اوراق مختارة

الجنوبيون يعودون إلى أرضهم كعادتهم

post-img

زينب بزي (صحيفة الأخبار)

«يعبرون الجسر في الصبح خفافاً»، هكذا كان حال العائدين إلى الجنوب في اللحظات الأولى للهدنة. فرغم التحذيرات الأمنية، وحال الجسور التي قُصفت، والخراب الذي يعمّ القرى الجنوبية بسبب الوحشية الصهيونية، جمع الأهالي أمتعتهم وتوجّهوا جنوباً. لم تكن حالات فردية، فالصور والمشاهد الكثيفة الواردة من البلدات كانت كفيلة بشفاء بعض الندوب التي خلّفتها الحرب. توجّهوا، كلٌّ إلى قريته وبيته، ولو كان ركاماً. هناك وقفوا، وأثبتوا أنّ الأرض لأصحابها، وأنّهم لو فُرشت لهم القصور خارجها، سيعودون.

«هلأ رجعت اتنفس»، تقول الشابة فرح يونس ابنة بلدة كوثرية السياد التي توجّهت منذ الصباح إلى قريتها. وعن وضع رحلة العودة، تشرح أنّ الطريق لم يكن صعباً والزحمة كانت محتملة. وتؤكد أنّهم باقون في أرضهم ما بقي الزعتر والزيتون، «أنا ما كنت حتى عم اتنفس ببيروت».

أمّا الشاب جميل كوراني، فكان من أوائل العائدين إلى ياطر. لا لشيء، سوى ليزور والده الشهيد وديع الذي ارتقى في الحرب الماضية. يروي جميل الذي توجّه مع شقيقه على الدراجة النارية عند السادسة صباحاً أنّهما شقّا طريقهما بصمتٍ يليق بعزّتهما، رغم كل ما كان ينتظرهما من طرقات مقطوعة وممرّات بالكاد تُرى. عند القاسمية، لم يكن العبور متاحاً بسهولة، فمرّت السيارات واحدةً تلو الأخرى. يغامران بين الفتحات الضيّقة، غير آبهيْن بالمخاطر. ومن جهة برج رحّال، لم يكن الطريق أفضل حالاً، إذ لم يبقَ منه سوى مسافة ضيّقة بالكاد تتسع لدراجة، ومع ذلك، مرّا. كانا يعودان كما يليق بأهل الجنوب: بعزّة وكرامة، يتقدّمهما إصرار لا ينكسر.

في المقابل، تروي ابنة جبشيت زينب بهجة أنّهم انطلقوا إلى البلدة بعد صلاة الفجر. وفي حديث لـ«الأخبار» تقول: «بس وصلت نزلت بالساحة بس ما في ساحة أصلاً، رجعت نزلت عالجامع، الجامع كله بالأرض وهو كان مقصداً لأهالي القرى للصلاة يوم الجمعة، كان شي كتير محزن». وتضيف أنّها لم تستطع البكاء في البداية، رغم أنّ «القلب كان عم ينعصر»، فتابعت السير في أرجاء الضيعة، وسط غبار كثيف ورائحة دخان، قبل أن تمرّ قرب شجرة ياسمين «بتنسم عليكي، بتحسي إنك بالضيعة عن جد». وتختم بأنّ اللحظة الأصعب كانت في الجبانة، حيث كان قد ووري الثرى ابن عمها إثر ارتقائه في الحرب في غيابهم.

طريق العودة إلى طورا كان مشابهاً. تقول بتول إنّها انطلقت وعائلتها عند التاسعة صباحاً، لتسلك مع الآخرين طرقاً بديلة تحت ضغط الإقفال والزحمة. وتروي: «وصلنا عالرميلة ومشينا خط بحري، وبس وصلنا عالنبي ساري مشينا عالأوتوستراد عكس السير»، مشيرةً إلى أنّ السير كان مُقفلاً بالكامل في الاتجاه المقابل، حيث السير متوقّف بسبب العبور البطيء عند القاسمية سيارة تلو الأخرى. وتضيف أنّهم تابعوا حتى أوتوستراد برج رحّال حيث أبلغهم الجيش أنّ الطريق يحتاج إلى نحو ساعتين لفتحه، «فنزلنا من تحت عن طريق القاسميّة حد النهر، وبعدين مرقونا من قلب البساتين». وتؤكد أنّ الزحمة كانت موجودة ولكنّ السير لم يتوقف، وقد استغرقت الرحلة بمجملها نحو ساعتين.

«دخيلك يا الله، شو هالـ جبل عامل هيدا»، بهذه الكلمات يحاول محمد دهيني وصف شعوره بالعودة إلى الجنوب. وعن شعوره لحظة وصوله إلى قريته الخرايب: «مثل الولد اللي فطموه ورجعوا رجعوه على صدر أمه»، في تعبير مكثّف عن إحساس «الانسلاخ والعودة»، مشيراً إلى أنّ كل شيء في الجنوب «من لحم ودم، حتى الحجارة».
على هذه الأرض لا تُقاس العودة ببقاء البيوت أو بسلامة الطرق، بل بتلك العلاقة مع التراب، مع النبات، حتى مع الروائح. وهذا ما يفسّر لماذا، رغم كل ما مرّ، يعودون إليه دائماً… لا لأنهم قادرون فقط، بل لأنهم لا يستطيعون إلا أن يعودوا.

إذاً هو يوم من أيام الله فعلاً. يوم العودة التي انتظروها طويلاً. وها هم الأحبة قد عادوا إلى الديار بهامات مرفوعة، أعزاء كما كانوا، وكما هم، وكما سيبقون. ها هم أشرف الناس، وأكرم الناس، وأطهر الناس يعبرون النهر والجسر المُدمّر والقرى الحزينة ليعودوا إلى ما يشبههم. إلى تراب يعرف أسماءهم، وأبواب تحفظ خطاهم، ونوافذ ما زالت تنتظرهم. يعبرون بثباتٍ لا يشبه إلّا يقينهم، يحملون بقايا البيوت في قلوبهم، ويزرعون خطواتهم فوق الركام كأنهم يرمّمون الأرض بالمشي عليها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد