معضلة ترامب.. من إخفاق الحسم إلى توازنات الردع القسرية

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

ما يجري في العلاقة الأمريكية- الإيرانية لا يمكن قراءته على أنه مسار تصعيد تقليدي يتدرج نحو الحرب أو التسوية؛ لأن البنية العميقة للصراع لم تعد تسمح بأي من الخيارين بالشكل الكلاسيكي. نحن أمام نظام قوة لا يُنتج حسمًا، بل يُعيد إنتاج العجز عن الحسم على أنه وظيفة مستقرة داخل الإقليم. هنا؛ تحديدًا يجب تفكيك الخطاب الذي يتعامل مع تحركات واشنطن، أو تل أبيب، بوصفها خطوات نحو قرار نهائي، إنما هي في الواقع تحركات داخل دائرة مغلقة من إدارة الاستنزاف.

الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع الإقليم بكونه فضاءً يمكن إعادة تشكيله بالتفوق العسكري المباشر، باتت تراه بيئة مقاومة لأي تحويل نهائي لموازين القوة. التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، والذي كان تاريخيًا أداة لإنتاج نتائج سياسية، يتحول تدريجيًا إلى قدرة على التعطيل لا على الإنهاء؛ أي إن وظيفة القوة لم تعد فرض النظام، بل منع انهيار التوازن نحو جهة واحدة، وهو تحول جوهري في طبيعة الهيمنة نفسها.

في المقابل؛ لا تتحرك إيران داخل منطق رد الفعل، إنما داخل هندسة مضادة تقوم على تحويل الضغط إلى زمن، وتحويل الزمن إلى أداة استنزاف بنيوي للخصم. ما يبدو أنه مقاومة هو في جوهره إدارة دقيقة لعدم السماح بتحويل التفوق المقابل إلى نتيجة سياسية قابلة للإغلاق. بهذا المعنى، لا تسعى طهران إلى كسر النظام بقدر ما تعمل على إبقائه مفتوحًا؛ لأن الانفتاح المستمر هو الشكل الأكثر أمانًا لتآكل قدرة الخصم على الحسم.

ضمن هذه البنية، يتغير معنى الردع نفسه. لم يعد الردع قدرة على منع الفعل، أصبح قدرة على منع النتيجة؛ أي إن كل طرف لا يمنع خصمه من الحركة، إنما يمنعه من الوصول إلى نهاية. هنا، يتحول الصراع من مواجهة إلى نظام تشغيل دائم، حيث تُدار القوة بوصفها عملية استنزاف متبادل لا بوصفها أداة قرار.

الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، لم تعد مجرد عقدة جغرافية في تجارة الطاقة، لقد تحولت إلى نقطة اختبار مركزية في هذا النظام. هي ليست ورقة إغلاق أو فتح، بل أداة لربط الأمن الاقتصادي بمستوى التوتر السياسي. بمعنى أدق، الطاقة لم تعد منفصلة عن الصراع، لقد أصبحت جزءًا من آلية ضبطه، حيث تتحول كل شحنة وكل مسار إلى عنصر في معادلة الردع غير المعلن.

"إسرائيل"، في هذا السياق، لا تعمل بصفتها فاعلًا مستقلًا خارج النظام الأمريكي، هي امتداد وظيفي لمنطق ردع فقد قدرته على إنتاج نهاية حاسمة. التفوق العسكري الإسرائيلي يظل قائمًا، لكنه يتحرك داخل بيئة لا تسمح بتحويله إلى استقرار سياسي طويل المدى. هذا ما يفسر التحول من منطق "الحسم الوقائي" إلى منطق "الإدارة الدائمة للتهديد"، أي الانتقال من هندسة الأمن إلى إدارة القلق الاستراتيجي المستمر.

في الخليج؛ يتكشف أثر هذا التحول بشكل أكثر حساسية. إذ إن المظلة الأمريكية التي بُني عليها الاستقرار، على مدى عقود، لم تعد تُنتج درجة اليقين نفسها، ليس لأنها اختفت، السبب هو فقدان قدرتها على ضمان النتيجة النهائية لأي مواجهة. هنا؛ يتحول الاعتماد الأمني من ضمانة إلى متغير، ومن استقرار إلى مصدر حساب دائم للكلفة والمخاطر. هذا لا ينتج انقلابًا في التحالفات، إنما يعيد تشكيل منطق الاعتماد نفسه داخل بيئة غير مستقرة بطبيعتها.

أما داخل الولايات المتحدة؛ فالمعضلة أعمق من مجرد خلاف سياسي حيال التدخل الخارجي. إننا أمام تحول في تعريف القوة القابلة للاستخدام أصلًا. الحرب الشاملة أصبحت غير قابلة للتسعير السياسي والاقتصادي، والحرب المحدودة لم تعد تنتج أثرًا سياسيًا حاسمًا. بين هذين الحدين، تتآكل وظيفة القوة كونها أداة لتصميم النظام الدولي، وتتحول إلى أداة لإدارة المخاطر فقط.

في هذا السياق، يصبح خطاب الإنذارات والمهل القصيرة، ومنها ما يُنسب لــ"ترامب"، محاولة لإعادة هندسة إدراك الخصم وحدود حركته، وليس تعبيرًا عن نية حسم. الإنذار، هنا، ليس زمنًا فعليًا، هو أداة ضغط نفسي واستراتيجي تهدف إلى إعادة توزيع الخوف، لا إلى إنتاج قرار. إذ إن النظام لا يعمل على توقيت الحرب، بل على إدارة احتمالاتها حتى يمنع انفلاتها.

في النتيجة؛ القوى الكبرى، بدل أن تتحرك نحو قرار، تتحرك داخل نظام يمنع القرار نفسه من التبلور. الولايات المتحدة لا تستطيع الحسم من دون كلفة بنيوية عالية، وإيران لا تستطيع الاستسلام إلا بحدوث انهيار داخلي، و"إسرائيل" لا تستطيع تحويل تفوقها إلى استقرار دائم، والخليج لا يستطيع مغادرة المظلة من دون إعادة تعريف أمنه بالكامل. هذه ليست أزمة سياسات، هي أزمة بنية نظام إقليمي لا ينتج نهايات.

ما يتشكّل في العمق ليس توازن قوى جديدًا بالمعنى التقليدي، هو توازن عجز متبادل عن الحسم. قوة كل طرف أصبحت مرتبطة بقدرته على منع الآخرين من إنهاء اللعبة، لا على إنهائها لمصلحته. هنا؛ يتحول الردع من أداة استقرار إلى آلية استنزاف دائم، ويتحول الزمن نفسه إلى ساحة الصراع الأساسية.

في هذا الإطار؛ لا تبدو معضلة ترامب حالًا فردية أو سياسية ظرفية، بل تعبيرًا مكثفًا عن مأزق أوسع: قوة كبيرة تعمل داخل نظام لم يعد يقبل استخدام القوة وسيلةً نهائية. بين إرث الهيمنة وحدود الواقع، تتشكل منطقة رمادية لا تُدار فيها الحروب ولا تُحسم، بل تُدار فقط احتمالات استمرارها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد