتاح ثقافي خاص، ولا إلى وساطة أيديولوجية لاستيعابها. إلى ذلك، صناعة نجوم ومشاهير صِيغت هوياتهم العامة لتحمل ملامح الصين التي تريد بكين أن يراها العالم، وتوظيف فن الكونغ فو رمزًا حضاريًا يُختزل فيه الانضباط والعمق الفلسفي والانتماء إلى تراث إنساني متجذر.
في الحرب على الذائقة الشبابية تحديدًا، تشق شخصيات ترفيهية محلية طريقها إلى الأسواق العالمية، دمية «شوشو» نموذجًا، في مجال ظل حكرًا على الإبداع الياباني منذ عقود. وفي ما هو الأكثر غرابةً وإدهاشًا في هذا المشهد، أتقنت الصين ما لم تُتقنه حضارة معاصرة أخرى: تحويل الآلة إلى أداة جذب ثقافي.
روبوتات بشرية الشكل تتراقص في المعارض وتعمل في المطاعم وتملأ منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع تُحصد بملايين المشاهدات عبر القارات والثقافات. الدهشة التي تُثيرها ليست تقنية خالصة؛ إنها جمالية أيضًا، في الحركة والإيقاع والانسجام. وأن تتحول الآلة الصناعية إلى حاملة للجمال وصانعة للاندهاش الجماهيري، هذا ما لا يقدر عليه كل من امتلك مصنعًا.
تنمّ هذه التحركات عن إدراك بأن المعركة الحقيقية تدور في ساحة المخيلة الشعبية والذائقة اليومية بعيدًا من قاعات التفاوض الدبلوماسي. وما أُرسي بهندسة يمكن أن تُفككه هندسة أخرى.