عبد الله م. بدوي (صحيفة الأخبار)
حين تصبح المصافحة اعترافًا، يصبح الموقف سلاحًا.
لا يأتي التطبيع دفعة واحدة. لا يطرق الباب باسمه الحقيقي، ولا يعلن منذ اللحظة الأولى أنه يريد جرّ لبنان إلى سلامٍ مع العدو. يأتي بعبارات ناعمة: الواقعية، الضرورة، حماية البلد، وقف الحرب، التفاوض، الانفتاح. ثمّ، خطوة بعد خطوة، تُدفع البلاد من الكلام إلى اللقاء، ومن اللقاء إلى المصافحة، ومن المصافحة إلى الاعتراف، ومن الاعتراف إلى سلامٍ لا يشبه السلام، بل يشبه وضع الرقبة تحت السكين.
ولهذا، فإن العبارة الأدق لما يُحضَّر للبنان اليوم هي: التطبيع مع السكين.
فالسكين ليست صورة شعرية. في لبنان، للسكين ذاكرة. هناك سكين الإرهاب التكفيري التي ذبحت عسكريين لبنانيين وتركت أهلهم في وجعٍ لا يندمل. وهناك سكين الاحتلال الإسرائيلي التي قتلت في الجنوب وغزة، ودمّرت البيوت، واغتالت، وحاصرت، ثم يريد لها رعاتها في واشنطن أن تتحوّل إلى شريكٍ على طاولة تفاوض. وبين السكينين رابطٌ واحد: من ينسى الأولى، يستطيع أن يبرّر مصافحة الثانية.
في واجهة هذا المشهد، تبدو السلطة هزيلة أكثر من أي وقت مضى. رئيس حكومة هبط على البلد من خارج وجعه. لم يأتِ من قاعدة شعبية، ولا من تجربة برلمانية، ولا من تاريخ سياسي لبناني مشرف. جاء من قاعات دولية باردة، من عالم المحاكم والملفات والقرارات التي يعرف اللبنانيون جيدًا كيف تُستخدم كأدوات في يد القوة الأميركية لمعاقبة الخصوم وترويض الدول. نزل إلى رئاسة الحكومة كمن يُنزل بـ«الباراشوت» على بلدٍ لم يعش آلامه، ولم يحفظ رائحة دمه، ولم يسمع صراخ أمهات العسكريين.
قد يجد الرجل لنفسه أعذارًا. لم يكن هنا حين انفجر الإرهاب في اللبنانيين. لم يعش وجع العسكريين المخطوفين والمذبوحين. لم يكن شاهدًا ميدانيًا على تلك المرحلة. قد لا تعني له الذاكرة اللبنانية ما تعنيه لمن عاشها على الأرض. لكن ماذا عن رئيس الجمهورية؟ ماذا عن الذي كان في موقع القيادة العسكرية حين كان دم الجيش اللبناني يُراق على يدي التكفيريين في جرود عرسال؟ ماذا عن الذي كان، بحكم موقعه، وليّ الدم الرسمي لهؤلاء العسكريين؟ كيف يمكن لمن عرف وجع السكين الأولى أن يمدّ يده اليوم نحو السكين الثانية ليصافحها كأنه بلا ذاكرة وكأن شيئا لم يكن؟
المسألة ليست ثأرًا شخصيًا ولا حفلة تخوين. إنها سؤال الدولة نفسها: من أقسم على حماية سيادة الوطن وأمن الشعب، هل يحق له أن يسلك طريقًا يرى فيه كثيرون مدخلًا إلى خيانة السيادة والأمن؟ من يحمل ذاكرة الجيش، هل يملك أن يتصرف كأن دماء عناصر الجيش وقوى الأمن وأمن الدولة الذي لم يجف بعد تفصيلٌ يمكن طيّه عند أول إشارة أميركية؟
في الوعي اللبناني المقاوم، القاعدة بسيطة: المصافحة اعتراف، والموقف سلاح. إسرائيل تعرف ذلك أكثر من بعض أهل السلطة. تعرف أن صورة واحدة قد تفعل ما لا تفعله حرب. ولهذا عندما تقاتل قتالًا مستميتًا للوصول إلى ملعب بنت جبيل؛ فهي لا تبحث عن موقعٍ جغرافي، بل عن صورةٍ تريد بها أن تكسر الوصف الكاشف لحقيقتها، ذلك الكشف الذي حفر عميقًا في الوعي الإسرائيلي، وصار لعنةً تلاحقها منذ أعلن السيد الشهيد حسن نصرالله من هناك أن (إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت).
فإسرائيل تعرف أن جلوس مسؤول لبناني إلى ممثل الاحتلال ليس بروتوكولًا بريئًا، بل كسر نفسي لذاكرة بلدٍ قاوم ودفع دمًا. تريد إسرائيل أن تظهر طبيعية. أن تنتقل من خانة العدو إلى خانة الجار. من موقع القاتل إلى موقع الشريك. هذه هي الجريمة الكبرى: أن يصير القاتل عاديًا.
لكن ما لم يحسب له دعاة التطبيع حسابًا كافيًا هو أن الرفض لم يعد محصورًا بالصورة التي يحاولون تسويقها. ليس صحيحًا أن من يرفض التفاوض والتطبيع هو حزب واحد أو طائفة واحدة أو خطاب قديم. هناك، في عمق المجتمع اللبناني، بداية نواة مدنية مقاومة تتشكل. أصوات من الإعلام، والرياضة، والحقوق، والنقابات، والجامعات، والشارع. لا تحمل السلاح، لكنها تحمل الذاكرة. ولا تصدر كلها عن تنظيم واحد، لكنها تلتقي عند نقطة منطقية حاسمة: لا معنىً لسلام مع الوحش المفترس .
من غسان سركيس إلى راشيل كرم، يظهر هذا المعنى بوضوح. سركيس لم يتكلم بلسان حزب ولا من خلف منبر سياسي. جاء من عالم الرياضة، وقال كلامًا شديد الدلالة: إنه مع المقاومة وخيار المقاومة، وإنه يتمنى لو تُتاح له فرصة الوقوف في الجنوب إلى جانب المقاومين. أهمية كلامه أنه يكسر الأكذوبة التي تقول إن المقاومة شأن طائفة أو تنظيم. هنا رجل من خارج القوالب المعتادة يقول إن الكرامة الوطنية ليست ملفًا حزبيًا.
أما راشيل كرم، فقد أعطت هذا الرفض نبرة مدنية صدامية. قالت، بمعنى الكلام، إن اللقاء مع العدو ليس تفصيلًا، وإن التطبيع ليس رأيًا آخر، وإن الشارع يجب أن يقول كلمته إذا قررت السلطة أن تذهب إلى مصافحةٍ تسقط معنى البلد. أهمية هذا الموقف أنه يأتي من خارج الصورة التي يريد خصوم المقاومة حصر الاعتراض فيها. هو رفض لبناني، مدني، عابر للبيئات، يقول إن لبنان لا يُسلّم لإسرائيل لا فوق الطاولة ولا تحتها.
غزة وحدها تكفي لإسقاط كل أوهام السلام مع هذا العدو. هناك كانت الاتفاقات والوعود والمصافحات. ثم حين اطمأن الاحتلال إلى تفوقه، فعل ما يفعله الوحش بفريسته: قتل الصغير والكبير، هجّر، جوّع، هدم، ومحا أحياء كاملة تحت عين عالمٍ يدعي أنه حر، وهو يتفرج حاليا على محو ذاكرة حضارة كل فلسطين في ظل الاتفاقات المعقودة وبدعم مباشر من رعاتها . فكيف يُطلب من لبنان بعد غزة أن يثق بوعود إسرائيلية أو ضمانات أميركية؟ كيف يُطلب من شعبٍ رأى السكين تقطر دمًا أن يصفّق لمن يمدّ يده إلى حاملها؟
ليست المشكلة أن اللبنانيين لا يريدون السلام. المشكلة أنهم يعرفون الفرق بين السلام والاستسلام. السلام لا يبدأ تحت النار. ولا يُفرض بضغط أميركي. ولا يأتي بعد تجريد الضحية من عناصر قوتها. ولا يُبنى مع عدو لا يحترم إلا من يردعه.
لذلك، قد نكون أمام بداية إطارٍ مدني مقاوم لا اسم له بعد، ولا مكتب، ولا بيان تأسيسي. لكنه يملك المعنى قبل التنظيم. يملك الجملة التي تصلح أن تكون شعار مرحلة: لا للتطبيع مع السكين.
هذه الحركة، إن تبلورت، لن تكون بديلًا عن المقاومة، بل جبهة ذاكرة ومعنى. ستقول إن العدو لا ينتصر فقط حين يحتل الأرض، بل حين يحتل الوعي. وحين يصبح الإسرائيلي “طرفًا” لا قاتلًا، و”شريكًا” لا محتلًا، تكون المعركة قد انتقلت من الحدود إلى الروح.
شعب لبنان متعب، نعم. مكسورٌ اقتصاديًا، نعم. محاصر، نعم. لكنه لم يفقد مناعته الأخيرة، وبالتالي لن يُسلّم قراره لمفرّط . ولن يقبل ابداً بهدر كرامته.
لا يزال فيه من يسمّي العدو عدوًا، ومن يعرف أن قيادةً تنسى دم جيشها لا تحمي شعبها، وأن المصافحة مع الاحتلال ليست بروتوكولًا بل اعترافًا، وليست تفصيلًا بل كسرًا في الذاكرة والسيادة.
وسيظلّ فيه من يقول للسلطة، وللأميركي، وللإسرائيلي: الموقف سلاح، والاستقلال حدٌّ لا يُساوَم عليه، ولبنان لن يمدّ رقبته طائعًا إلى السكين.
وبيننا وبينكم الأيام والليالي والميدان.