ربى ابو فاضل (صحيفة الديار)
مع موجات النزوح الواسعة من المناطق التي استهدفها العدوان الإسرائيلي في البلاد تحولت عشرات البلدات والأحياء إلى مساحات شبه خالية ما فتح الباب أمام الاستغلال في ظل غياب أصحابها وضعف الرقابة، هذا الواقع حول المنازل إلى هياكل فارغة بعدما عمدت مجموعات وأفراد إلى خلع الأبواب والنوافذ وتفكيك الألمنيوم والحديد وسرقة كل ما يمكن بيعه.
صدمة العودة تجلت مع بدء بعض الأهالي بالرجوع إلى منازلهم حيث تنكشف صورة أكثر قسوة بيوت بلا أبواب جدران عارية من الأسلاك وغرف فارغة بالكامل ما يجعل السؤال لا يتعلق بمدى نجاة المنزل من القصف بل عما إذا كان قد بقي فيه شيء أصلا.
" ماحدا بيرحم حدا" يقول أحد الأهالي وهو يقف وسط ركام منزله إن الخوف من النهب يدفع الناس للتصرف بدافع القلق لا الحاجة "إذا لم نأخذ نحن ما تبقى سيأتي تجار الخردة ويأخذونه"، مشيرا إلى أن الحديد والألمنيوم وكل ما يمكن تفكيكه أصبح هدفا مفتوحا، في مشهد تغيب فيه الرحمة وتتحول فيه الممتلكات إلى سباق على ما تبقى منها.
ويضيف مواطن آخر"شاحنات "البيك أب" كانت تتردد على المنطقة لجمع الخردة ما دفع الأهالي إلى التصدي لها وطردها ليصبح كل شخص مضطرا لجمع ما تبقى من حديد منزله بنفسه حتى لا يسرقه تجار الخردة " واصفا الواقع بالحماية الذاتية وأشبه بـ"حارة كل مين إيدو إلو"حيث تغيب الدولة والرقابة ويصبح كل فرد مسؤولا عن حماية ما تبقى من ممتلكاته، ولفت إلى أن تجار الخردة باتوا جزءا بارزا من المشهد في ظل الفوضى وغياب الرقابة والتنظيم.
يشار إلى أن سعر طن الحديد يقدر بنحو 200 دولار ما يعكس حجم الإقبال على جمعه وبيعه ضمن سوق الخردة ويزيد من الاستغلال الذي يطاول بقايا ممتلكات المنازل في المناطق المتضررة وفي هذا السياق، يقول أحد المواطنين الذين فقدوا مصدر رزقهم إنه اضطر لجمع الخردة لتأمين قوت يومه بعدما دفعه الفقر وانعدام البدائل إلى هذا الخيار في ظل غياب فرص العمل.
في موازاة ذلك كشفت تقارير إعلامية عن قيام جنود الاحتلال الاسرائيلي بنهب المنازل والمتاجر في الجنوب شملت أجهزة كهربائية وأثاثا ودراجات ومقتنيات شخصية، ووفق الشهادات جرت هذه العمليات بشكل علني وأحيانا بعلم القيادات مع نقل المسروقات في المركبات من دون إخفاء وسط توصيفات بأنها واسعة النطاق ومتكررة.
مصدر حقوقي فضل عدم الكشف عن اسمه أكد أن "هذه الافعال تصنف ضمن السرقة الموصوفة في القانون اللبناني لا سيما في حالات الكسر والخلع واستغلال غياب المالك، وقد ترقى إلى تشكيل عصابة عند توافر التنظيم والتكرار، فيما يعتبر القانون الدولي الإنساني ولا سيما اتفاقيات جنيف أن نهب ممتلكات المدنيين جريمة حرب إذا تم بشكل واسع أو منهجي".
ووفق بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي، أدى العدوان الاسرائيلي على لبنان إلى نزوح أكثر من 1.25 مليون شخص، فيما قدرت الخسائر الاقتصادية الإجمالية بنحو 8.5 مليار دولار، بينها 3.4 مليارات أضرار مباشرة بالبنية التحتية، و5.1 مليار خسائر غير مباشرة مرتبطة بتعطل الاقتصاد المحلي، كما أظهرت تقارير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) إلى تضرر آلاف المباني بشكل كلي أو جزئي في الجنوب والنبطية وفق صور الأقمار الصناعية ما يعكس حجم الانهيار في البنية السكنية وامتداد الدمار إلى ما بعد العمليات العسكرية المباشرة.
بين اللص المحلي وجندي الحرب تبقى الضحية واحدة، إذ يشترك الطرفان في استغلال غياب أصحاب البيوت لتكون النتيجة منازل منهوبة وذاكرة مسروقة وفي المحصلة تتحول البيوت إلى أرقام تقاس بوزن الحديد وكيلو النحاس وسعر الألمنيوم، بينما تتوارى خلف هذه الحسابات الباردة حياة كاملة اختزلت إلى خردة تباع بالكيلو.
ويبقى السؤال من يشتري هذه الخردة؟ ومن يسهل مرورها؟ وهل هناك من يدير هذا السوق أو يستفيد من استمراره؟