كريم حداد/ جريدة الأخبار
ليس كلّ تحوّل في النظام الدولي يُعلن عن نفسه بضجيج المعارك الكبرى أو بتبدّل التحالفات الرسمية. أحيانًا يتسرّب التغيير من مفصلٍ صغير ظاهريًا، لكنه حاسم في بنيته: ممرّ بحري، عقدة طاقة، أو نقطة اختناق في سلاسل الإمداد. ما جرى في مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة ليس حادثًا عابرًا في حرب إقليمية، بل لحظة تأسيسية تكشف أنّ النظام الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب الباردة يترنّح، وأنّ مفهومًا جديدًا للقوة آخذ في التشكّل؛ قوة لا تُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو عدد حاملات الطائرات، بل بالقدرة على التحكّم بموثوقية التدفق نفسه: تدفّق الطاقة، والتجارة، والوقت.
لعقود، بُنيت الهيمنة الأميركية على معادلة تبدو بديهية: الولايات المتحدة لا تسيطر على كلّ مكان، لكنها تمنع الآخرين من السيطرة على أمكنتهم. تهيمن على نصف الكرة الغربي، وتمنع الصين من فرض هيمنة كاملة على شرق آسيا، وتكبح روسيا في أوروبا. هذه "الهيمنة السلبية" — أي إدارة توازنات الآخرين ومنعهم من الانفراد — كانت كافية لتكريس مركزية أميركية شاملة، حتى دون احتلال مباشر أو إدارة استعمارية تقليدية. وكان الشرق الأوسط، ولا سيما الخليج، الحلقة المفصلية في هذه المعادلة: مَن يضمن تدفّق النفط يضمن إيقاع الاقتصاد العالمي، ومَن يضمن الإيقاع يملك القدرة على التأثير في الجميع.
لكن هذه المعادلة قامت على شرط صامت: أن تكون خطوط الإمداد قابلة للحماية، وأن تكون المخاطر قابلة للتأمين، وأن يبقى "الخطر" في حدوده النظرية. هنا تحديدًا وقع الكسر. فالحرب الأخيرة لم تغيّر خريطة السيطرة الجغرافية بقدر ما غيّرت معنى السيطرة ذاته. لم تعد السيطرة تعني إغلاق المضيق أو احتلاله، بل القدرة على جعل المرور فيه غير موثوق. يكفي أن تتحوّل كل ناقلة إلى مخاطرة، وكل رحلة إلى احتمال خسارة، حتى تنهار الوظيفة الأساسية للممرّ دون أن يُغلق رسميًا. هكذا تُدار القوة في القرن الحادي والعشرين: ليس بالمنع المطلق، بل بتقويض الثقة.
في هذا السياق، برزت إيران بوصفها الفاعل الذي التقط منطق اللحظة قبل غيره. لم تنافس الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا في مقاييسها التقليدية — لا اقتصادًا ولا تسليحًا — لكنها امتلكت ما هو أندر: موقعًا حاكمًا على عقدة لا بديل قريبًا لها، واستعدادًا لاستخدام "التهديد المحدود" بدل الحرب الشاملة. ضربات متقطعة، تهديدات محسوبة، ورسالة واحدة واضحة: يمكننا أن نجعل هذا الشريان العالمي غير قابل للتنبؤ. النتيجة لم تكن إغلاق المضيق، بل ما هو أخطر: انهيار موثوقيته. شركات التأمين رفعت الأسعار أو انسحبت، حركة الشحن تراجعت بشكل حاد، والدول المستوردة بدأت تتصرّف على أساس أنّ الطاقة لم تعد سلعة سوقية فحسب، بل مسألة أمن قومي يومي.
هنا يتبدّل ميزان القوة دون إطلاق رصاصة إضافية. لأنّ حماية كلّ ناقلة نفط على مدار الساعة مهمة مكلفة، مستمرة، وتستنزف الموارد. في المقابل، يكفي الطرف الآخر أن يضرب أحيانًا ليحافظ على مناخ الخطر. هذه هي "لا تماثلية الكلفة": حيث تصبح مهمة الدفاع أغلى بكثير من مهمة الإخلال. ومن هذه الفجوة بالذات تنبثق القوة الجديدة. لم تعد المسألة مَن يملك البحر، بل مَن يستطيع جعل البحر غير آمن.
انهيار النموذج القديم للخليج يتبع هذه القاعدة. في السابق، كان الترتيب بسيطًا: المنتجون يصدّرون، الأسواق تسعّر، والولايات المتحدة تؤمّن الطرق. سمح هذا الترتيب بتعايش المنافسة مع الاستقرار. اليوم، يتفكك هذا التوازن. عندما ترتفع كلفة التأمين ويصبح الشحن مغامرة، تتغيّر حسابات الدول المنتجة والمستوردة معًا. تبدأ العقود بالتحوّل، والمسارات بالتبدّل، والأولويات السياسية بالتكيّف مع الفاعل الذي يستطيع التأثير مباشرة في "موثوقية" التصدير. وهذه القدرة، بحكم الجغرافيا واللحظة، انتقلت إلى إيران.
تداعيات هذا التحوّل تتجاوز الإقليم. آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على طاقة الخليج، تجد نفسها أمام معادلة جديدة: كيف تضمن تدفّقًا مستقرًا في بيئة غير مستقرة؟ الصين، وإن كانت أكثر تنوّعًا في مصادرها، تبقى مرتبطة بالبنية التحتية التي تربطها بالخليج. الهند، اليابان، كوريا الجنوبية — كلها اقتصادات مبنية على تدفّق مستقر للطاقة. أي خلل في هذا التدفق ينعكس تضخمًا، اضطرابًا في العملات، وتقييدًا للخيارات السياسية. ومع الوقت، تتحوّل "الحاجة إلى الطاقة" إلى بوصلة للسياسة الخارجية، تضيق معها مساحات المناورة.
في المقابل، تستفيد قوى أخرى من هذا الاضطراب. روسيا، بوصفها مصدّرًا رئيسيًا للطاقة، تستفيد من ارتفاع الأسعار وتقلبها. الصين تستطيع امتصاص جزء كبير من الإمدادات وإعادة توجيهها ضمن شبكاتها. وإيران، التي تملك موقع العقدة، تحصد نفوذًا يفوق وزنها التقليدي. لا حاجة لتحالف رسمي بين هذه الأطراف؛ يكفي تلاقي الحوافز. عندما تدفع بنية النظام اللاعبين في الاتجاه ذاته، ينشأ "تحالف موضوعي" دون إعلان.
هكذا تتكوّن ملامح نظام جديد: ليس ثلاثي الأقطاب كما كان يُعتقد، بل أقرب إلى رباعي، حيث تدخل إيران كقوة "فوق-إقليمية" ذات أثر عالمي، رغم غياب بعض عناصر القوة التقليدية لديها. ما يمنحها هذا الموقع ليس ما تملكه في داخلها، بل ما تتحكّم به في الخارج: عقدة لا غنى عنها في اقتصاد عالمي شديد الحساسية للوقت والمخاطر.
أمام هذا التحوّل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مفترق حاد. الخيار الأول هو محاولة استعادة السيطرة العسكرية على المضيق. لكن هذا يعني التزامًا طويل الأمد، بتكلفة مرتفعة، في بيئة لا تضمن فيها السيطرة حتى مع التفوق العسكري. لأنّ المشكلة لم تعد في "فتح" المضيق، بل في "ضمان" موثوقيته، وهذا يتطلب حضورًا دائمًا وقدرة على منع أي حادث، مهما كان صغيرًا. في عالم اللامتماثل، هذا هدف شبه مستحيل.
الخيار الثاني هو القبول بترتيب جديد، حيث لا تكون الولايات المتحدة الضامن الوحيد للتدفقات الحيوية. هذا القبول لا يعني هزيمة فورية، لكنه يعني إعادة تعريف للدور والمكانة. يعني انتقالًا من مركزية أحادية إلى تعددية مُقيدة، حيث تتقاسم قوى عدة القدرة على التأثير في مفاصل النظام. وهو انتقال، إن ترسّخ لسنوات، يصبح من الصعب عكسه.
بين هذين الخيارين، يكمن خطر ثالث: إنكار الواقع. حين تُبنى السياسات على فرضيات لم تعد قائمة، يصبح التصعيد بديلًا نفسيًا عن التكيّف. يدخل الفاعل في "فخّ التصعيد"، يصعد درجة بعد أخرى على سلّم لا يسيطر عليه بالكامل، على أمل أن يعيد التوازن القديم. لكن المفارقة أنّ أدوات السيطرة القديمة قد لا تعمل في السياق الجديد. فالتفوق العسكري، الذي كان كافيًا لضبط الممرات، لا يكفي لضبط "التوقعات" و"التأمين" و"الثقة". وعندما تختل هذه العناصر، يتغيّر النظام حتى لو بقيت الخرائط على حالها.
في قلب هذا المشهد، تتبدّى مفارقة أعمق: أنّ النظام الذي بُني على ضمان التدفقات أصبح مهدّدًا من داخل منطق التدفقات ذاته. كلّما ازداد العالم اعتمادًا على سلاسل إمداد دقيقة، ازدادت هشاشته أمام الاضطرابات الصغيرة. وكلّما ارتفعت كلفة الانقطاع، ازدادت قيمة القدرة على التهديد به. إنها لعبة عكسية: القوة لم تعد في السيطرة الكاملة، بل في القدرة على جعل السيطرة مستحيلة أو مكلفة إلى حدّ لا يُحتمل.
من هنا، لا يعود السؤال: مَن انتصر في هذه الحرب أو تلك؟ بل: مَن أعاد تعريف قواعد اللعبة؟ الإجابة تشير إلى أنّ مَن نجح في تحويل مضيقٍ إلى أداة تأثير عالمي، نجح في نقل نفسه من هامش النظام إلى أحد مراكزه. وهذا ما يفسّر لماذا تبدو التحولات الحالية أعمق من مجرد نتائج عسكرية أو سياسية آنية. إنها تحوّلات بنيوية، تمسّ طريقة عمل الاقتصاد العالمي نفسه.
مع ذلك، لا ينبغي اختزال المشهد في حتميات صارمة. فالنظام الدولي، بطبيعته، قابل لإعادة التشكل عبر الابتكار والتكيّف. قد تسعى الدول إلى تنويع مصادر الطاقة، تطوير مسارات بديلة، الاستثمار في التخزين، أو إعادة تصميم شبكات التأمين والشحن. لكن هذه الاستجابات تحتاج وقتًا واستثمارات هائلة، وفي الأثناء يبقى "العنق الضيّق" عاملًا حاسمًا. أي أنّ نافذة التأثير التي فُتحت لن تُغلق سريعًا.
في المحصلة، نحن أمام لحظة انتقالية حيث تتقدّم "سياسة العقد" على "سياسة المساحات". مَن يملك العقدة، يملك القدرة على التأثير في المساحات الواسعة دون أن يسيطر عليها. ومَن يفهم هذه القاعدة مبكرًا، يراكم نفوذًا يتجاوز حجمه. أمّا مَن يتمسّك بقواعد قديمة، فيخاطر بأن يجد نفسه يقاتل حربًا لم يعد موضوعها قائمًا.
بهذا المعنى، ليست المسألة إيران وحدها، بل الدرس الذي تقدّمه: أنّ القوة في عالم مترابط لم تعد تُقاس فقط بما لديك، بل بما تستطيع تعطيله لدى الآخرين. وإذا استمر هذا المنطق، فإنّ النظام الدولي لن يُعاد ترتيبه حول الجيوش والأساطيل فحسب، بل حول نقاط الاختناق والموثوقية. هناك، في تلك المساحات الضيقة التي يمرّ عبرها العالم، تُكتب موازين القوة الجديدة.