من تلفزيون «الجديد» إلى موقع «بنت جبيل»: لماذا يسهل «الاختراق»؟

post-img

محمد فضل الله/جريدة الأخبار

يتكرّر الأمر نفسه تقريبًا في كل مرة: منصة إعلامية ذات خطاب قريب نسبيًا من المقاومة (مقارنةً بباقي المنصات الموجودة) لكنها ليست على علاقة مؤسساتية بالمقاومة، تصبح تدريجيًا مسموعة من جمهور المقاومة ثم يَأتي مموّل خليجي أو أميركي أو أوروبي، وتَبدأ المنصة باستغلال اختراقها لجمهور المقاومة من أجل بثّ دعاية معادية تدريجيًا، إلى أن يَنتهي الأمر بإعلانها رسميًا العداء للمقاومة وجمهورها؛ فقط في هذه المرحلة النهائية يكفّ الجمهور عن متابعة المنصة.

يَبدأ المسار عادة بعنوان أو تقرير غير دقيق عن واقع الحال أو معلومات غير صحيحة كليًا، يُثير ذلك بعض الضجة، تتراجع المنصة الإعلامية عنها وتؤكد حرصها على المقاومة، ثم بعد مدة عنوان وتقرير آخر ذو منسوب أعلى في الترويج لضرورة التسليم إلى الإمبريالية الأميركية، وضجة مرة أخرى وتَراجع من أجل حفظ العلاقة مع جمهور المقاومة، إلى أن تَنفجر المسألة وتُجاهِر المنصة بموقفها الحقيقي من المقاومة والإمبريالية الأميركية. كان السيد الشهيد حسن نصر الله رحمة الله عليه يضطرّ كل مدة إلى إعادة تصحيح معلومة ما خاطئة نشرها تلفزيون «الجديد» في أوساط جمهور المقاومة ولا يمكن إقناعهم بخطئها أو كذبها إلا بتدخّله مباشرة.

حتى في السياسة هناك ظاهرة مشابهة إلى حدّ ما: ترويج لمعلومات بأن هناك تقاربًا إيرانيًا سعوديًا، وعن «استدارة» أو «تحوّل» في الاستراتيجية السعودية؛ نَسمع بهذه التقارير منذ عشرات السنين، وممالك الخليج بأجمعها، والسعودية ضمنها، هي دائمًا رأس حربة الهجوم الإمبريالي الأميركي على المقاومة وإيران، وهي المموّل الأول الذي يَلجأ إلى نهبه أفرادُ الطبقة الحاكمة الأميركية في كل مرة يعانون فيها من نقص مالي على مستواهم الشخصي؛ علينا أن نفكّر بممالك الخليج على أنها مستعمرات مالية وليست كيانات لها حيثية مستقلة؛ معظم إخفاقاتنا في السنوات الماضية مرتبطة بهذه الأوهام، فما دام لا وجود لثورات شعبية في ممالك الخليج، ستبقى هذه الممالك تموّل منصات إعلامية تبثّ رسالة الإمبريالية في أوساط جمهور المقاومة. من جهة، لهذه المنصات الإعلامية دورٌ في الترويج لهذه الأوهام داخل جمهور المقاومة كي يعطوا انطباعًا بأنها دول مستقلة، ومن جهة ثانية تتكامل أوهام الاستدارة الخليجية مع أوهام أن تكون هناك منصة إعلامية تَبتغي الإثراء ولا يمكن شراء صوتها بالمال الخليجي.

حين يكون هدف المنصة الإعلامية ماليًا بالدرجة الأولى، فإن الترهيب بالعقوبات والترغيب بالتمويل سيؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى التحاق المنصة بالمشروع الإمبريالي الأميركي. هناك الكثير من المبادرات الإعلامية التي تَهدف إلى نشر فكر معيّن وتريد الإتيان بتمويل يَسمح لهذا المشروع بالاستمرارية؛ وهذا لا يَقتصر على بيئة المقاومة، في كل أنحاء العالم هناك مجموعات تريد فعلًا الترويج لفكرة ما وهي تسعى إلى جمع المبلغ الكافي من المال الذي يَسمح باستمرارية عمل الوسيلة الإعلامية.

لكن هناك مبادرات إعلامية هدفها الربح المالي منذ البدء واختيار ما يجب نشْره يَتحدّد بحسب كم من التمويل يمكنه أن يَستجلب. المنصات الإعلامية التي تَبتغي الربح أساسًا في عملها لا يمكن أن تكون في صفّ مقاومة الإمبريالية، هي حرفيًا ستَبيع جمهور المقاومة لأعلى سعر تقدّمه هذه السفارة أو تلك. مثلًا، موقع «بنت جبيل» فعّال في نشْر فكرة ما في أوساط جمهور المقاومة أكثر من موقع «درج»؛ موقع «درج» على علّاته وكوارثه الفكرية لا يُدار كمقاولات إعلامية كما هي حال «الجديد» أو «بنت جبيل»، بل يَقبض ثمن اصطفافه السياسي من الجهات التي هو تابع لها. المشكلة في منصات المقاولات المالية الإعلامية أنها تَبدأ كمنصة محايدة سياسيًا وتجنَّد لاحقًا لصالح المموِّل الإمبريالي الأميركي وتابعيه الخليجيين.

«الجديد» و«بنت جبيل» يَذهبان إلى السفارة الفلانية ويبيعونه جمهور المقاومة الذي جمّعوه على مدى سنوات (أساس عمل المقاولات الإعلامية)، بينما «درج» وقبل أن يؤسَّس يقدِّم مقترَحًا للسفارة الفلانية يحاول فيه إقناعها بتمويله لأن منصته مستقبلًا سيكون لها الأثر الفلاني. ومن الواضح أن التصدّي لموقع «درج» أسهل بكثير من التصدّي لموقع «بنت جبيل».

البيئات التي لا تقاوم الإمبريالية لن تَشعر في هذه المشكلة، لأن الجهة المالكة للكمّ الخيالي من المال والجهة السياسية التي تواليها واحدة. هذه المشكلة هي حصرًا في بيئة المقاومة، أكانت في لبنان أم في الأرجنتين أم في أي دولة أخرى.

حاليًا لم يعد «الجديد» مؤثّرًا في جمهور المقاومة كما في السابق، من جهة لأنه استقرّ على هوية مجاهرة في العداء للمقاومة، ومن جهة لأن وسائل التواصل الاجتماعي هَيمنتْ على المجال الإخباري؛ يبدو أنه في مجال الإعلام التقليدي فإن المؤسسات التي تمّ تأسيسها قبل عهد وسائل التواصل الاجتماعي ستستمرّ كنوع من سلطة تقليدية لها دور إقراري لموثوقية منصات التواصل الاجتماعي (تصبح نوعًا من «legacy institutions»)، ولن يكون ممكنًا تأسيس قنوات تلفزيونية أو صحف ورقية جديدة. حقل وسائل التواصل الاجتماعي ليس فوضويًا بالضرورة، هناك مؤثرون، أكانوا أفرادًا أو صفحات.

في أوساط جمهور المقاومة ارتفع سريعًا نجم موقع «بنت جبيل»، ومن الواضح أنه يخطو نفس خطى «النيو تي في». في هذه المرحلة يتمّ نشْر أجواء تيئيسية، من نوع «يا وحدنا»؛ طبعًا، «يا وحدنا» قيلتْ لأهل غزة، لأهل الضفة الغربية، لأهل الجنوب اللبناني ولأهل إيران (للأسف محمد جواد ظريف شارك في نشْر هذه الفكرة داخل إيران)، أمّا لأهل درعا فلا تليق بهم الـ«يا وحدنا» حين تخلّتْ عنهم دمشق. «يا لوحد» المواطن العربي الذي يغلي غضبًا ضد إسرائيل والولايات المتحدة فيما حكومته تُجبره على دفْع أمواله وتسليم ثرواته إليهما صاغرًا ذليلًا وتُجبره حكومته على أن يَزعم في أحاديثه مع أصدقائه أنه لم يَسمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يزجر أميرَه آمرًا إياه بأن «يقبّل قفاه». و«يا لوحد» مشايخ المنابر الذين يحارون كيف يقنعون المصلين بأن ما تفعله حكومتهم جائز في شرع الإسلام لا بل واجب.

هذه المنصات وهذه السفارات تقوم بعملها الطبيعي، ما هو غير طبيعي ألّا يكون لدينا مشروع عمل مضاد: طالما لا ثورات معادية للإمبريالية في ممالك الخليج ولا عمل لتفكيك المجتمع الإسرائيلي، لن يكون للمقاومة في المنطقة قرار (ولن يكون هناك إسلام ولا عروبة)، سنبقى نسعى إلى بثّ المعنويات داخل بيئتنا في وقت تَشعر فيه ممالك الخليج بالراحة التامة على وضعها الداخلي، لا ثورات في الأفق ولا منصات تواصل اجتماعي تَبكي ضحايا وسجناء هذه الممالك، وتُحصيهم وتَنشر تقارير عن فنون التجسس على المواطنين في هذه الممالك (فنون التجسس على المواطنين هناك ترقى إلى مستوى الواقعية السحرية).

الحلّ هو المبادرة، حتى ولو على الصعيد الفردي، أن نَعمل داخل المجتمعات الأخرى؛ لا شيء يحفّزك معنويًا أكثر من أن يكون لديك على المستوى الشخصي مهمة تنفّذها، ولا شيء يُشعرك بالإحباط أكثر من الانتظار السلبي لانتهاء الحرب، تقلّب الأخبار على هاتفك (doomscrolling)، فتجد أن موقع «بنت جبيل» يأتيك بكل ما هو كئيب، لا مقالات تُعطي القارئ تفسيرًا لما يَحصل، لا تقارير فيها وجهات نظر متعددة ونقاش، فقط (كمثال) صورة لغرفة أطفال مدمرة مكتوب تحتها «هل من ناصر ينصرنا؟». «النيو تي في» محترفة في عملها الإعلامي أكثر بما لا يُقاس، في «بنت جبيل» نحن أمام عمل لا يمكن تصنيفه بأنه عمل إعلامي، أمام رداءة في التجميع ورداءة أكثر في التعليق، لكن هذا منطق ألغوريثمات وسائل التواصل الاجتماعي وعلينا أن نجد وسيلة للتعامل معها.

كتبنا قبلًا عن ضرورة مخاطبة المجتمعات الكثيرة في إسرائيل والولايات المتحدة، أصلًا من غير المفهوم لماذا لا تَمتلك المقاومة منصة باللغة العبرية، ولماذا ليس هناك مركز دراسات يَعمل مع الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة يساعدها على استغلال وجودها في ولاية حساسة انتخابيًا مثل ميشيغن وفي منطقة حساسة عرقيًا هناك.

مثلًا، لو أن كل فرد من أفراد بيئة المقاومة يتابع ألفًا من حسابات التواصل الاجتماعي في المجتمع الإسرائيلي، ويحدّثنا أسبوعيًا أو شهريًا عن المجموعة التي يتابعها، عن آرائهم وتنوعاتهم (دون التواصل معهم طبعًا)، بحيث يصبح هذا الشخص «خبيرًا» في هؤلاء الأفراد الألف. هذا ضروري ليس فقط لفهم كيف يمكن اختراق مجتمعات العدو، بل هو ضروري أيضًا من أجل إخراج أفراد جمهور المقاومة من حال التلقّي السلبي التي تَجعلهم أكثر عرضةً لاستغلال المنصات الإعلامية، فيصبحون فاعلين من ناحية وأكثر تفاؤلًا بأنه قادرٌ على المساهمة شخصيًا في تحديد مصيره ومصير مجتمعه.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد