غادة حداد/جريدة الأخبار
تقرير جديد يتهم «ميتا» بأنها تعزز المحتوى الإسرائيلي العنيف ومشاريع الاستيطان ضد الفلسطينيين، وجعله أكثر ربحًا وانتشارًا، خصوصًا لدى صفحات مرتبطة بالاستيطان. في المقابل، يُقيَّد المحتوى الفلسطيني ويُستبعد من برامج الربح، ما يخلق تمييزًا رقميًا واقتصاديًا ويعزز انتشار خطاب العنف
شركة «ميتا» تكافئ وتشجّع عنف المستوطنين في الضفة الغربية، عبر السماح لهم بنشر محتواهم التحريضي والعنيف ضد الفلسطينيين من دون رقابة عليهم، كما تؤمن لهم مكاسب مادية مع ارتفاع حجم التفاعل، وهذا ما يسهم في تشجيع وتوسيع كل أشكال الهجمات على الفلسطينيين. في المقابل، يواجه صناع المحتوى الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة تضييقًا على محتواهم، كما إقصاءهم من لائحة الشركة للدول التي تجني الأرباح من حجم التفاعل.
عنف مقابل المال
هذا ما ظهر في تقرير جديد لـ «المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي» بعنوان «التربّح من الاحتلال: كيف تمكّن ميتا ماليًا أنشطة الاستيطان والخطاب العنيف ضد الفلسطينيين» الذي نشر في 13 نيسان (أبريل) الحالي. يكشف التقرير العلاقة بين أنظمة تحقيق الأرباح على وسائل التواصل الاجتماعي، والواقع السياسي في الأرض الفلسطينية المحتلة. ويشير إلى أن أنظمة تحقيق الأرباح لدى شركة «ميتا» تتعدى كونها أدوات محايدة في الاقتصاد الرقمي، لتصبح آليات تُكافئ ماليًا المحتوى الضار، وتُقصي بشكل ممنهج الأصوات الفلسطينية.
يُعرّف التقرير التربّح على أنه نظام تقوم عبره المنصات بتوزيع الإيرادات على صانعي المحتوى بناءً على حجم التفاعل. ويشمل ذلك الأرباح الناتجة من الإعلانات التي تُعرض على الفيديوهات والمنشورات. ففي عام 2024 وحده، أعلنت «ميتا» أنها دفعت نحو ملياري دولار لصنّاع المحتوى، ما يبرز حجم وتأثير هذا النظام. وبما أن الأرباح مرتبطة بالمشاهدات والتفاعل، فإن التربح يشكّل حافزًا قويًا، إذ كلما زاد التفاعل، زادت الأرباح.
تمويل صفحات الاستيطان
يوثّق التقرير نمطًا تسمح عبره «ميتا» لصفحات إسرائيلية مرتبطة باليمين المتطرف والحركة الاستيطانية، بتحقيق أرباح مالية، رغم نشرها محتوى يتضمن تحريضًا وخطاب كراهية وتبريرًا للعنف ضد الفلسطينيين. هذه الصفحات، بحسب التقرير، لا تكتفي بالتواجد على المنصة، بل تحصل على دعم مالي مباشر عبرها. وبالتالي، يتحوّل الخطاب الضار إلى مصدر دخل، ما يشجع على إنتاجه وانتشاره.
في المقابل، يُستبعد صانعو المحتوى الفلسطينيون من برامج التربح التابعة لميتا. إذ يوضح التقرير أنّ فلسطين غير مدرجة ضمن قائمة الدول المؤهلة للإفادة من هذه البرامج، ما يمنع الصحافيين والمؤسسات الإعلامية وصنّاع المحتوى الفلسطينيين من الوصول إلى مصادر دخل متاحة لغيرهم، بغض النظر عن جودة المحتوى أو التزامه بسياسات المنصة. ونتيجة لذلك، لا يقتصر تهميش الأصوات الفلسطينية على الرقابة، بل يمتد إلى الإقصاء الاقتصادي أيضًا.
يتعزز هذا الاختلال عبر ما يؤكده التقرير بأنه ممارسات رقابية تمييزية. فالمحتوى الفلسطيني يتعرّض بشكل متكرر للحذف، وتعليق الحسابات، وتقييد الوصول، خاصة عندما يتناول قضايا سياسية أو يوثق انتهاكات حقوق الإنسان. في المقابل، غالبًا ما يُترك المحتوى العبري، بما في ذلك المحتوى الذي يتضمن تحريضًا أو دعوات للعنف، من دون رقابة كافية. يخلق هذا التفاوت بيئة رقمية يتم فيها قمع رواية معينة، بينما يتم تضخيم أخرى ومكافأتها.
يضع التقرير هذه النتائج ضمن سياق سياسي وقانوني أوسع، مشيرًا إلى تصاعد الاستيطان والعنف من قبل المستوطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة. فقد شهد عام 2025 ارتفاعًا غير مسبوق في عدد المستوطنات الجديدة، إلى جانب زيادة ملحوظة في الهجمات ضد الفلسطينيين. وفي هذا السياق، لا يُعد المحتوى المُسيّل الذي يروّج للاستيطان أو يبرر العنف مجرد خطاب نظري، بل يرتبط بشكل مباشر بواقع ميداني متصاعد.
«ميتا» تناقض نفسها
تتناقض ممارسات «ميتا» مع قواعدها المعلنة، كما يشير التقرير. إذ تنصّ سياسات تحقيق الأرباح لدى الشركة على حظر المحتوى الذي يتضمن عنفًا أو تحريضًا أو خطاب كراهية. ومع ذلك، تظهر الحالات الموثقة أنّ حسابات تنتهك هذه المعايير قد تمت الموافقة عليها للاستفادة من التربح، وتستمر في تلقي الأموال. وهذا يثير تساؤلات جدية حول فعالية وآليات تطبيق هذه السياسات.
كما يقيّم التقرير دور «ميتا» في ضوء القانون الدولي. فوفقًا للمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، تقع على عاتق الشركات مسؤولية تجنّب الإسهام في انتهاكات حقوق الإنسان، وإجراء تقييمات مستمرة للمخاطر، خصوصًا في سياقات النزاعات. ويؤكد التقرير أنّ لا أدلة على قيام «ميتا» بمثل هذا التقييم في الحالة الفلسطينية. وعبر تسييل محتوى مرتبط بالاستيطان والعنف، فقد تسهم الشركة في أفعال غير قانونية، مثل التهجير القسري والإضرار بالمدنيين.
لدعم هذه الاستنتاجات، يعرض التقرير مجموعة من دراسات الحالة، تشمل صفحات مرتبطة بجماعات استيطانية معروفة أبرزها «فتية التلال»، وحسابات لأفراد يروّجون للسياحة في المستوطنات أو يبررون العنف، إضافة إلى شخصيات عامة تنشر محتوى يحتفي بالعمليات العسكرية أو يدعو إلى إجراءات عقابية ضد الفلسطينيين. وفي جميع هذه الحالات، يظهر أنّ الحسابات تحقق أرباحًا عبر برامج «ميتا».
كما يتناول التقرير فئة أخرى من الحسابات التي تنشر خطاب تحريض أو تحتفي بالعنف، بما في ذلك محتوى يسخر من الدمار في غزة أو يدعو إلى سياسات عقابية متطرفة. ويشير التقرير إلى أنّ تسييل هذا النوع من المحتوى يسهم في توسيع انتشاره وتطبيع الخطاب الضار، خصوصًا في أوقات التصعيد.
تكمن الفكرة الأساسية في التقرير في أنّ التربّح يعمل كآلية تحفيز. عبر ربط الأرباح بمستوى التفاعل، تشجع «ميتا» على إنتاج المحتوى الذي يجذب الانتباه، بغض النظر عن تبعاته الأخلاقية أو السياسية. وعندما يصبح المحتوى الضار مصدرًا للربح، فإنه لا ينتشر فقط، بل يتحول إلى نشاط مربح يدفع إلى تكراره.
يرى التقرير أنّ نظام التربّح لدى «ميتا» يسهم في تعزيز عدم المساواة داخل الفضاء الرقمي. عبر دعم أنواع معينة من المحتوى ماليًا واستبعاد أخرى، تخلق المنصة اختلالًا في الظهور والتأثير والفرص الاقتصادية. وتُظهر النتائج أنّ التربّح إلى جانب كونه أداة تقنية، هو عنصر فاعل في تشكيل موازين القوة والسرديات في سياق الصراع، مع آثار تمتد من الفضاء الرقمي إلى الواقع على الأرض.