العالم كما يبدو من بوابة هرمز... في عالم يتغيّر بعنف

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد قابلا للقراءة بصفته جولة تصعيد عابرة أو خلافًا تفاوضيًا مؤقتًا. المنطقة دخلت فعليًا في نمط حرب مفتوحة منخفضة الوتيرة، تُستخدم فيها الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية والممرات البحرية والمفاوضات بوصفها أدوات ضمن معركة واحدة، لا مراحل منفصلة. لهذا تبدو معظم القراءات السائدة عاجزة عن فهم ما يجري، لأنها ما تزال تتعامل مع الحرب والتفاوض هلى أنهما مساران منفصلان، في حين أن دخلت المنطقة دخلت مرحلة تُستخدم فيها المفاوضات نفسها كسلاح، تماما كما تُستخدم الطائرات والعقوبات والممرات البحرية.

هذا التناقض الظاهري في السلوك الأمريكي ليس ارتباكًا بقدر ما هو تعبير عن طبيعة الصراع نفسه. واشنطن ترفع السقف العسكري؛ ثم تعود إلى الحديث عن التفاوض، وتمنح إسرائيل هامشًا واسعًا للتصعيد ثم تتحدث عن ضرورة احتواء الحرب، لأنها لا تخوض معركة تقليدية تبحث فيها عن نصر عسكري سريع، بل تدير عملية ضغط مركبة هدفها إعادة ضبط التوازنات الإقليمية ومنع تشكل بيئة استراتيجية جديدة تفقد فيها القدرة على التحكم بمسارات الطاقة والأمن والتجارة.

المشكلة الأساسية، في كثير من القراءات العربية، هي اختزال القرار الأمريكي في كونه مجرد استجابة لرغبات حكومة بنيامين نتنياهو. صحيح أن إسرائيل دفعت بقوة نحو الحرب، وصحيح أن نتنياهو نجح في جر واشنطن إلى مستوى أعلى من الانخراط، لكن اختزال المشهد في فكرة "حرب نتنياهو" يُسقط البعد البنيوي الأعمق. إسرائيل، هنا، ليست مجرد حليف لواشنطن، هي جزء عضوي من بنية الهيمنة نفسها، إلى درجة يصبح فيها أمن التفوق الإسرائيلي مرادفا لاستقرار النظام الإقليمي الذي تديره الولايات المتحدة.

لهذا؛ فإن أي مواجهة مع إيران لا تُقرأ في واشنطن بوصفها نزاع شرق أوسطي فقط، أيضًا هي جزء من معركة أوسع على شكل النظام الدولي المقبل. من هنا؛ يصبح مفهومًا لماذا يظهر العامل الصيني باستمرار في خلفية التصعيد؛ لأن إيران بالنسبة إلى بكين ليست مجرد شريك نفطي، هي جزء من أمن الطاقة الصيني ومن مشروع كسر الاحتكار الأمريكي للممرات والأسواق. تاليًا؛ الضغط على طهران يتجاوز فكرة تعديل السلوك الإيراني نحو محاولة إعادة ضبط البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها الصين نفسها.

لكن الخطأ المقابل يقع، أيضا، في بعض القراءات التي تتصور أن واشنطن قادرة على تكرار نماذج الإخضاع التي استخدمتها في دول أخرى. إيران ليست فنزويلا، وليست دولة معزولة بلا عمق جغرافي أو شبكة حلفاء أو قدرة على إنتاج كلفة إقليمية ممتدة. هنا، تحديدًا، تكمن العقدة. واشنطن تستطيع الإيذاء، لكنها لا تستطيع ضمان الإخضاع. فأمريكا قادرة على تعطيل الاقتصاد الإيراني ورفع مستوى الاستنزاف وإلحاق أضرار هائلة بالبنية العسكرية والأمنية، لكنها لا تملك ضمانة حقيقية بأن هذا الضغط سينتج استسلامًا سياسيًا. ذلك؛ لأن المشكلة بالنسبة إلى إيران لا تُختزل في حجم الخسائر، إنما في طبيعة الصراع نفسه. طهران تدرك أن ميزان القوة التقليدي يميل إلى مصلحة الولايات المتحدة، لكنها تراهن على نقطة مختلفة تمامًا؛ وهي أن واشنطن وحلفاءها لا يستطيعون تحمّل حرب طويلة مفتوحة الكلفة على مستوى الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.

إيران لا تبحث عن نصر كامل، وأمريكا لا تملك رفاهية حرب كاملة. لهذا؛ تبدو المقاربة الإيرانية أقرب إلى إدارة حرب استنزاف طويلة لا إلى البحث عن مواجهة حاسمة. إذ إن بقاء النظام الإيراني واستمرار القدرة على فرض الكلفة أهم بالنسبة إلى طهران من منع الضربات نفسها؛ وهي تدرك أن قدرتها الحقيقية لا تكمن فقط في الرد العسكري المباشر، أيضًا في قدرتها على تهديد البنية التي يقوم عليها الاستقرار الاقتصادي العالمي.

بناء عليه؛ يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ورقة ضغط تكتيكية.. إنه مركز الثقل الحقيقي في المعركة كلها. إذ حين تُلوّح إيران بالمضيق، فهي لا تهدد السفن وحسب؛ أيضًا تهدد البنية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي نفسه. هذه أكثر من مجرد رسالة عسكرية؛ هي رسالة استراتيجية تقول إن أي محاولة لخنق إيران يمكن أن تتحول إلى تهديد شامل لمنظومة الطاقة الدولية. في هذه اللحظة، بقدر ما تتحرك حاملات الطائرات في الخليج تتحرك معها أسعار الغذاء والطاقة وأعصاب الأسواق ومستقبل دول كاملة قد تجد نفسها فجأة داخل حرب لم تخترها أصلا.

لهذا؛ يتعامل الغرب مع الملف الإيراني بقدر كبير من العدوانية، لكنه يتعامل أيضا بقدر مماثل من الحذر. إذ إن الجميع بات يدرك أن الحرب الشاملة ليست خيارًا سهلاً. إسرائيل تريد توسيع الضغط إلى الحد الأقصى أملا في تغيير البيئة الإقليمية جذريًا، لكن الولايات المتحدة، على الرغم من انخراطها العميق، تدرك أن الانفجار الكامل قد يخرج عن السيطرة. أما الصين، فهي ترى أن أي فوضى كبرى من الخليج إلى آسيا الوسطى سيعني تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية ولممراتها الاستراتيجية.

المفارقة أن جميع القوى المشتبكة تعلن عدم رغبتها بالحرب الكبرى، لكنّها، في الوقت نفسه، تواصل إنتاج شروطها يوميًا.. كأن الجميع يخشى الانفجار الكامل، لكنّه يحتاج إلى استمرار النار كي لا يخسر موقعه داخل التوازن الجديد الذي يتشكل.

هذا ما يفسر التناقض الظاهري بين الحرب والدبلوماسية. نحن لا نعيش مرحلة تنتقل فيها المنطقة من القتال إلى التفاوض، نحن نعيش حربًا تفاوضية مستمرة، حيث تتحول الضربات العسكرية نفسها إلى رسائل تفاوض، وتصبح التصريحات السياسية جزءًا من إدارة الميدان.. كل طرف يحاول تحسين موقعه على الطاولة بالضغط بالنار، لا بانتظار توقف النار.

ضمن هذا السياق، لا تبدو زيارة دونالد ترامب إلى الصين تفصيلاً بروتوكوليًا. إذ إن واشنطن تدرك أن بكين تملك قدرة فعلية على التأثير في سلوك طهران، وهذا يعني تحكّمًا صينيًا بإيران، إنما المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بين الطرفين تجعل أي تفاهم صيني- أمريكي جزئي قادرًا على إنتاج مساحة تهدئة. لكن المشكلة أن الصين لا تريد إنقاذ المشروع الأمريكي مجانًا، كما أن إيران لا تريد الذهاب إلى تفاوض يُترجم نتائج الحرب إلى استسلام سياسي.

لهذا نحن أمام معادلة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه في الخطاب الإعلامي. لا الولايات المتحدة قادرة على فرض نموذج إخضاع كامل، ولا إيران قادرة على طرد واشنطن من المنطقة أو فرض انتصار حاسم. ما يجري فعليًا هو صراع على شكل التوازن المقبل، وعلى حدود القوة الممكنة لكل طرف داخل نظام إقليمي يتآكل تدريجيا.

لذلك؛ قد تنخفض وتيرة النار أحيانًا، وقد تعود الطاولات الدبلوماسية إلى الواجهة، لكن المنطقة تجاوزت بالفعل نقطة العودة إلى ما قبل الحرب. ما يجري ليس أزمة عابرة بين واشنطن وطهران، هو صراع على شكل منطقة شرق غرب آسيا (الشرق الأوسط) نفسها، وعلى من يملك حق التحكم بشرايين الطاقة والتجارة والأمن في عالم يتغير بعنف.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد