حسن نعيم/ كاتب وروائي لبناني
حملت النكبة الفلسطينية، في العام 1948، في بعدها الأدبي ما هو أكثر من مجرد انعطافة سياسية أو حرب عابرة. لقد شكلت زلزالًا وجوديًا أعاد تشكيل الهوية والثقافة الإنسانية لشعب بأكمله. قبل هذا التاريخ، كانت الرواية الفلسطينية تنساب بسلاسة كونها جزءًا من النهر الأدبي العربي العام، غير أن فداحة الاقتلاع حوّلتها إلى مسار مستقل بذاته؛ مسار يحمل خصوصية الألم واللجوء والمقاومة.
تحوّلت النكبة في الأدب الفلسطيني من "حدث تاريخي" جاف إلى الحجر الأساس الذي قام عليه الوعي الوطني؛ فارتكزت سرديتها النقديّة على ثلاثة محاور متضافرة: الذاكرة، الحق، المقاومة.
النكبة كارثة مستمرة
تبدأ الحكاية من التسمية ذاتها، فالمصطلح في الأدبيات الفلسطينية لم يكن عبثيًا؛ إذ لم تُسمّ "حربًا" ولا "نكسة"، بل سُميت "نكبة" لتعكس عمق الكارثة الإنسانية القائمة على التطهير العرقي وهدم المجتمع وطرد الإنسان من أرضه. هذا المصطلح الذي صاغه المفكر قسطنطين زريق، في العام 1948، انتشر كالنار في الهشيم؛ لأنه التقط بدقة الشعور الجمعي، ووقف سدًا منيعًا أمام الرواية الإسرائيلية المقابلة التي حاولت تسويق الحدث تحت مسمى "حرب الاستقلال"، مرتكزة على سردية "البديل عن الضائع" بعد المحرقة النازية.
ضد هذه السردية، نهض الأدب الفلسطيني ليوثق جغرافيا الفقد؛ فحضرت مدن مثل يافا وحيفا وعكا وبئر السبع وقراها المدمّرة، في نتاجات غسان كنفاني وإميل حبيبي روائيًا، وفي قصائد محمود درويش وسميح القاسم شعرًا. كان الهدف واضحًا: إبقاء الذاكرة حية و"طرية" في وجدان أجيال متعاقبة لم تعش المأساة يومًا بيوم، لكنها ورثت تفاصيلها.
من التواتر الشفهي إلى النص المكتوب
لقد واجه الأدب الفلسطيني تحديًا فنيًا وتقنيًا استثنائيًا تمثّل في نقل الذاكرة من طورها الشفهي إلى الطور التوثيقي المكتوب. استلف الروائيون شهادات الأجداد، وتحولت الأدوات المادية البسيطة إلى رموز كوزموبوليتانية؛ فـ "المفتاح" لم يعد مجرد قطعة حديد، بل صار صكّ ملكية ورمزًا مقدسًا لحق العودة.
لم يتوقف الأمر عند حدود الجماد، لقد امتد ليشمل أنثروبولوجيا الحياة اليومية: الأغاني التراثية مثل "يا ظريف الطول" تحولت من أغنيات غزل وحب في يافا إلى مرثيات شجية للوطن المفقود.. حتى الطعام تحوّل إلى جبهة ثقافية، فغدا "مفتول أهل بيت دجن" طعمًا للذاكرة والهوية المعاندة للنسيان.
كنفاني وحبيبي ودرويش: ثلاثية الأبعاد الإنسانية
تجلت عبقرية الأدب الفلسطيني في قدرته على تفكيك مقولة الحركة الصهيونية الزائفة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، من خلال إثبات وجود مجتمع مدني حيّ، بصحافته وأحزابه واقتصاده، قبل العام 1948. كما رسّخ الأدب مفهوم النكبة المستمرة ،فما حدث في الـ 48 لم ينتهِ، بل هو مشروع ممتد يتناسل في احتلال 1967 والاستيطان والحصار الممتد.
يمكن تفكيك هذا التناول النقدي عبر ثلاثة نماذج رئيسة:
"عائد إلى حيفا":
يقدّم الروائي الراحل الفلسطينمي غسان كنفاني النص التأسيسي لأدب النكبة، متجاوزًا بكائيات اللجوء إلى تشريح الكارثة الأخلاقية والنفسية. في رحلة "سعيد وصفية" للبحث عن ابنهما "خالد" الذي تُرِك في خضمّ زحام التهجير ليصبح جنديًا في جيش الاحتلال باسم "دوف"، يضعنا كنفاني أمام الصدمة: النكبة قطعت الإنسان عن هويته ونسبه. الجملة المفتاحية "أنا لم أتركك يا خالد... أنا تُركتُ أنا"؛ تلخص كيف تحوّلت الضحية إلى متهم في محكمة التاريخ.
"المتشائل"
يقدم الروائي الراحل الفلسطيني إميل حبيبي مقاربة مغايرة تمامًا تعتمد على السخرية السوداء لتكون أداة هدم وتعرية. من خلال شخصية "سعيد المتشائل" الذي بقي في الأرض المحتلة ليعيش مواطنًا من الدرجة الثانية. يفضح "حبيبي" العبثية والاضطهاد اليومي. ممارسات سعيد الكاريكاتورية وإرسال برقيات تعزية للحكومة الإسرائيلية أو شكرها على هدم المنازل.. ليست سوى قناع درامي يلفظ من خلاله الروائي مرارة النفاق والواقع المشوه الذي فرضته النكبة على فلسطينيي الداخل المحتل.
لكن بخصوص الروائي إميل حبيبي لا بد من وقفة قصيرة؛ فقد أثار قبل رحيله (1996) جدلاً واسعاً في سنواته الأخيرة بسبب مواقفه التي عدّت نوعاً من "التطبيع" أو المهادنة مع "إسرائيل"، أبرزها قبوله جائزة إسرائيل للآداب في العام 1992 ودعمه لاتفاقيات أوسلو، ما جعله عرضة لانتقادات حادة من أوساط ثقافية وسياسية فلسطينية وعربية، على الرغم من إرثه النضالي والأدبي
"سجل أنا عربي"
حوّل الشاعر الكبير الفلسطيني الراحل محمود درويش هذه السردية السياسية والقانونية إلى بيان شعري صارخ. غدت القصيدة وثيقة إثبات هوية وتحدٍ في وجه محاولات الطمس والمحو الإسرائيلي.

صراع البقاء
تبرز الفروق الجوهرية في أساليب التناول الأدبي، فبينما غاص كنفاني في المأساة الإنسانية وتفكك العائلة، واجه حبيبي النكبة بوصفها وضعًا سرياليًا عبثيًا، في حين تكلفت الذاكرة الشفوية بحفظ جغرافيا المكان المفقود عبر أشيائه الصغيرة.
تختصر مقولة المتصوف الكبير النفري: "وقال لي: القتل أن يُنسى المقتول" الفلسفة العميقة التي انطلق منها الأدب الفلسطيني بعد العام 1948، إذ لم تكن الرواية مجرد ترف فني، لقد كانت- وما تزال- معركة ضارية ضد النسيان والمحو ووثيقةً قانونية وومحركًا سياسيًا يبني هوية وطنية عابرة للأجيال فوق أنقاض الوطن الجريح والمدن المحتلة والقرى المدمّرة.