اوراق مختارة

بين مرارة النزوح ومعركة البقاء

post-img

ملاك عطوي (صحيفة البناء)

الاحتلال والعدوان سببان رئيسان لمعاناة اللبنانيين، خصوصاً أبناء الجنوب، نزوحاً وفقداناً لمنازلهم وخسارة مصادر رزقهم، فبين تهجيرٍ قسّري وواقعٍ اقتصاديٍّ منهار، يجد هؤلاء أنفسهم أمام معركة بقاء لا تقل قسوة عن أهوال الحرب نفسها، حيث لا مأوى ثابت ولا دخل مستقر، ولا أفق واضح لعودة قريبة تعيد شيئاً من التوازن إلى حياتهم.

محالّ أُقفلت أبوابها، مصانع تعطّلت عن الإنتاج، ومؤسّسات خرجت من الخدمة، مما أدى إلى شلل كامل لدورة الحياة الاقتصادية في الجنوب.

أصحاب الحِرف والمؤسسات الصغيرة خسروا معداتهم ورؤوس أموالهم، فيما تعذّر على آخرين الوصول إلى أراضيهم الزراعية أو متابعة أعمالهم بسبب الاحتلال الصهيوني الذي يدمّر البنى ويجرف الحقول ويحرق المواسم، بما يهدّد المستقبل الاقتصادي للمنطقة بأكملها.

النازحون قسراً، يواجهون تحديات يومية تتراوح بين تأمين الإيجارات المرتفعة في مناطق النزوح، وتكاليف الغذاء والطبابة والتعليم. ومع غياب أيّ مورد ثابت، تتحوّل الحياة إلى سلسلة من الضغوط المتراكمة، تثقل كاهل العائلات وتدفعها أحياناً إلى خيارات قاسية، كالتخلي عن بعض الاحتياجات الأساسية أو الاستدانة لتأمين الحدّ الأدنى من الاستمرار.

وفي وقتٍ يعلّق فيه الجنوبيون آمالهم على تعويضات تعيد لهم الحدّ الأدنى من الاستقرار، لا سيما لإعادة إعمار مؤسساتهم ومصادر دخلهم، تبقى المساعدات التي وصلت حتى الآن محدودة وخجولة، لا تكاد تسدّ الاحتياجات اليومية. الوعود كثيرة، لكن التنفيذ بطيء، ما يفاقم شعور الناس بالإهمال ويزيد من قلقهم حيال قدرتهم على النهوض مجدداً.

حجم الخسائر كبير، وهو ليس مجرد أرقام، بل هو تحدٍّ يتطلب أولاً أن تتحمّل الدولة مسؤولياتها تجاه الجنوب وأهله، وتتصرّف انطلاقاً من الحق المشروع بمقاومة الاحتلال دفاعاً عن الأرض والسيادة، بالتوازي مع إرادة مصمّمة على إعادة الإعمار، من ضمن خطة إنقاذ شاملة تُعيد تحريك عجلة الاقتصاد، وتؤمّن فرص عمل، وتدعم صمود الناس في أرضهم.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تتحوّل المعاناة إلى حافز لتحرّك فعلي وجاد، يمنح الجنوبيين فرصة حقيقيّة لاستعادة حياتهم، ليس كما كانت فقط، بل بما يضمن لهم مستقبلاً أكثر فرحاً وعزاً بما يليق مع عظيم صمودهم وتضحياتهم.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد