هكذا يُزيّف الإعلام اللبناني الواقع.. تحليل مضمون عيّنة من "النهار" و"LBC"

post-img

فاطمة سلامة/موقع العهد الإلكتروني

عمدنا إلى تحليل مضمون تغطية صحيفة النهار للعدوان "الإسرائيلي" على لبنان خلال الفترة الممتدة بين 23 و29 نيسان 2026 بهدف تفكيك البنية الخطابية كما تم تحليل عيّنة نشرتين لقناة "LBC" التي تدّعي المهنية.

أولى ضحايا الحرب هي الحقيقة. قول يُشاع في علوم الإعلام للإشارة إلى الحقيقة التي غالبًا ما تُشوّه أو تُخفى مع اندلاع الحروب. لماذا؟ لأنّه ببساطة ثمّة من يسعى للسيطرة على الرواية، وهذا ما تجهد إليه وسائل إعلامية كثيرة خلال الحروب، مستغلة دور الإعلام الذي لا يقتصر على نقل الخبر، بل يتعداه إلى تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام بما يخدم أجندات معيّنة. وعليه، يتم انتقاء المفردات "الخبيثة" و"الطيبة" بعناية، تمامًا كما يتم تسليط الضوء على أحداث دون غيرها، وتجاهل أخرى أكثر واقعية، وكما يتم ترتيب الأولويات وفق أجندات خاصة، وكل ذلك في سبيل "قولبة" الحقائق وتقديمها بصورة مختلفة عن جوهرها.

في العدوان "الإسرائيلي" الحالي على لبنان، برزت نماذج إعلامية لبنانية رفعت شعار "المهنية" و"الاستقلالية"، فيما كشفت مضامينها عن انحيازات واضحة وخيارات تحريرية تتقاطع بدرجات متفاوتة مع الرواية "الإسرائيلية" والأميركية. ومن بين هذه الوسائل، تبرز جريدة "النهار" بوصفها نموذجًا يستحق التوقف عنده، خصوصًا في ضوء الخطاب الذي اعتمدته خلال تغطيتها للعدوان، وطريقة مقاربتها للأحداث الميدانية والسياسية. وانطلاقًا من ذلك، عمدنا إلى تحليل مضمون تغطية صحيفة النهار للعدوان "الإسرائيلي" على لبنان خلال الفترة الممتدة بين 23 و29 نيسان 2026، بهدف تفكيك البنية الخطابية المستخدمة، والكشف عن آليات إنتاج السردية الإعلامية، وتقديم بعض الفاعلين السياسيين بوصفهم مصدر التهديد الأساسي، مقابل تهميش أو تبرير العدوان "الإسرائيلي" المباشر. كما تم تحليل عيّنة نشرتين لقناة "LBC" التي تدّعي المهنية لكنها في الواقع تعمل على حرف أنظار المشاهد عن القضايا الرئيسية الأساسية ومحاولة إلهائه وتزييف وعيه بحقيقة القضايا.

أولًا: تحليل عيّنة من صحيفة "النهار"

تاريخ العدد: 23 نيسان 2026

تغطية استشهاد الصحفية آمال خليل

في عددها الصادر بتاريخ 23 نيسان 2026، وتحت عنوان: "الصحافة تدفع الضريبة في تدهور ميداني عنيف... لبنان يطلب تمديد الهدنة في جولة واشنطن اليوم"، تناولت صحيفة "النهار" استشهاد الصحفية آمال خليل على إثر استهداف "إسرائيلي" في الجنوب اللبناني. جاء في النص: "على وقع "نصف حرب ونصف هدنة" (...) اخترق تدهور ميداني واسع وعنيف (...) تمثلت في استشهاد (...) آمال خليل (...) في غارة "إسرائيلية" على بلدة الطيري".

منذ السطور الأولى لما جاء في الصحيفة، يتبدّى ميل واضح نحو استخدام لغة تُخفف من وضوح الفعل "الإسرائيلي" المباشر، عبر توصيف ما جرى بأنه "تدهور ميداني واسع وعنيف" بدل تسميته بشكل صريح باعتباره عدوانًا أو قصفًا "إسرائيليًا" استهدف صحفيين. هذا النوع من الصياغة لا يبدو تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل يعكس آلية خطابية تُعيد تقديم الحدث بوصفه نتيجة "تدهور" عام ومشترك، لا فعلًا عسكريًا محدد المسؤولية. يزداد هذا المنحى وضوحًا مع تأخير ذكر "الغارة الإسرائيلية" إلى نهاية الفقرة، الأمر الذي يساهم في تخفيف وقع المسؤولية المباشرة للاحتلال "الإسرائيلي"، ويحوّل الجريمة من استهداف واضح إلى تفصيل يأتي لاحقًا ضمن سياق أوسع وأكثر ضبابية.

كما أن توصيف استشهاد آمال خليل بأنه "ضريبة دم صحافية" يجرّد الجريمة من بعدها السياسي والقانوني المرتبط باستهداف الصحفيين خلال الحروب، ويحوّلها إلى نتيجة جانبية ضمن مشهد ميداني عام، بما يخفف من مركزية الجهة المعتدية في السردية المطروحة.

في استكمالها للتغطية نفسها، استخدمت الصحيفة تعبير "الاختراقات المتبادلة لوقف النار" لوصف ما يجري ميدانيًا في الجنوب، واضعةً حزب الله و"إسرائيل" في موقع متساوٍ من حيث مسؤولية التصعيد، إذ جاء في النص :"تشير المعطيات الضاغطة في هذا السياق إلى الاكتفاء بالتمديد للهدنة النصفية، فيما تتصاعد في الجنوب يوميًا الاختراقات المتبادلة لوقف النار وتتواصل عمليات تدمير وتجريف المنازل في المنطقة الحدودية المصنفة "إسرائيليًا" تحت "الخط الأصفر"، وتتواصل في المقابل عمليات حزب الله بإطلاق الصواريخ والمسيّرات".

رغم إشارة النص إلى "عمليات تدمير وتجريف المنازل" التي تنفذها "إسرائيل" في المنطقة الحدودية، إلا أن هذه الإشارة جاءت مباشرة قبل الحديث عن "عمليات حزب الله بإطلاق الصواريخ والمسيّرات"، في بناء لغوي يهدف إلى خلق انطباع بوجود تماثل بين الطرفين، متجاهلًا الفارق الجوهري بين استهداف البنية المدنية اللبنانية وبين العمليات العسكرية التي تأتي في سياق المواجهة.

هذا النوع من "التوازن الخطابي" لا ينتج حيادًا فعليًا بقدر ما يطمس الفوارق الأساسية بين المعتدي والطرف الواقع تحت العدوان، ويُعيد توزيع المسؤوليات بطريقة توحي بأن التصعيد نتاج سلوك متبادل ومتساوٍ، لا نتيجة عدوان "إسرائيلي" مستمر على الأراضي اللبنانية. هذا التوازن في السرد قد يهدف إلى إظهار الحيادية، لكنه قد يطمس الفارق في طبيعة وحجم الأفعال، خاصة أن تدمير المنازل هو فعل عدواني مباشر ضد المدنيين والبنية التحتية.

تمجيد الوساطة الأميركية

إلى جانب المقاربة الميدانية، برز في النص حضور لافت للدور الأميركي بوصفه عنصر الإنقاذ الأساسي، إذ ركزت الصحيفة بصورة مكثفة على المسار التفاوضي الذي ترعاه واشنطن، وعلى تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتباره عاملًا حاسمًا في منع انفجار الحرب، إذ قالت الصحيفة: "(..) لن يشكّل العامل الضاغط بقوة للانتقال إلى المرحلة المفصلية التي يجسّدها المسار الدبلوماسي لئلا تنفجر الحرب مجدداً وتخرج الأمور عن زمام الاتجاهات الحاسمة التي برزت مع تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وضع الملف اللبناني على طاولة أولويات إدارته. ولذا ستكتسب الاتجاهات الأميركية التي ستعلن في جولة اليوم أهمية لجهة تسريع المسار التفاوضي وعدم المراوحة في ظل هدنة هشة مرشحة للانهيار في أي لحظة".

هذا التقديم لا يكتفي بمنح الولايات المتحدة دور الوسيط، بل يكرّسها بوصفها الجهة القادرة وحدها على فرض الاستقرار، متجاهلًا في الوقت نفسه حقيقة الدعم الأميركي السياسي والعسكري المستمر لـ"إسرائيل" خلال العدوان على لبنان. ومن خلال هذا الخطاب، تتحول واشنطن من شريك أساسي في دعم الاحتلال إلى "راعٍ للسلام"، فيما يُعاد تقديم المفاوضات باعتبارها الخيار الوحيد الممكن، بما ينسجم بصورة واضحة مع السردية الأميركي-"الإسرائيلية" للصراع.

تاريخ العدد: 24 نيسان 2026

الرعاية الأميركية بوصفها "خلاصًا" سياسيًا

في عددها الصادر بتاريخ 24 نيسان 2026، وتحت عنوان: "دخول سعودي على خط المساعي للتهدئة والتفاوض..."، ركّزت "النهار" بصورة أساسية على المسار التفاوضي برعاية أميركية-سعودية، مقابل تراجع حضور العدوان "الإسرائيلي" الميداني. منذ بداية النص، يبرز الخطاب الذي تتبناه الصحيفة تجاه الدورين الأميركي والسعودي بوصفهما عاملين إيجابيين يقودان لبنان نحو "التهدئة" و"الاستقرار"، في مقابل تصوير أي موقف معارض لهذا المسار بوصفه عائقًا أمام الحل، إذ كتبت الصحيفة: "أحدث خبر حضور ترامب للمحادثات (...) دوياً إيجابياً (...) كما أن رهان السلطة في الهدنة الممددة يستند إلى اختبار الضغط الأميركي الجدي لفرضها". يحمل تعبير "دويًا إيجابيًا" دلالة تتجاوز الوصف الإخباري، إذ يعكس تبنّيًا ضمنيًا للدور الأميركي وتقديمه بوصفه عامل إنقاذ. وفي المقابل، تغيب أي مقاربة نقدية للدعم الأميركي لـ"إسرائيل" خلال العدوان.

المفاوضات خيار وحيد

يتبدّى الانحياز أيضًا في طريقة تقديم المسار التفاوضي باعتباره الطريق الطبيعي الوحيد أمام لبنان، كما في العبارة: "استراتيجية الخروج من الكارثة الحربية إلى مسار المفاوضات الجوهرية الثنائية بين لبنان و"إسرائيل"". تختزل هذه الصياغة الأزمة اللبنانية في الحاجة إلى الانتقال نحو التفاوض، متجاهلة أن أصل "الكارثة الحربية" هو العدوان "الإسرائيلي" المستمر، لا مجرد غياب المفاوضات. كما أن توصيف المفاوضات الثنائية بوصفها "المسار الجوهري" يمنحها شرعية سياسية كاملة، ويُعيد ترتيب الأولويات بطريقة تجعل وقف المواجهة مرهونًا بالانخراط في الرؤية الأميركية للحل.

تغييب العدوان وتكريس سردية "الهدنة"

في مقابل هذا الاحتفاء بالمسار التفاوضي، يغيب عن النص أي توصيف واضح للاعتداءات "الإسرائيلية" الجارية، رغم استمرار القصف والخروقات الميدانية. فبدل التركيز على الاحتلال بوصفه الطرف الذي يواصل التصعيد، تنشغل التغطية بإبراز "الضغط الأميركي" و"الجهد السعودي" وضرورة إنجاح المفاوضات. كما أن استخدام تعبيرات مثل: "تمديد الهدنة"، "تثبيت وقف النار"، "المظلة الأميركية للمسار التفاوضي"، يُنتج انطباعًا بأن الأزمة الأساسية تكمن في هشاشة التفاهمات السياسية، لا في استمرار العدوان "الإسرائيلي" نفسه. وهنا، تتحول اللغة الإعلامية إلى أداة لإعادة تعريف طبيعة "الصراع"، من "صراع" مرتبط بالاحتلال والاعتداءات العسكرية إلى أزمة تفاوضية تحتاج إلى إدارة دولية.

تاريخ العدد: 25 نيسان 2026

تحميل حزب الله مسؤولية الحرب

تحت عنوان: "ذكرى الانسحاب السوري على وقع مواجهة إيران..."، كتبت الصحيفة: "مع أن معالم "عودة" الحرب (...) لم تقف حائلًا دون الوقوف عند الذكرى الـ21 لانسحاب الجيش السوري (...) ويتمثّل "الإنجاز" في تقاطع لبناني-أميركي (...) الأمر الذي انتزع من إيران و"حزب الله" (...) القدرة على "استباحة" لبنان دبلوماسياً (...)". يُسلّط المقطع الضوء على ذكرى الانسحاب السوري بدلًا من التركيز على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ويربط بين الانسحاب السوري والوضع الراهن، وتستخدم مصطلحات ضد النفوذ الإيراني وحزب الله لا يستخدمونها ضد "الإسرائيلي" الذي يرتكب المجازر بحق اللبنانيين. ويُلاحظ هنا الانتقال من تغطية العدوان "الإسرائيلي" إلى استحضار ملف الوصاية السورية وربطه بإيران وحزب الله، عبر مفردات ذات دلالات سلبية مثل "استباحة". كما يظهر تمجيد واضح للدور الأميركي، مقابل تقديم نفوذ حزب الله وإيران بوصفه تهديدًا للسيادة اللبنانية.

أضافت الصحيفة: "في غضون ذلك، بدا لبنان وكأنه يرزح تحت وقائع تنذر بانهيار الهدنة الهشّة الممددة وعودة الحرب على الغارب من بواباتها الجنوبية المشرّعة على تصعيد عسكري وميداني عنيف، تتبادل فيه إسرائيل و"حزب الله" الإطاحة تماماً بوقف النار (...)  أما معالم التصعيد الميداني والخشية من الانزلاق السريع الحاصل إلى عودة الحرب، فبرزت مع المواقف التي أعلنها نتنياهو من جهة، وتصعيد حزب الله لتهويله وتهديداته للسلطة اللبنانية من جهة مقابلة. واعتبر نتنياهو أن "حزب الله يقوّض اتفاق وقف النار في لبنان". وقال في مستهل الاجتماع الأسبوعي للحكومة: "يجب أن يكون مفهومًا أن انتهاكات حزب الله تقوّض وقف إطلاق النار". وأشار إلى "حرية العمل" في الرد "الإسرائيلي" على الحزب في لبنان "وفقاً للاتفاق مع الولايات المتحدة ولبنان".

تكرّر الصحيفة أسلوبها في وضع ردّ حزب الله العسكري في كفة مقابلة للعدوان "الإسرائيلي" على لبنان، والحديث عنه وكأنّ هذا الرد خرق للهدنة، وليس دفاعًا عن النفس كما هي الحقيقة. كما يضع هذا المقطع مواقف نتنياهو وحزب الله في كفتي ميزان متساويتين، حيث يصف تصعيد حزب الله بـ"التهويل والتهديدات للسلطة اللبنانية". الأهم هو اقتباس نتنياهو الذي يعتبر أن "حزب الله يقوّض اتفاق وقف النار" وأن "انتهاكات حزب الله تقوّض وقف إطلاق النار". ثم يذكر أن "إسرائيل" لديها "حرية العمل" في الرد "وفقاً للاتفاق مع الولايات المتحدة ولبنان". هذا الجزء يعكس بوضوح السردية "الإسرائيلية" التي تصور أفعالها كرد فعل مشروع على ما تزعم أنها انتهاكات حزب الله، ويمنحها شرعية من خلال الإشارة إلى "الاتفاق مع الولايات المتحدة ولبنان". هذا التوصيف يميل إلى تبرير الأفعال "الإسرائيلية" ويقلل من مسؤوليتها عن التصعيد وارتكاب المجازر.

تاريخ العدد: 28 نيسان 2026

تأطير حزب الله بوصفه سبب الأزمة

تحت عنوان: "الانفجار الأعنف بين الرئيس جوزف عون وحزب الله..."، كتبت "النهار": "منذ فجّر الحزب حرب مساندة إيران واستدرج كوارثها إلى لبنان (...) ولعلّ الأهم من المضمون العنيف في ردّ الرئيس عون أنه لاقى ترحيباً واسعاً وحارّاً من جهات وقوى كثيرة، بما يعكس الدلالات البالغة السلبية للعزلة التي تحاصر الحزب في حربه السياسية والدعائية المفلسة على السلطة وقرارها بإنهاء الحرب عن طريق المفاوضات لإنهاء "حروب الاخرين" وحروب الإسنادات لمصالح إيران وغيرها إنهاءً حاسمًا".".

يفتتح النص مقاربته بتحميل حزب الله مسؤولية الحرب بصورة مباشرة، متجاهلًا سياق الاعتداءات "الإسرائيلية". كما أن ربط الحرب حصرًا بـ"مساندة إيران" يعكس توجّهًا يختزل الصراع ضمن البعد الإقليمي، لا ضمن المواجهة مع "إسرائيل"، متجاهلة الواقع الذي عاشه اللبنانيون على مدار نحو 15 شهرًا سبقت اندلاع الحرب الحالية، حيث لم تتوقف الاعتداءات والمجازر والخروقات وهدم البيوت. كما عكست المفردات الواردة بوضوح تبنّي الصحيفة للسردية السياسية التي تعتبر أن دور حزب الله في المواجهة مع "إسرائيل" ليس دفاعًا عن لبنان، بل هو امتداد لمصالح إقليمية خارجية. فعبارة "حروب الآخرين" تُستخدم لنزع الطابع الوطني عن المقاومة، وتقديمها كأداة مرتبطة بإيران، في مقابل تصوير خيار المفاوضات باعتباره المسار العقلاني والشرعي الوحيد. ومن خلال هذا التأطير، يجري تغييب البعد المتعلق بالعدوان "الإسرائيلي"، لصالح تركيز شبه كامل على مسؤولية الحزب عن استمرار الحرب.

أضافت الصحيفة: "يبدو أن محاصرة الحرب العبثية السياسية (...) لن تقف عند حدود المواجهة السياسية (...) بل ستتخذ صورة إقفال نوافذ الابتزاز والتهويل (...) لمنع السلطة من المضي قدمًا في خيار المفاوضات برعاية الولايات المتحدة الأميركية". يعكس هذا المقطع بوضوح تبنّي الصحيفة للمسار التفاوضي بوصفه "الخيار العقلاني"، مقابل تصوير الحزب كجهة تعرقل الدولة وتمارس "الابتزاز" و"التهويل". وفي المقابل، تغيب أي إشارة إلى الضغوط أو الشروط "الإسرائيلية" والأميركية المفروضة على لبنان. ويتجلّى ذلك منذ العبارة الأولى التي تصف تحركات الحزب بأنها "حرب عبثية سياسية" و"حرب عبثية ميدانية"، وهي توصيفات لا تحمل طابعًا وصفيًا محايدًا، بل تتضمن حكمًا مسبقًا ينزع عن الحزب أي مشروعية سياسية أو عسكرية، ويقدّم أفعاله باعتبارها بلا هدف أو جدوى وطنية.

تأطير خطاب الأمين العام لحزب الله بصبغة عدائية

في العدد نفسه، كتبت الصحيفة: "مضى الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في خطاب يكاد لا يعترف بالدولة (...)". وفي هذا المورد، لا تكتفي الصحيفة بعرض كلام سماحة الشيخ نعيم قاسم، بل تسبقه بحكم سياسي يوجّه القارئ إلى تلقّي الخطاب باعتباره تمرّدًا على الدولة. كما تصف حديثه بأنه جاء "متوعّدًا"، حيث تدرج الصحيفة مفردات تُستخدم لإضفاء طابع تصعيدي وعدائي على موقف الحزب. في المقابل، لا يجري التعامل بالحدة نفسها مع الخطاب "الإسرائيلي" أو مع التهديدات الصادرة عن المسؤولين "الإسرائيليين"، ما يعكس اختلالًا واضحًا في المقاربة التحريرية وتوزيع الأحكام داخل النص.

وقد جرى نقل التهديدات "الإسرائيلية" دون تفنيد، حيث نقلت الصحيفة عن وزير الحرب "الإسرائيلي" يسرائيل كاتس قوله: "ستحرق هذه النار حزب الله ولبنان بأكمله (...) ونزع سلاح حزب الله يجب أن يمتد إلى كامل لبنان". إيراد هذه التصريحات بهذا الشكل، خاصة مع عدم وجود رد لبناني رسمي مباشر أو تحليل مضاد في نفس السياق، قد يعطي وزنًا أكبر للسردية "الإسرائيلية" ويجعلها تبدو كحقائق أو شروط مقبولة.

تاريخ العدد: 29 نيسان 2026

تكريس السردية التفاوضية

تحت عنوان: "لبنان يقترب من حسم "الاستراتيجية التفاوضية""، كتبت الصحيفة: "الولايات المتحدة الأميركية (...) تسريع إطلاق مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية (...)". يعكس النص استمرار التركيز على المسار التفاوضي بوصفه مركز الحدث، فيما يُقدَّم الدور الأميركي والسعودي كعامل استقرار رئيسي. كما جاء في الصحيفة: "الإدارة الأميركية تبدو حذرة للغاية حيال انهيار الهدنة (...) ولو أنها تمنح إسرائيل الغطاء الأخضر لعمليات الرد على "حزب الله"".

تعترف الصياغة ضمنيًا بالدعم الأميركي للتحرك "الإسرائيلي"، لكنها تعيد تأطيره ضمن مفهوم "الحذر" و"منع التصعيد"، بما يخفف من دلالة الانحياز الأميركي. نقلت الصحيفة عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قوله: "المشكلة الوحيدة التي تواجهها تل أبيب هي حزب الله (...) وأن وجود القوات الإسرائيلية في الجنوب "منطقة عازلة مؤقتة"". يُعرض هذا الخطاب من دون أي مسافة نقدية، بما يعيد إنتاج السردية الأميركية–"الإسرائيلية" التي تختزل الأزمة في حزب الله، وتقدّم الوجود العسكري "الإسرائيلي" بوصفه إجراءً دفاعيًا مؤقتًا.

المعالجة البصرية في صحيفة "النهار"

على صعيد المعالجة البصرية، تعكس الصور المستخدمة انحيازاً في زاوية التقديم أكثر مما تعكس مجرد اختيار توثيقي محايد. فبدلاً من إبراز صور تُجسّد حجم الخسائر أو لحظات المواجهة التي يمكن أن تُقرأ في سياق الصمود أو الأثر المباشر للعدوان، جرى التركيز على مشاهد تُظهر آليات عسكرية "إسرائيلية" تتحرك فوق ركام المنازل المدمرة قرب الشريط الحدودي، أو مركبات عسكرية تسير بين بقايا الأحياء السكنية في جنوب لبنان.

هذا النوع من الاختيار البصري لا يكتفي بتوثيق الحدث، بل يوجّه طريقة قراءته، إذ يُبرز حركة القوة المهاجمة داخل فضاء الدمار بوصفها المشهد المركزي، مقابل تراجع حضور الإنسان أو فعل المقاومة أو حتى لحظة الدمار نفسها كحدث قائم بذاته. وبهذا، تتحول الصورة من أداة توثيق متعددة الدلالات إلى إطار بصري يميل إلى تثبيت سردية واحدة، تقوم على إبراز الفعل العسكري "الإسرائيلي" داخل البيئة المدمّرة بوصفه المشهد الغالب، لا مجرد عنصر ضمن سياق حرب أوسع.

ملاحظة: لم يتم تحليل العددين 26 و27 نيسان 2026 لعدم صدور الصحيفة في هذين التاريخين.

ثانيًا: تحليل عيّنة من نشرات LBCI

نشرة 24 نيسان (الظهيرة)

العناوين

-جولات الموفد السعودي مستمرة

-ترامب يمدد وقف إطلاق النار

-مؤتمر دعم للبنان

تعكس هذه العناوين تركيزًا على الفاعلين الدوليين، مقابل تراجع واضح في تغطية العدوان العسكري المباشر، بما يعزز فرضية وجود خط تحريري يقوم على تدويل الأزمة اللبنانية وتقديم الحلول عبر الخارج.

2. نشرة 24 نيسان (المسائية)

العناوين

-"لبنان في واشنطن... انتهى زمن الوصاية" (خلفية تجمع العلمين اللبناني و"الإسرائيلي").

-حراك دولي وعربي على خط لبنان

-تفاصيل الاجتماع اللبنان-"الإسرائيلي" في البيت الأبيض

-نتنياهو: حزب الله يحاول تقويض جهود السلام

-وقف النار على المحك

تعكس هذه العناوين انتقالًا واضحًا من مركزية الحدث العسكري إلى مركزية المسار التفاوضي والدور الدولي، مع منح السردية "الإسرائيلية" مساحة تفسيرية مباشرة داخل النشرة. يشكّل العنوان الافتتاحي إطارًا سياسيًا مسبقًا للنشرة، فيما تنتج الخلفية البصرية نوعًا من "التطبيع البصري"، عبر وضع الطرفين في مشهد تفاوضي طبيعي. تُسجَّل في النشرة مفارقة لافتة تتمثل في غياب أخبار الاعتداءات "الإسرائيلية" عن العناوين الأساسية، مقابل التركيز على المفاوضات اللبنانية-"الإسرائيلية".

استنتاجات

تكشف العيّنة المدروسة من تغطيات "النهار" و"LBCI" عن نمط تحريري يقوم على:

-المساواة بين العدوان "الإسرائيلي" وردود حزب الله.

-تقديم الولايات المتحدة والسعودية بوصفهما راعيين أساسيين للاستقرار.

-نقل مركز التغطية من العدوان الميداني إلى المسار التفاوضي.

-تأطير حزب الله بوصفه أزمة داخلية تعرقل الدولة والاستقرار.

-إعادة إنتاج السردية الأميركية-"الإسرائيلية" ضمن بنية لغوية وسياسية وإخبارية تبدو في ظاهرها مهنية ومحايدة.

بذلك، لا تبدو هذه التغطيات مجرد نقل للوقائع، بل مساهمة مباشرة في إعادة ترتيب الواقع الإخباري وتوجيه طريقة فهمه لدى الرأي العام اللبناني. 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد