حين تَبيعُ المهنةُ ضميرَها.. الإعلام اللبناني وخطاب التطبيع

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

في الأسابيع التي أعقبت وقف إطلاق النار، في جنوب لبنان في مطلع العام 2025، كانت الشاشات اللبنانية تصطف في مشهد لافت: مذيعون يطرحون السؤال ذاته بصياغات متقنة : "ألا يستحق اللبنانيون السلام بعد كل ما عانوه؟"

بينما كانت التعليقات تتراكم بالآلاف على منصات التواصل الاجتماعي رافضةً هذه المعادلة المُضمَرة؛ لم يكن ثمة تطابق بين ما تبثّه الشاشة وما يعيشه الشارع، هذه الفجوة، حين تصبح منهجيةً ومتكررة، تتحول من ظاهرة مهنية إلى ظاهرة سياسية تستحق التشريح.

هذا المقال لا يدّعي محاكمة لنوايا أفراد، إنما يحاول تشريح آليات بنيوية: كيف يُعاد تشكيل الخطاب الإعلامي، ومن يموّل إعادة التشكيل، وأين يقف الرأي العام من هذه العملية؟

 أولًا- ميكانيزم التمويل والتأثير .. المال الذي لا يُذكر

المسألة ليست نظرية مؤامرة، هي اقتصاد سياسي قابل للتتبع. الإعلام اللبناني يعيش أزمة تمويل هيكلية منذ سنوات: انهيار اقتصادي، هروب إعلانات القطاع الخاص، تراجع ملحوظ في إيرادات الاشتراكات. في هذا الفراغ، يدخل المموّل السياسي ليسد هذا الفراغ بالمال المدفوع سلفًا.

إذ تكشف تقارير منظمات رصد الإعلام الإقليمية، ومنها مرصد SMEX" اللبناني و"7iber" الأردني، أن عددًا من المحطات والمنابر الرقمية اللبنانية تلقّت دعمًا ماليًا أو تقنيًا من جهات مرتبطة بمؤسسات أمريكية وخليجية ذات أجندة واضحة، في ملف العلاقة مع "إسرائيل". التمويل لا يأتي دائمًا مباشرًا؛ أحيانًا يمر عبر منظمات تدريب صحفي أو مشاريع "تطوير الإعلام"، أو ما يُعرف بـ"صحافة الحلول". وما يبدو ظاهريًا تحديثًا مهنيًا، قد يكون في جوهره توجيهًا لأجندة التحرير.

قناة "أم تي في" وفضائية LBC تحتلان موقعًا مركزيًا في هذه المعادلة. كلتاهما تستقطبان تمويلًا إعلانيًا من شركات وأفراد مرتبطين بالفضاء السعودي والإماراتي. كلتاهما، بصورة غير مصادفة، تتبنيان تأطيرًا للصراع اللبناني-الإسرائيلي يُقدّم "التسوية" خيارًا عقلانيًا لا ثمنَ أيديولوجيًا له. هذا لا يعني أن كل صحفي فيهما "مأجور"، لكنه يعني أن سياسة التحرير تنحو في اتجاه بعينه، وأن الصحفيين الذين لا ينحون يغادرون أو يُهمَّشون.

 ثانيًا- تشريح "الحياد" .. عندما تصبح الموضوعية قناعًا

الخطاب الأخطر ليس خطاب التطبيع الصريح، بل خطاب "الحياد المشبوه". هذا الخطاب يُقدَّم في قوالب مهنية مقبولة: دعوة "الطرفين" للحوار، التساؤل عن "مصلحة لبنان الاستراتيجية" واستضافة ضيوف يُمثّلون "وجهات النظر المختلفة".. غير أن الإطار الذي تُقدَّم فيه هذه النقاشات يفترض مسبقًا أن التطبيع خيار مشروع قابل للنقاش، وليس مسألة مبدأ.

في برنامج "صار الوقت" على MTV، تكررت، في الأشهر الماضية، جلسات "نقاش" تضم وجهًا "يرفض" ووجهًا "يقبل". لكن الأسئلة التي يطرحها المقدم كانت تنطلق دائمًا من منطلق أن الرفض يحتاج إلى تسويغ وأدلة لا القبول. هذا التأطير، وهو ما يسميه علماء الاتصال "framing effect"،  يُحدد سلفًا أي موقف هو الطبيعي، وأيهما هو الاستثناء.

أما الأكثر إثارةً؛ فهو توظيف لغة الحداثة والعقلانية: "التطبيع" يُسمّى "السلام"، و"الاستسلام" يُسمّى "البراغماتية"، و"الثوابت الوطنية" تُقدَّم بوصفها "خطابًا عاطفيًا عقيمًا". هذا الاستبدال المعجمي الممنهج يعمل بصمت، ويصعب تفنيده؛ لأنه يبدو مجرد توصيف وليس حكمًا.

 ثالثًا- نبض الشارع الرقمي .. حين ترتد الشاشة على نفسها

المفارقة أن التقنية التي يوظفها الإعلام المموّل باتت الأداة الأمضى في كشفه. على منصة إكس (تويتر) وفيسبوك وبدرجة أقل "تيك توك"، يتجلى التباين الحاد بين الخطاب الإعلامي الرسمي ومزاج الجمهور. حين بثت قناة لبنانية كبرى، في مطلع العام 2025، تقريرًا يُقدِّم "فرصة السلام" مع إسرائيل بعد الهدنة، انهالت التعليقات الساخطة بشكل شبه موحّد. لم يكن الرفض من "جمهور حزب الله" فحسب؛ أيضًا من مسيحيين ودروز وسنة ويساريين وأبناء الشتات، متفقين على خيط واحد: رفض أن تُصوَّر التسوية مع إسرائيل ضرورةً حتمية في مرحلة لبنان الجريح.

الهاشتاغ #لبنان_ليس_للبيع؛ والذي تداولته حسابات يسارية وقومية وإسلامية وحتى مسيحية، يكشف تحالفًا شعبيًا غير مسبوق لا يجمعه الانتماء الطائفي، بل الموقف من السيادة. هذا التحالف لا تعكسه الشاشات الكبرى، لأنه ببساطة يُفسد السردية التي تصنعها.

في "تيك توك"، وهو الفضاء الذي يسكنه الشباب اللبناني المُغترب والمحلي معًا، تنتشر مقاطع تصف صحفيين بعينهم بـ"المُطبِّعين المبطَّنين"، وتُحلّل لغتهم كلمةً كلمة. هذا النقد الشعبي الرقمي، على الرغم من خشونته أحيانًا وافتقاره إلى التدقيق، يمثّل حالًا يقظة جماعية نادرًا ما تنجح البيئات الإعلامية المقيّدة في اختراقها.

 رابعًا: تفكيك التعميم الطائفي .. المسيحيون ليسوا كتلة صماء

أكثر الادعاءات تضليلًا في خطاب التطبيع اللبناني الإعلامي هو ذلك الإطار الضمني القائل: "المسيحيون يريدون السلام مع إسرائيل". هو ادعاء يُستخدم بوصفه إسفينًا طائفيًا وورقة ضغط في آن. الوقائع أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للاختزال أن التيار الوطني الحر، بقيادة جبران باسيل، وهو أكبر الأحزاب المسيحية المارونية في القاعدة الانتخابية، رفع خطابًا مناهضًا للتطبيع، بل إن باسيل نفسه واجه انتقادات غربية بسبب قربه من محور المقاومة على الأقل حتى مرحلة معينة.

في المقابل، حزب "القوات اللبنانية"، بقيادة سمير جعجع، تبنّت موقفًا أكثر انفتاحًا على "خيار الدولة" مع إسرائيل، وهذا الموقف يُترجَم صراحةً إلى دعم للتطبيع العلني. الكتلة الناخبة للقوات ليست متجانسة: شباب كثيرون من أبناء بيئتها يرفضون أي تطبيع، ويعبّرون عن ذلك علنًا مع يخالف رأي القيادة.

 حين تموت المصداقية، يُعاد تعريف العدو

ما يجري في الإعلام اللبناني اليوم ليس مجرد انحياز تحريري؛ إنه مشروع إعادة تعريف معجمي وثقافي: محاولة لاستبدال "العدو" في الوعي الجمعي، وإحلال "التهديد الداخلي"  الطائفي محل "التهديد الخارجي" الإسرائيلي في أولويات الخطاب.

هذا المشروع يحتاج إلى إعلام يُقدَّم بوصفه مستقلًا ومهنيًا. حين يفقد هذا الإعلام مصداقيته، وهو ما تفعله ردود الفعل الشعبية الرقمية يوميًا، يفقد المشروعُ أداتَه الأخطر. لذلك؛ فإنّ الضغط الشعبي على المنصات الإعلامية وفضح آليات تمويلها والمطالبة بشفافية ملكيتها، ليس فعلًا إعلاميًا فحسب؛ إنه فعل سياسي في جوهره.

 المصادر والمراجع

مرصد SMEX للإعلام الرقمي في لبنان — تقارير 2023-2024 حول ملكية وسائل الإعلام اللبنانية وتمويلها: [smex.org](https://smex.org)

تقرير "Reporters Without Borders" (مراسلون بلا حدود) — مؤشر حرية الصحافة لبنان 2024

- المفكرة القانونية — تحليلات حول التشريعات الإعلامية اللبنانية وآليات التمويل السياسي للمحطات

موقع The Media Line — تقارير حول التغطية الإعلامية العربية لمسار التطبيع 2023-2025

منظمة "7iber — دراسات تحليلية حول خطاب التطبيع في الإعلام العربي

- أرشيف بيانات التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية — المواقف الرسمية المعلنة 2024-2025

- Framing Theory — Entman, R.M. (1993): *"Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm"* — Journal of Communication, لمفهوم تأطير الخطاب الإعلامي.

 

 

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد