اضطرابات قلق وتأتأة وسلوكيات عنيفة: الحرب لا ترحم الأطفال

post-img

زينب حمود (صحيفة الأخبار)

ما كادت ورشة «الترميم النفسي» للأطفال بعد حرب 2024 تنطلق في مدارس الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، حتى بدأت حرب جديدة أكثر عنفاً على المدنيين، بمن فيهم الفئات الأصغر سناً. يتحدّث بعض المعنيين عن نتائج مدمّرة للحرب على الأطفال على المدى القريب والبعيد، مقابل رأي آخر يغالي في الإيجابية، يعتقد أن الطفل اللبناني سيخرج من الحرب أقوى كونه معتاداً على الأزمات.

غير أن كليهما «رأيان خاطئان» من الناحية الطبية، تقول طبيبة الأطفال المتخصّصة في الطب التطوّري السلوكي في مستشفى «تافتس» الجامعي في مدينة بوسطن الأميركية، نجاة فضل الله. فالأول يتجاهل أن أثر الأزمات لا يُقاس بحجم الأزمة، بل بحجم التأثّر بها، فيما يتجاهل الثاني أن قدرة الطفل على التعايش مع الوقائع الجديدة لا تلغي تفاعل جهازه العصبي مع كل تهديد يتعرّض له، تشرح فضل الله.

إذاً، وبغضّ النظر عن فداحة هذه الحرب ووحشيتها، لا يمكن تعميم أثرها على جميع الأطفال. لكن يمكن الحديث عن أعراض مشتركة ينقلها متخصّصون وعدد من الأهالي لـ«الأخبار»، إذ تظهر تصرّفات عدوانية وانطوائية، وسلوكيات تؤشّر إلى القلق والتوتر الدائميْن، مثل تحوّل أحد أطفال هؤلاء «من طفل هادئ إلى طفل عصبي، يصرخ كلما أراد شيئاً». كما تُلاحظ شدّة التعلّق بالأهل بطريقة هوسية، فـ«لا يقبلون خروجهم من المنزل، وأحياناً يلحقون بهم عندما ينتنقلون بين الغرف». كذلك، أصبح الأطفال أكثر حساسية تجاه الأصوات المرتفعة، حتى إن بعضهم ينتفض لمجرد إقفال باب. ويعبّر الطفل علي مثلاً عن خوفه لدى سماعه صوتاً قوياً، بقوله: «إجى الوحش». وكلّما غادر والده أو جدّه المنزل ظنّ أنه «راح يقتل الوحش».

الأطفال الأكثر هشاشة، من ذوي الاحتياجات الخاصة ومن يعانون من اضطرابات نفسية وعصبية، أكثر عرضة للأذى النفسي من سواهم، إذ يلمس الأهل تراجعاً في حالاتهم، مثل سماح التي لاحظت تطوّر الوسواس القهري لدى ابنتها (10 سنوات) بعد الحرب. وفي بعض الأحيان تظهر اضطرابات جديدة كالتأتأة، كما حصل مع جواد (3 سنوات) الذي كان يتكلم بشكل طبيعي قبل الحرب، لكن «مُذ خرجنا من منزلنا في الجنوب تحت القصف، صار يُتأتئ ويعبّر عن خوفه بعينيه»، يقول والده.

تُميِّز فضل الله الأعراض الناجمة عن الحرب، بين أعراض جسدية (مشاكل في النوم والأكل، تبوّل لا إرادي...)، وسلوكية (عصبية، عناد، نوبات غضب وقلق...)، وتطورية (خسارة في المهارات المكتسبة كالتوقف عن الكلام، عدم القدرة على تركيب جمل واضحة، العودة إلى وضع الحفاضات...). لكن، كل ما سبق ذكره، والذي يبدو مخيفاً للأهالي، «لا يخيفنا كمتخصّصين، لمعرفتنا أنها أعراض مؤقّتة نتيجة الحرب»، تطمئن فضل الله.

وتتفق المستشارة الدولية في حماية الطفل والرعاية البديلة، زينة علوش، مع فضل الله، على أن كل هذه المؤشرات «ومن دون التقليل من أهميتها، تبقى طبيعية ضمن السياق العام من الخوف والضياع والارتباك التي يمرّ بها الأطفال، وهي تظهر بطريقة دفاعية، كإشارة إلى أنهم ليسوا بخير».

وتشرح علوش المخاطر التي يتعرّض لها الأطفال في ظل أزمة النزوح، والتي تنعكس على تصرفاتهم الآنية وقد تنعكس عليهم مستقبلاً؛ بدءاً من البعد القسري عن المكان الثابت، والانتقال نحو أماكن للسكن المؤقّت (كالمدارس) لا تصلح، في أفضل حالاتها، كي يشعر الطفل فيها بالأمان. وترى علوش أن «أكثر ما يزعزع الأطفال هو شعورهم بعدم الأمان وعدم الاستقرار، فكيف إذا جاء ذلك نتيجة حرب، واختبروا الخوف والقلق من خسارة البيت والأرض والأصدقاء والعائلة الممتدّة والمدرسة».

ويتأثّر الأطفال عموماً بتغيّر نمط حياتهم، وهو ما تسمّيه فضل الله «اختلال الروتين، وقابلية التوقع التي تُشعِر الطفل بالأمان، ومتى خسرها يتعرّض لقلق حادّ وأعراض سلوكية». فرغم صغر سنّه، يبكي عباس (سنتان) باستمرار منذ نزوح العائلة، ولا يأكل جيداً. بعد الهدنة مباشرة، «صعدنا إلى الجنوب، فكانت ردّة فعله غير طبيعيّة، إذ رمى بنفسه من السيارة وركض نحو المنزل، وعندما عدنا إلى النزوح عاد إلى حالته السابقة»، تروي والدته.

لا يمكن أيضاً إغفال عامل الاكتظاظ في خيمة أو غرفة في مدرسة، أو تشارك أكثر من عائلة لمنزل صغير، وما ينتج من ذلك من «تزعزع لدى الطفل بسبب التدخل في شؤونه الخاصة، عدا المخاطر الموثّقة عن انتشار حالات تحرش بالأطفال، ما يستدعي ضرورة وضع أطر حماية متشددة، خصوصاً في مراكز الإيواء»، تشدّد علوش.

في المقابل، ينظر بعض الأهالي نظرة إيجابية إلى الزحمة التي يعيشونها في نزوحهم، لأنها توفّر فرصة ليختلط الطفل بأفراد العائلة الممتدّة، والتفاعل مع أطفال من عمره.

ما هو الحل؟

أولاً، يُجمِع المتخصّصون على عدم جدوى البدء في مسار التعافي قبل انتهاء الأزمة وعودة الاستقرار نسبياً، خصوصاً أن أدوات تشخيص الاضطرابات، مثل اضطراب القلق ليست فعّالة في ظل استمرار الحرب. أمّا إذا كان هناك أي أثر حادّ، كمحاولة الطفل إيذاء نفسه أو عدم إظهاره استعداداً للتواصل مع الآخرين، فيمكن الاستعانة باختصاصيين، إن أمكن ذلك.

وعموماً، هناك استراتيجيات للدعم النفسي والسلوكي يمكن أن يقدّمها الأهل بعد تمرّنهم عليها، للتخفيف من مخاطر الحرب على أطفالهم. تقترح فضل الله منها محاولة خلق روتين جديد. وتوضح أن «العودة إلى الروتين الطبيعي يبقى خياراً خيالياً في ظل الظروف الراهنة، لكن يكفي توفير روتين واحد في اليوم، مثل طقوس يومية قبل النوم كقراءة قصة، أو ممارسة لعبة. وكلّما أدخل الأهل روتينات أكثر يشعر الطفل بعودة النظام الذي اختلّ، وبالتالي بالأمان».

في ما يخصّ الإحساس بالأمان، يحتاج الطفل إلى الشعور بالسكون لدى أهله، كي تنتقل إليه العدوى. وفيما الأهل متوتّرون ومُثقلون بهموم المعيشة والتهجير، قد يبدو ضبط مشاعرهم أمام أطفالهم سوريالياً. لذا، تقترح فضل الله أن يلجأ الأهل عندما يهدأون للتواصل مع الأولاد إلى شرح أن ردات فعلهم مؤقّتة وطبيعية وسيعودون بعدها إلى هدوئهم، فيعلّمون الطفل بذلك كيفية ضبط مشاعره والتعامل معها. ويمكنهم الاستعانة بالأقارب الذين يشاركونهم مكان النزوح، إذا تعذّر عليهم ذلك. من جهتها، تشير علوش إلى «دور الهيئات العامة لتوفير مساحة آمنة للأطفال للتعبير عن قلقهم، بطرق أخرى، مثل جلسات تفريغ واستماع، وجلسات فنية».

كيف نجيب على أسئلة الطفل؟

يسأل الأهل كثيراً عن كيفية التعامل مع أسئلة أطفالهم الكثيرة أثناء الحرب، وما الذي يجب ولا يجب أن يعرفوه. ترى فضل الله أن الأمر يتوقف عند المرحلة العمرية، فـ«إذا كان الطفل واعياً (فوق 6 سنوات) يحتاج، إلى جانب الدعم العاطفي، إلى إجابات من الأهل عن أسئلته ليبقوا مصدر ثقة بالنسبة إليه، ما يُشعِره بالأمان».

أحياناً تكون أسئلة الطفل غير مريحة لوالديه وتصل إلى مرحلة الإيذاء، كأن يسأل مثلاً: «ما الذي سيحلّ بي إذا توفيتما». هنا، «من الخطأ إنكار هذا الاحتمال، الوارد في رأس الطفل لما يعرفه عن آخرين يخسرون أهاليهم، وهو بحاجة إلى شيء ملموس ليرتّب حياته على هذا الأساس». والصحيح؛ هو تطمينه بـ«أننا معك الآن، وإن لم نكن يوماً فهناك آخرون يحبونك ويهتمون بك، مثل العائلة الممتدّة»، من دون الغوص في تفاصيل كثيرة، تنصح فضل الله.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد