"إيلان بابيه" في ذكرى النكبة: مستقبل الفلسطينيين لن يُبنى حول "فتح" أو "حماس" أو حتى اليسار

post-img

وائل الحجار/القدس العربي

المؤرخ اليهودي المناهض للصهيونية إيلان بابيه من أبرز الأصوات التي وثّقت وأرّخت للتطهير العرقي في فلسطين، وواحد من الأكاديميين الذين خرجوا مبكراً من الرواية الصهيونية الرسمية إلى قراءة تاريخية ترى في عام 1948 جريمة مفتوحة لا حدثاً منتهياً.

وعندما تدردش مع إيلان بابيه عن برنامجه الشخصي، يخبرك أن لديه عدداً من السفرات، وسيُنهيها بسفر إلى فلسطين، كما يحرص على تسميتها كلما أشار إلى الذهاب إلى حيفا. في هذا الحوار مع “القدس العربي”، يربط بابيه بين نكبة 1948 والإبادة الجارية في غزة، ويقول إن تعبير “النكبة المستمرة” صار أكثر وضوحاً منذ تشرين الأول / أكتوبر 2023.

ويرى أن إسرائيل تسير نحو عزلة متزايدة، وأن الصهيونية الليبرالية لم تكن بريئة من النكبة، بل كانت هي من نفذتها. كما يدعو الفلسطينيين إلى إعادة ترتيب بيتهم السياسي، وبناء رؤية موحدة، مشيراً إلى أن الأجيال الفلسطينية الشابة تميل أكثر إلى حل الدولة الواحدة، معربا عن اعتقاده أن مستقبل السياسة الفلسطينية لن يُبنى حول “فتح” أو “حماس” أو “الجهاد الإسلامي” أو حتى اليسار. وفي حديثه عن عصر ترامب وصعود الزعامات السلطوية، يرى بابيه أن العالم يعيش لحظة خطرة، لكنها ليست نهاية التاريخ، بل نهاية فصل شديد السوء.

في ما يلي نص الحوار:

  ما الذي يختلف في ذكرى النكبة هذا العام عن كل ما سبق؟

هو يكمن في أننا نربط حاليا، في أذهاننا، نكبة 1948 بالإبادة الجماعية في غزة. هذا ما يجعل تعبير المصطلح الفلسطيني “النكبة مستمرة”، ليس فقط من خلال إحيائها هذا العام، بل منذ تشرين الأول / أكتوبر 2023، أكثر وجاهة وقابلية للفهم. نستطيع أن نرى كيف يجرّد أهل غزة، و70 في المئة منهم لاجئون أو من الجيل الثاني أو الثالث للاجئين من عام 1948، يُجردون مرة أخرى من ممتلكاتهم، ويتعرضون للتطهير العرقي كما حدث لهم في 1948. وهذا يبرز حقيقة أن فصل النكبة لم ينته. رغم أن كثيرين كانوا واعين بالأمر قبل 2023، فإن العامين ونصف العام الأخيرين يؤشران بشكل كبير على أنه عندما لا تتعامل مع الجريمة ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين في 1948، وعندما يكون العالم صامتاً أو غير مبال، فإن الجريمة تستمر.

ولكي تضمن أن هذا لن يحدث في المستقبل، عليك أن تعود إلى 1948. بمعنى آخر، عليك أن تصحح ما يمكن تصحيحه من الخطأ الذي حدث في 1948 من أجل بناء مستقبل مختلف اليوم. اليوم نربط نكبة 1948 بالإبادة الجماعية في غزة. هذا ما يجعل، تعبير المصطلح الفلسطيني “النكبة مستمرة”، أكثر قابلية للفهم

  البعض يرى أن التحديات الحالية التي يواجهها الفلسطينيون أخطر من تلك التي كانت عام 1948، خاصة في ظل حكومة في إسرائيل توصف أنها الأكثر تطرفاً ويمينية في تاريخها، كما أن أي بديل قادم قد لا يكون أفضل بكثير. هل ترى أن هذه التحديات تمثل حالة استعصاء يصعب تجاوزها؟

أعتقد بأنها  معقدة. من جهة، أنت محق تماماً. النخبة السياسية ترتكب أموراً أسوأ بكثير مما حدث في 1948، رغم أنه لا يجب أن نقلل أبداً من طرد نصف سكان بلد، وتدمير نصف قرى بلد. لكن بالتأكيد، لا يبدو ذلك مثل التدمير الإبادي الشامل الذي رأيناه في غزة. إذًا، هو تصعيد في الوسائل، وليس في الأيديولوجيا. هي الفكرة نفسها: أن فلسطين يجب أن تكون يهودية قدر الإمكان، والوسائل تختلف مع الزمن. في المقابل، في 1948 لم تكن هناك حركة تضامن مع الفلسطينيين. لم يهتم أحد بما حدث في 1948 للفلسطينيين.

  حتى بعد 1967؟

بعد 1967، نعم. لكن لا يمكنك قول ذلك عن العامين الأخيرين. ملايين الناس تظاهروا، وحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات نشطت، وحكومات، خصوصاً في الجنوب العالمي، علّقت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل. إذن، هذا رد فعل مختلف جداً، رغم أنه محبط جداً، لأنه رد فعل المجتمع المدني، وليس الحكومات التي تملك القوة. بطريقة ما، هناك نوع من الاستمرارية في حقيقة أن الغرب، وخاصة أوروبا، التي أنشأت الدولة الصهيونية، غير مستعد لترويضها أو إنقاذ الفلسطينيين، سواء في 1948 أو اليوم. ومن جهة أخرى، فإن مجتمعات هذه الدول أكثر وعياً بكثير بتواطئها، وبمسؤولية الحكومات الغربية عما يجري.

لذلك أنا متفائل، ليس بالنسبة للعامين أو الثلاثة المقبلة، لكنني أعتقد أننا الآن في مسار مختلف عما كنا عليه في 1948. لم تكن هناك فرصة بعد 1948 لتجنيد العالم إلى جانب الفلسطينيين. المشكلة هي غياب الوحدة على الجانب السياسي الفلسطيني، وما يحتاجه الفلسطينيون، جبهة موحدة يمكن لحركة التضامن، وحكومات الغرب، أن تتعامل معها

الصهيونية الليبرالية والنكبة

   إذا تحدثنا عن التيارات الصهيونية الليبرالية أو اليسارية، التي لعبت دوراً في تأسيس إسرائيل، تشير معظم الدراسات اليوم إلى تراجعها، بل وحتى إلى هجرة شرائح منها من إسرائيل. كيف تقرأ هذا التحول داخل المجتمع الإسرائيلي؟

هناك أمران. أولاً، ما زلنا بحاجة إلى أن نتذكر أن هذه القيادة الصهيونية الليبرالية هي التي ارتكبت النكبة. لذلك، بطريقة ما، الفرق بين الصهيونية الليبرالية والصهيونية اليمينية التي لدينا اليوم ليس في موقفيهما من الفلسطينيين. لهذا ترى أن 93 في المئة من اليهود الإسرائيليين أيدوا الإبادة الجماعية في غزة. وتؤيد نسبة مشابهة الهجوم على إيران أو لبنان. إذن، الفرق بين هذين المعسكرين الأيديولوجيين في الصهيونية ليس في الموقف من الفلسطينيين، بل في نوع الحياة اليهودية التي ستكون هناك. لكن كليهما يحمل مواقف عنصرية تجاه الفلسطينيين.

النقطة الثانية هي أن الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي، وحقيقة أن إسرائيل تصبح أقل ديمقراطية بشكل علني، وتقوم بكل هذه الأفعال العدوانية، وتتبع هذه السياسات العدوانية، يجعلها، بطريقة مثيرة للسخرية، دولة منبوذة أكثر فأكثر. ويعزلها أكثر. وكان من الصعب جداً إقناع الناس في الغرب، عندما كانت إسرائيل تُحكم من قبل صهيونيين ليبراليين، بأنها ليست “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، وأنه يجب التعامل معها بالعقوبات والضغط.

الأمر لم يعد بهذه الصعوبة الآن. حتى الحكومات في الغرب التي تدعم إسرائيل تشعر أنها تحت ضغط كبير لتبرير هذا الدعم اليوم، لأن لا أحد يستطيع أن يقول إن إسرائيل تُدار الآن من قبل نخبة ديمقراطية ليبرالية. في التاريخ، هناك علاقة جدلية بين مسارات معينة. وللأسف، لأن إسرائيل أكثر عدوانية وأكثر عنفاً، فإن ذلك قد يخلق بعض الأمل للمستقبل البعيد.. ويصبح السؤال: كم عدد الناس الذين سيستمرون في دعم إسرائيل بهذه الصورة؟ نحن نعرف لماذا دعموا إسرائيل الليبرالية. لكن هل سيدعمون إسرائيل مسيانية؟ وإلى متى يمكنهم الاستمرار في القول إنها لا تزال دولة غربية ديمقراطية؟ من الصعب جداً فعل ذلك.

البيت الفلسطيني

   في ظل تمسك الفلسطينيين رسمياً بحل الدولتين، رغم أن هذا الخيار انهار عملياً، ومع تراجع الدعم الأمريكي له وعجز الأوروبيين أو عدم رغبتهم في التحرك، ما الذي ينبغي على الفلسطينيين التفكير فيه سياسياً في هذه المرحلة؟ وهل ترى أن على الفلسطينيين القيام بمراجعة حقيقية وشاملة لكل المسارات، بما في ذلك أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وكذلك دور “حماس” والحركة الإسلامية؟

أعتقد أن المشكلة هي غياب الوحدة على الجانب السياسي الفلسطيني. الرسالة من الذين يفترض أنهم يمثلون الفلسطينيين رسمياً، سواء السلطة الفلسطينية أو الأعضاء الفلسطينيين في الكنيست الإسرائيلي، لا تعكس بالضرورة موقف الفلسطينيين في الشّتات. وأشك في أنهم يعكسون الآن مواقف الفلسطينيين في الداخل أيضاً. أعتقد أن مستوى الثقة، في آخر استطلاع رأيته، في السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية هو نحو 7 في المئة. لذلك فهذا ليس أساساً للشرعية يمكن العمل عليه.

ما يحتاجه الفلسطينيون، أولاً، هو جبهة موحدة ورؤية واضحة للمستقبل، يمكن لحركة التضامن، وليس فقط حركة التضامن، بل أيضاً حكومات الغرب، أن تتعامل معها. الآن من السهل جداً تجاهل الصوت الفلسطيني لأنه ليس صوتاً تمثيلياً. لكن إذا نظرت إلى الفلسطينيين الشباب، ومعظم الفلسطينيين شباب، فهذا مجتمع فتي جداً، أعتقد أنهم أكثر توافقاً، وأكثر وحدة، حول فكرة حل الدولة الواحدة، وليس حل الدولتين.

لكن الأمر سيستغرق وقتاً. نحتاج إلى نوع من عملية، لا أعرف إن كانت مراجعة لـ”منظمة التحرير”، أو إعادة إحيائها، أو بناء منظمة جديدة بالكامل. الأمر يعود إلى الفلسطينيين. لكن هذا هو أول ما يجب فعله: ترتيب البيت الداخلي. لا أحد يمكنه أن يفعل ذلك نيابة عن الفلسطينيين. والانقسام والصراع بين “حماس” و”فتح” لا يساعدانهم. ثم يأتي سؤال مختلف حول تقديم هذا الموقف وفرضه فعلياً على الجميع ليقولوا: هذا هو الموقف الفلسطيني الآن. وأعتقد أن هذا سيغير ديناميات ما يسمى عملية السلام أو عملية إيجاد حل.

إذا استمعت حتى إلى قادة السلطة، فهم يقولون إن هناك حاجة لإعادة تنظيم “منظمة التحرير” وإدخال “حماس” و”الجهاد الإسلامي” فيها. وبصراحة، أعتقد أن الفصائل الحالية لن تكون ذات صلة في المستقبل. لا أرى أن مستقبل السياسة الفلسطينية سيُبنى حول “فتح” أو “حماس” أو “الجهاد الإسلامي” أو حتى اليسار. المجتمع المدني من الشباب الفلسطيني سيخلق نوعاً مختلفاً من القوة السياسية. لا أستطيع تخيله، لكن هذا هو الاتجاه في رأيي.

لحظة سيئة في التاريخ

   نعيش في ما يُعرف بعصر ترامب، وهو لا يقتصر على فلسطين فقط، بل يشمل مثلا إيران ولبنان وأوروبا وأوكرانيا والعالم بأسره. برأيك، هل تتراجع الترامبية أم تتقدّم في الشرق الأوسط، وفي فلسطين، وعلى مستوى العالم؟

أنا مؤرخ، وبالنسبة لي التاريخ دائري وليس خطّياً. ونحن في لحظة سيئة من التاريخ. وترامب ليس المشكلة الوحيدة. لدينا مشكلات مع سياسيين سلطويين، ومع سياسيين مثل ترامب، أنانيين ومتمركزين حول ذواتهم، وهذا يمنح حصانة للنخبة السياسية في إسرائيل لمواصلة سياساتها. لكنني لا أعتقد أن هذا سيستمر إلى الأبد. إحدى خصائص السياسيين مثل ترامب هي عجزهم عن التعامل مع المشكلات. لذلك سيأتي وقت ومن الممكن أن تحلّ محله إدارة أمريكية مختلفة. وربما يتغير نمط السياسة في الغرب الذي يمنح إسرائيل حصانة. انظر إلى ما حدث في المجر. ليس أن رئيس وزرائها الجديد مؤيد للفلسطينيين، لكنه لم يعد مؤيداً لإسرائيل كما كان. ليس تغييراً جذرياً، لكنه تغيّر. وهذا سيتكرر. لأن ترامب ينتهك القانون الدولي والنظام الدولي، ونحن نعيش في المدى القصير لحظة شديدة التقلب في تاريخ الإنسانية. لكن الإنسانية مرت بمثل هذه اللحظات من قبل، ثم تجاوزتها وحاولت بناء عالم مختلف.

نحن بحاجة إلى تعاون عالمي لأسباب بيئية واقتصادية ومرتبطة بالهجرة. لا يمكننا فعل ذلك بالنظام الحالي. إسرائيل تنسجم مع هذا النظام، لكنها ليست جزءاً من المستقبل. هذه هي المشكلة التي لا يفهمها الإسرائيليون. إذا استمروا بهذه الأيديولوجيا، سيبقون خارج التاريخ. الآن هم ينسجمون مع عالم مليء بالقادة السلطويين والصناعات العسكرية، لكن هذا ليس المستقبل. ويجب أن نرى هذه اللحظة كنهاية فصل سيئ جداً.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد