أوراق سياسية

«خارطة» إسرائيلية بلا طريق لتفكيك حزب الله!

post-img

يحيى دبوق (صحيفة الأخبار)

صدرت عن مركز أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، ورقة بحثية تتناول سبل نزع سلاح حزب الله في مرحلة ما بعد الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران ولبنان. ويقترح البحث نموذجاً مُدمجاً وتدريجياً لا يقتصر على جمع السلاح، بل يتعدّاه إلى تفكيك البنى العسكرية للحزب، وإعادة دمج عناصره، بالتوازي مع مسار لإعادة بناء الدولة اللبنانية وتعزيز مؤسساتها بإشراف دولي وتمويل خليجي، وبالتزامن مع مفاوضات سلام مباشرة بين لبنان وإسرائيل.

ويقدّم البحث، في جانب منه، تشخيصاً دقيقاً لتعقيدات الواقع القائم، ويعبّر بوضوح عن الهدف الإسرائيلي النهائي: إنهاء تهديد حزب الله ومنع إعادة تشكّله كقوة عسكرية مؤثّرة مستقبلاً. إلا أنّ البحث، عند الانتقال من مستوى التشخيص إلى مستوى التنفيذ، يفقد تماسكه العملي، إذ يعجز عن تقديم مسار قابل للتحقّق، ويكشف، من حيث لا يقصد، عن فجوة واسعة بين ما تريده إسرائيل وما يمكن فرضه فعلياً على الأرض.

ينطلق الباحثون من فرضية أنّ اللحظة الحالية مؤاتية لدفع هذا المسار، مستندين إلى ما يعتبرونه تراجعاً في قدرات حزب الله وإيران بفعل الحرب، وإلى استعداد لبناني - إسرائيلي للذهاب نحو تفاوض مباشر، إضافة إلى وجود الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وما يصفونه بـ«تزايد التأييد الداخلي» في لبنان لفكرة نزع السلاح. غير أنّ البحث نفسه يُقِرّ بأنّ العقبة الأساسية تكمن في طبيعة الحزب المركّبة، ككيان عسكري وسياسي واجتماعي وديني، متجذّر في بيئته، ومرتبط بنيوياً بإيران. وبناءً عليه، لا يكفي جمع السلاح، بل يتطلّب الأمر إعادة صياغة دوره وهويته، وتوفير بدائل فعلية لقاعدته الاجتماعية لإقناعها بأن مستقبلها ليس مرتبطاً بسلاحه. وهذا الإقرار، بحدّ ذاته، يُضعِف فرضية «الظروف المؤاتية» التي ينطلق منها.

أمّا استحالة هذا المسار في المرحلة الراهنة، فتعود إلى أنّ الحرب التي أنهكت إيران ولبنان لم تُنتِج حسماً واضحاً، بل كرّست أن لا فصل بين المسارين. فقد أظهرت إيران، من خلال الصمود العسكري، قدرتها على تثبيت موقعها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية تخصّ لبنان. ومع انتقال المواجهة من الميدان العسكري إلى الكباش الاقتصادي، بإغلاق هرمز وحصار الموانئ الإيرانية، لم يكن ذلك انفصالاً عن ملف حزب الله، بل تأكيداً عليه. فطالما أن المفاوضات مع إيران لم تُحسم، ومع تحوّل الصراع إلى سباق صمود لا يستطيع فيه أي طرف إنهاء الآخر، تبقى الساحة اللبنانية مُعلّقة، ويبقى حزب الله كذلك: ليس مهزوماً فيُسلِّم سلاحه، وليس منتصراً فيُعيد تموضعه بحرية. الوضع كما هو، مرهون بصفقة لم تولد بعد، ودليل حي على أن الطريق إلى بيروت يمر بطهران، حتى لو أنكر الجميع ذلك.

وهكذا، يغدو البحث في جوهره، أقرب إلى محاولة تجميل أكاديمي لمأزق استراتيجي تعيشه إسرائيل. فهو يقدّم، بلغة تقنية وخطوات متسلسلة، ما يبدو كأنه خطة قابلة للتنفيذ، لكنّ القراءة المتأنّية تكشف أنه لا يفعل أكثر من تنظيم العجز ضمن قالب علمي. والمفارقة أنّ الباحثين شخّصوا المشكلة بدقّة وحدّدوا شروط حلّها، ثم انتهوا، من دون قصد، إلى إثبات أنّ هذه الشروط نفسها غير قابلة للتحقّق في عالم ما بعد الحرب، إذ يفترض البحث عالماً يمكن فيه نزع سلاح حزب الله عبر هندسة داخلية، تتكامل فيها الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتندفع فيه السلطة اللبنانية لتحقيق هذا الهدف. إلا أنّ الوقائع تشير إلى معادلة مختلفة تماماً: النتائج تبقى دائماً في يد من يصمد أكثر.

وعليه، ومع تحوّل البحث من «خارطة طريق» إلى توصيف أكاديمي لمأزق استراتيجي، لا يعود السؤال: هل تنجح خطة نزع السلاح، بل ما إذا كانت إسرائيل قادرة على تحويل مأزقها إلى نصر سياسي عبر مفاوضات لا تملك وحدها مفاتيحها ولا ضمانات نجاحها؟

هذا السؤال لم يتصدَّ له البحث، بل لم يطرحه أساساً، ليس تقصيراً، بل لأنه كشف، من حيث لا يدري، أن الجواب ليس في تل أبيب، بل هو رهنٌ بما يجري في الشرق البعيد نسبياً عن ساحة المعركة بينها وبين حزب الله: أميركا وإيران. وحتى ذلك الحين، تبقى هذه الورقة وثيقة صادقة في التعبير عن العجز، لا خارطة طريق إلى حلّ.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد